۱۸۵۰مشاهدات
رمز الخبر: ۲۰۱۹۲
تأريخ النشر: 14 July 2014
شبكة تابناك الاخبارية: ولد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام في النصف من شهر رمضان في السنة الثالثة للهجرة ، وقيل: في السنة الثانية، في المدينة المنورة. وا ُمّه فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، وبهذه المناسبة نستعرض قبسات من حياته الشريفة.

وأسرع النبيّ الأكرم صلـّى الله عليه وآله وسلم إلى بيت علي عليه السلام عندما سمع بنبأ ولادته المباركة، ونادى أسماء أن تأتيه بولده، فأذّن في أذنه اليُمنى وأقام في اليسرى، وسمّاه حسناً.

وعقّ عنه في اليوم السابع بكبش، وحلق رأسه وتصدّق بوزن الشعر فضّة.

نشأ الإمام الحسن عليه السلام في بيت النبوّة تحت رعاية جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، كان يدعوه بولدي، ويصرّح امام الملأ العام من المسلمين بأنّ الحسن والحسين عليهما السلام ولداه، وكذلك كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام في مناسبات عديدة ويعرّفهما لجماهير المسلمين بأنّهما ولدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، بل أن الله تبارك وتعالى قد سمّاهما كذلك في آية المباهلة { فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } .

وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يداعبه في صغره، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي، فإذا رأى الصبيّ حمرة اللسان يهشُّ إليه .

حياته

عاش الإمام الحسن عليه السلام سبع سنوات وأشهر في كنف جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وعاش في كنف والده إلى حين شهادته عليه السلام في سنة 40هـ، ثم تولّى الخلافة من بعده أشهر انتهت بالصلح مع معاوية، ورجع على أثرها إلى مدينة جدّة بقية عمره الى حين شهادته سنة 50 هـ.

كانت للإمام الحسن (ع) مواقف مشهودة خلال الفترة الممتدة من وفاة رسول الله (ص) إلى تولّي الإمام علي (ع) الخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

لقد عاش الإمام الحسن عليه السلام مرارة المحنة والمصائب التي بدأت تتوالى على أهل البيت (ع) منذ وفاة الرسول الاكرم (ص)
وكان صغر سنّه وضعف بدنه يمنعانه عن نصرة أبيه الذي استضعفه المسلمون بعد أن انقلبوا على أعقابهم كما أنبأهم الله تعالى في كتابه الحكيم: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } .

وموقف للحسن عليه السلام مع أخيه الحسين حينما جاءا إلى قبر جدّهما وكان عنده بلال المؤذن بعد أن جاء من الشام لرؤيا رأى فيها رسول الله صلّى اله عليه وآله وسلم يعاتبه على جفائه عن زيارته، فلما رأى الحسنان ضمّهما إليه وأجهش بالبكاء، فطلبا منه أن يؤذن كما كان يفعل في حياة النبيّ (ص)، فصعد بلال إلى سطح المنزل وشرع بالأذان وهرعت الناس نحو المسجد وخرجت المخدرات من خدورهن وارتجت المدينة بأصوات البكاء، ولم يُرَ أكثر باكٍ وباكية ذلك اليوم بعد وفاة رسول الله (ص).

وبعد أشهر معدودة من وفاة المصطفى صلى الله عليه وآله انتقلت الزهراء إلى جوار بارئها وأوصت بدفنها ليلا وإخفاء قبرها .وخلّفت لوعة وشجى في قلب الحسنين حزناً وحسرة على جدّهما واُمها، وكان علي عليه السلام يحاول سدّ هذا الفراغ العاطفي الهائل.

وترعرع الصبيان بجوار أبيهما علي أمير المؤمنين (ع) حتى بلغا مبلغ الرجال، يتّبعان خطاه وفي هذا السن تعاونا مع أبيهما في تعليم المسلمين القرآن وأحكام الإسلام، وكانت للحسن عليه السلام في شبابه حلقة مستقلّة للتعليم في المسجد النبوي الشريف.

ومرّت السنوات المظلمة كئيبة ثقيلة على العترة النبوية وهي ترى تلاعب صبيان بني أُمية بمقدرات المسلمين واتساع رقعة الانحراف يوماً بعد يوم.

وخلال هذه الفترة التحق الإمام الحسن عليه السلام وهو في العشرين من عمره بجنود المسلمين المتجهة إلى أفريقيا بقيادة عبد الله بن نافع.

كما التحق مع أخيه الحسين عليه السلام بجيش المسلمين بقيادة سعيد بن العاص لفتح خراسان في سنة 30 هـ، فنزل الجيش قومى وصالحهم، ثم نزل جرجان وصالحهم أيضاً، وقاتلهم في طميسة احدى مدن طبرستان على ساحل بحر قزوين، واشتدّ القتال وصلّى المسلمون صلاة الخوف ثم كتب الله تعالى لهم النصر .

ويبدأ فصل جديد من حياة الإمام الحسن عليه السلام بعد تولّي أمير المؤمنين علي عليه السلام للخلافة، وخلال هذه الفترة التي امتدت خمس سنوات لازم فيها والده في حروبه جميعها، في الجمل والنهروان وصفين، وكان فيها قائداً للجيوش يخوض عباب الحرب وينازل الأقران ويقارع الأبطال ويجالد الانحراف بسيفه مضحياً بنفسه في سبيل استقامة دين جدّه صلّى الله عليه وآله وسلم.

فقد دخل الكوفة مع مجموعة من أصحاب أبيه عندما توجّه الى البصره، وخطب فيهم يستنفرهم للقتال، فمنع أبو موسى الأشعري وكان والياً على الكوفة الناس من الذهاب إلى نصرة علي (ع)، فالتفت إليه الحسن عليه السلام وقال له: "اعتزل عملنا لا أمّ لك، وتَنَحَّ عن منبرنا" . وكان علي عليه السلام قد أعطى الراية لولده الحسن عليه السلام في كتيبته الخضراء التي جمعت وجوه المهاجرين والأنصار، فحمل بها على أنصار الجمل حتى زعزع صفوفهم.

ولمّا رأى أمير المؤمنين عليه السلام شجاعة الحسن عليه السلام وبسالته في ميدان القتال وهو لا يبالي بالموت، صاح بمن حوله: "املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدني، فإنّي أنفس بهذين – أي الحسن والحسين عليهما السلام – على الموت لئلاّ ينقطع بموتهما نسل رسول الله".

ومن خطبة له أيضاً يستنفر فيها أهل الكوفة لمقاتلة أعدائهم من أهل الشام: "ونحن إنّما غضبنا لله ولكم، إنّه لم يجتمع قوم قطّ على أمرٍ واحد إلاّ اشتدّ أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحتشدوا في قتال عدوّكم معاوية وجنوده ولا تتخاذلوا فإنّ الخذلان يقطع نياط القلوب، وانّ الإقدام على الأسنّة نخوة وعصمة، لم يمتنع قوم قطّ إلاّ رفع الله عنهم العلّة وكفاهم حوائج الذلّة وهداهم إلى معالم الملّة".

وهكذا بقي الحسن عليه السلام الى جنب والده الى آخر لحظة من حياته الكريمة حينما انبعث أشقاها في صبيحة 19 من شهر رمضان سنة 40 هـ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام على رأسه وهو يصلـّي الفجر في محرابه، فنقل إلى داره وبقي ثلاثاً، أوصى خلالها إلى الحسن عليه السلام بالإمامة وورّثه مواريث النبوّة، فاجتمع عليه جماعة من بقي من المهاجرين والأنصار وأهل الكوفة وبايعوه بالخلافة.

وجاء في رواية الكليني أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أوصى إلى ولده الحسن عليه السلام وأشهد على وصيّته الحسين عليه السلام ومحمد بن الحنفيّة وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ودفع إليه الكتب والسلاح وقال له: "يا بُني أمرني جدّك رسول الله (ص) أن أ ُوصي إليك وأن أدفع إليك كُتبي وسلاحي، كما أوصى إليّ رسول الله (ص) ودفع إليَّ كتبه وسلاحه، وآمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليه السلام..." الحديث.

خلافة الإمام الحسن عليه السلام

وبعد أن قتل الحسن عليه السلام قاتل أبيه بضربة واحدة كما أمره أبوه عليه السلام, اجتمع عليه الناس في المسجد، فقام خطيباً فيهم، قال فيها بعد الحمد والثناء لله جل جلاله مؤبّنا ً والده الكريم ومعرّفاً للناس نفسه:

"لقد قُبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل، ولا يدركه الآخرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وأينما وجـّهه رسول الله كان جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى يفتح الله عليه، ولقد توفّي في الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم إلى السماء وقُبض فيها يوشع بن نون وصيّ موسى، وما خلّف خضراء ولا بيضاء سوى سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع فيها خادماً لأهله، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال.

ثم بكى وبكى الناس من حوله حتى ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وعاد إلى حديثه بعد أن أَنصَتَ الناس، قال:

أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي، وأنا ابن النبيّ والوصيّ، وأنا ابن البشير النذير والداعي إلى الله بأذنه، وأنا ابن السراج المنير، وأنا من أهل البيت الذين كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وافترض مودّتهم على كل مسلم فقال في كتابه: { قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا }، فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت" [1].

وبعد انتهاء الخطبة قام عبد الله بن عباس وطلب من المسلمين البيعة للإمام الحسن عليه السلام قائلاً: "معاشر الناس هذا ابن نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه" فاجتمع عليه المسلمون وبايعوه، وكان أول مَن بايعه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري قائلاً: ابسط يدك أ ُبايعك على كتاب الله وسنّة نبيّه وقتال المحلّين.

فقال له الإمام الحسن عليه السلام: "إنّ البيعة على كتاب الله وسنـّة نبيّه تغني عن هذا الشرط؛ لأنّ فيهما تبيان كل شيء، وهما يأمران بقتال المحلـّين والباغين والمفسدين كما يأمران بالصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الفرائض".

وبعد أن رأى معاوية استتباب الأمر للحسن عليه السلام أرسل رجلين أحدهما إلى الكوفة والآخر إلى البصرة لتخريب الأمر على الحسن عليه السلام وإثارة الفتن والنزاعات، فا ُخذا وقتلا، وأرسل الإمام الحسن عليه السلام الرسالة التالية الى معاوية:

"أمّا بعد فإنّك دسست إليّ الرجال كأنّك تحبّ اللقاء لا أشكّ في ذلك فتوقّعه إن شاء الله...".

وقد سار الإمام الحسن عليه السلام على نهج أبيه عليه السلام في إقامة العدل والقسط والمساواة في العطاء بين المسلمين وأقرّ ولاة أبيه على ولاياتهم وحثّ الناس في خطبه المتكررّة على التمسّك بالتقوى ووحدة الصف والتأهب لقتال عدوّهم.

وقد بادر الإمام الحسن عليه السلام إلى تبادل الرسائل مع معاوية إعذاراً له وإتماماً للحجّة قبل إعلانه الحرب عليه، منها الرسالة التالية التي سلّطت الاضواء على مجريات الأحداث السياسية بعد وفاة رسول الله (ص) إلى تولّيه الخلافة.

"من الحسن بن علي إلى معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك.

فإنّي أحمد الله الذي لا إله غيره، أمّا بعد فإنّ الله جلّ جلاله بعث محمداً رحمة للعالمين ومنّة للمؤمنين وكافة الناس أجمعين لينذر من كان حيّاً ويحقّ القول على الكافرين، فبلّغ رسالات الله، وقام بأمر الله حتى توفاه الله غير مقصّر ولا وان، وبعد أن أظهر الله به الحقّ، ومحق به الشرك, وخصّ قريشاً به خاصة فقال له:{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }، فلمّا توفـّي تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأ ُسرته وأولياؤه ولا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد وحقّه، فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش، وأنّ الحجة لهم في ذلك على مَن نازعهم أمر محمد، فأنعمت لهم وسلّمت إليهم. ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، انّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج، فلمّا صرنا آل بيت محمد واولياءه إلى محاجّتهم وطلب النصف منهم باعدونا واستولوا على الخلافة بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا، فالموعد الله وهو الوليّ النصير.

لقد كنّا تعجبنا لتوثّب المتوثبين علينا في حقّنا وسلطان نبيّنا وإن كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام، وأمسكنا عن منازعتهم مخافة أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك مغمزاً يثلمونه به أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده، واليوم فليتعجب المتعجّب من توثبك يا معاوية على أمرٍ لست من أهله، لا بفضل في الدين ولا أثر في الإسلام محمود، وأنت ابن حزب من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه الكريم، والله حسيبك فستردّ وتعلم لمن عقبى الدار، وبالله لتلقين عن قليل ربّك، ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك، وما الله بظلّامٍ للعبيد.

إنّ علياً لمّا مضى لسبيله، رحمة الله عليه يوم قبض ويوم مَنّ الله عليه بالإسلام ويوم يبعث حيّاً ولّانـي المسلمون الأمر من بعده، فاسأل الله أن لا يؤتينا في هذه الدنيا الزائلة شيئاً ينقصناه في الآخرة بما عنده من كرامة، وإنّما حملني على الكتابة إليك الإعذار فيما بيني وبين الله عزّوجلّ في أمرك، ولك في ذلك إن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي فإنّك تعلم انّي أحقّ بهذا الأمر منك عند الله وعند كلّ أوّاب حفيظ ومَن له قلب منيب، واتق الله، ودع البغي، واحقن دماء المسلمين، وادخل في السلم والطاعة، ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحقّ به منك ليطفئ الله النائرة ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين، وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".

وأجابه معاوية على الرسالة يعرض عليه التنازل عن الخلافة مقابل أموال طائلة وأن يكون له الأمر من بعده. ثم جيّش الجيوش وسار نحو العراق.

صلح الامام الحسن عليه السلام

لقد خاض أمير المؤمنين عليه السلام في مدّة خلافته القصيرة ثلاث حروب دفاعيّة، ولم يتركه الأعداء أن يستقرّ قليلا ً للإصلاح الاجتماعي والسياسي والفكري الذي كان يضرب باطنابه في مجتمع المسلمين، إلى أن ذهب إلى ربّه مظلوماً شهيداً.

ولم يترك الأعداء الإمام الحسن عليه السلام أيضاً أن يجرّ أنفاسه ويعيد ترتيب الوضع الاجتماعي الذي مزّقته الحروب الثلاثة في خلافة والده. فما أن بُويع الحسن عليه السلام بالخلافة حتى استنفر معاوية أهل الشام وسار بهم نحو العراق، ولم يكن أمام الحسن عليه السلام في مثل هذه الحالة سوى الدفاع.

فبدأ باستنفار أهل الكوفة واستنهاضهم لجهاد عدوّهم فلم يستجب له إلاّ عدد قليل من أهل الكوفة متفرقة الأهواء مختلفة الأهداف، بقول الشيخ المفيد: (وسار معاوية نحو العراق ليغلب عليه، فلمّا بلغ جسر منبج تحرّك الحسن عليه السلام وبعث حجر بن عديّ فأمر العمّال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثمّ خفّ معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة له ولأبيه عليهما السلام، وبعضهم مُحَكِّمة يؤثرون قتال معاوية بلاّ حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين) .

وكانت استراتيجية الخوارج هي الانخراط في صفوف جيش الإمام الحسن عليه السلام ومقاتلة جيش معاوية، فإن تمّت الغلبة لأهل الكوفة على أهل الشام انقلبوا على الإمام الحسن عليه السلام وخلعوا طاعته وأطاحوا بحكومته بعد أن تكون الحرب قد انهكت قوى جيشه؛ لأنّهم غير قادرين على مواجهة الإمام الحسن (ع) ومعاوية كلٍّ على حِدة، وكانت أعدادهم كبيرة في الكوفة، فقد اجتمع منهم إثنا عشر ألفاً في النهروان، انسحب منهم ثمانية آلاف قبل بدء القتال بعد أن رأوا الرجحان في كفّة جيش أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أخذوا يتحينون الفرص لأخذ ثأر أخوانهم في النهروان.

وقد كان الإمام الحسن عليه السلام مطلّعاً على نواياهم، عارفاً بأهدافهم، قد اتّخذ الحيطة والحذر في التعامل معهم، وقد أشار عليه السلام إلى ذلك في بعض خطبه: "أمّا والله ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قلّة، ولكن كنّا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيب السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم، وكنّا لكم وكنتم لنا، وقد صرتم اليوم علينا. ثم أصبحتم تصدّون قتيلين: قتيلاً بصفّين تبكون عليهم وقتيلاً بالنهروان تطلبون بثأرهم، فأمّا الباكي فخاذل، وأمّا الطالب فثائر) .
وأمّا الفئة الطامعة فقد استمالهم معاوية بالأموال الطائلة والاغراءات فانحازت إليه، فالتحق قسم منهم بجيش الشام، وبقي قسم آخر في جيش الإمام الحسن عليه السلام يُخذِّل الآخرين ويثير الشكوك وينشر الدعايات التي تستهدف تضعيف معنويات المقاتلين أو محاولة القبض على الإمام الحسن عليه السلام وأهل بيته وتسليمهم إلى معاوية أو محاولة اغتياله.

وقد تعرّض الإمام الحسن عليه السلام إلى محاولة اغتيال فاشلة، وكانوا يتربصون به لقتله، فقد روى الصدوق في "علل الشرائع" أنّ معاوية دسّ إلى عمر بن حريث والأشعث وإلى حجر بن الحارث وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كلّ واحد منهم بعين من عيونه، أنّك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي. فبلغ الحسن عليه السلام فاستلأم ولبس درعاً وكفّرها، وكان يحترز ولا يتقدّم للصلاة بهم إلاّ كذلك. فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه؛ لما عليه من اللأمة، فلمّا صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم، فعمل فيه الخنجر... فقال الحسن عليه السلام: "ويلكم والله إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي، وإنّي أظنّ أنّي إن وصفت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين لدين جدّي(ص) وأنّي أقدر ان أعبد الله عزّوجلّ وحدي، ولكنّي كأنّي أنظر إلى أبنائكم واقفين على أبواب أبنائهم، يستسقونهم ويستطعمونهم، لما جعله الله لهم فلا يسقون ولا يطعمون، فبعداً وسحقاً لما كسبته أيديهم، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون".

ولا يشك أحد في أنّ الإمام الحسن عليه السلام أفضل من معاوية, وأنّه أولى بالخلافة منه وأجدر بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأنّ معاوية رجل يحبّ السلطة ويعشق كرسيّ الحكم ولا يبالي ما فعل في سبيل البقاء في السلطة، ولا يهمه مصلحة المسلمين، وانّه من مسلمي الفتح الذين أسلموا رهبة من سطوة السيف، وهو ابن رأس الكفر أبي سفيان الذي جيّش الجيوش على رسول الله (ص) المرّة تلو الأخرى إلى أن أُرغم أنفه بالدخول في الإسلام كارهاً.

كما لا يشك أحد في شرعيّة الموقف الذي اتّخذه الإمام الحسن عليه السلام في الصلح مع معاوية، سواء عند الشيعة الذين يروونه إماماً مفترض الطاعة، ومعصوماً مسدّداً من الله تعالى لا يزل ولا يخطأ، أو عند السنّة الذين رووا فيه عن النبيّ (ص)، "إنّ ابني هذا سيّد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين" .

ولكن وقع الكلام عند البعض في أنّ هذا الموقف قد أدّى إلى إذلال المؤمنين وعلوّ شوكة المنافقين، أو أنّ الأولى والأجدر كان مقاومة جيش معاوية بما بقي معه من الصابرين إلى أن يلقوا حتفهم. فعن سعيد بن عقيصا قال: لمّا صالح الحسن عليه السلام معاوية دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال الحسن عليه السلام: "ويحكم ماتدرون ما عملت، والله الذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أوغربت، ألا تعلمون أنّي إمامكم ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيّدي شباب أهل الجنة بنصّ من رسول الله (ص) عليَّ؟" قالوا: بلى. قال: "أما علمتم أنّ الخضر لمّا خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران عليه السلام إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً؟! أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلّي خلفه روح الله عيسى بن مريم عليه السلام؟!" .

وعن عبد الرحمن بن عبيد قال: لما بايع الحسن عليه السلام معاوية أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الأسف والحسرة على ترك القتال، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية، فقال له سليمان بن صرد الخزاعي: ما ينقضي تعجّبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء... إلى آخر كلامه الطويل.

فقال الحسن عليه السلام: أنتم شيعتنا وأهل مودّتنا فلو كنتُ بالحزم في أمر الدنيا أعمل، لسلطانها أركض وأنصب، ما كان معاوية بأبأس منّي بأساً ولا أشدّ شكيمة ولا أمضى عزيمة، ولكنّي أرى غير ما رأيتم، وما أردت بما فعلت إلاّ حقن الدماء فارضوا بقضاء الله وسلّموا لأمره، والزموا بيوتكم وأمسكوا – أوقال: كفـّوا أيديكم – حتى يستريح برٌّ أو يستراح من فاجر" .

فقد سلّط الإمام الحسن عليه السلام في الخبرين السابقين الأضواء على عدة أ ُمور:

الأول: أنّ سرّ الصلح مع معاوية قد خفي على الناس، ولم يشأ الإمام أن يوضحه.

الثاني: أن الصلح هو أمر من الله تعالى ويجب على الشيعة امتثاله وطاعته.

ثالثاً: أنّ خطّة الإمام الحسن عليه السلام في الصلح كانت تكمن في جرّ الأنفاس وكسب الوقت للاستراحة بعد أن أنهك أهل الكوفة القتال طيلة السنوات الخمس الماضية، والخمس والعشرين سنة التي سبقتها والتي قضوها بالفتوحات في عهد الخلفاء الثلاثة.

رابعاً: أنّ الصلح لا يعني ترك الأمر نهائياً بل هو انتظار واستعداد إلى حين موت معاوية، ثم يرجع الأمر إلى ما كان عليه من المقاومة والمنازعة، فإنّ الإمام الحسن عليه السلام كان يعلم بأنّ في نـّية معاوية استخلاف ابنه يزيد المتجاهر بالفسق وشرب الخمور، وحينئذ سيثير هذا الأمر حفيظة الكثير من المسلمين الذين لا يشكّون في عدم لياقة يزيد للخلافة إلى التمرّد عليه وعصيانه وبالتالي توفّر أجواء الثورة للانقضاض على الحكم السفياني وتقويضه.

ولعلّ سر الصلح الذي لم يشأ الإمام الحسن عليه السلام الإفصاح عنه يكمن في ملحمة عاشوراء، فلو لا هذا الصلح لم يكن هناك عاشوراء وكربلاء الذي يعني انقراض الإسلام الواقعي وهو التشيّع لآل محمد صلوات الله عليهم، وإذا انقرض التشيّع فلا معنى حينئذ لظهور قائم آل محمد عليه السلام ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً، فإنّه لا ظهور لهذا المصلح الإلهي لهذا العالم الذي مُلِيَْ فساداً وظلماً فلو لا الحسين وعاشوراء فلا مهدي ولا ظهور يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

ومن هنا يمكن أن ندرك قول الامام الباقر عليه السلام: " والله الذي صنعه الحسن بن علي عليه السلام كان خيراً لهذه الأ ُمة ممّا طلعت عليه الشمس، ووالله لقد نزلت هذه الآية { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ } إنّما هي طاعة الإمام، ولكنّهم طلبوا القتال { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ } مع الحسين عليه السلام { قالوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ }، { نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام" .

معاهدة الصلح

وأرسل معاوية ورقة بيضاء وختم فيها بخاتمه ليكتب فيها ما يرى من شروط، فكتب الحسن عليه السلام:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان: صالحه على أن يسلّم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسوله (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهداً بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى أنّ الناس آمنون حيث كانوا في أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى أنّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم... الخ" .

ولمّا تمّ الصلح وأ ُبرم، طلب معاوية من الحسن عليه السلام أن يعلن أمام الناس تسليم الأمر إليه، فقام الحسن (ع) وقال في خطبة منها: "وقد علمتم أنّ الله هداكم بجدّي محمد، ورفعكم به من الجهالة، وأعزّكم بعد الذلّة، وكثّركم بعد القلّة، وإنّ معاوية نازعني حقّاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الأ ُمّة وقطع الفتنة، وقد كنتم بايعتموني على أن تسالموا مَن سالمت وتحاربوا من حاربت، فرأيت أن أ ُسالم معاوية وأضع الحرب بيني وبينه، وقد بايعته، ورأيت أنّ حقن الدماء خير من سفكها، ولم أرد بذلك إلاّ صلاحكم وبقاءكم، وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين" .

وخطب معاوية الناس في يوم الجمعة في النخيلة خطبة قال فيها: "إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون" .

وهكذا صالح الحسن عليه السلام بعد ستة أشهر من المواجهة العسكرية مع جيش الشام، وتفرّق صفوف جيش الكوفة واستجابتهم لإغراءات معاوية وخذلانهم للحسن عليه السلام وهجموا عليه وجرحوه وانتهبوا متاعه فاضطرّ إلى مصالحة معاوية أو أن يقتل مع أهل بيته وشيعته المخلصين في معركة غير متكافئة وسيلقي عليها التأريخ ظلاله القائمة فتنطمس الحقائق وتضيع آثار الدماء الزاكيات لأهل البيت عليهم السلام.

شهادته عليه السلام

بعد استقرار الأمر لمعاوية أخذ يفكر في التخلّص من مناوئيه على الحكم ومَن يترقّب منهم مبايعة الناس لهم بالخلافة، فعمد إلى قتل سعد بن أبي وقاص بالسمّ، ثم حاول قتل الإمام الحسن عليه السلام بالسمّ مراراً ولكن محاولاته كانت تبوء بالفشل الواحدة تلو الأ ُخرى، فأرسل إلى ملك الروم يطلب منه سمّاً فتاكاً سريع التأثير.

فكتب إليه ملك الروم أنّه لا يصلح في ديننا أن نعين على قتل من لم يقاتلنا.

فأجابه معاوية: إنّ الرجل الذي أردتُ قتله هو ابن الرجل الذي خرج في أرض تُهامة، وقد خرج الآن يطلب ملك أبيه، وأنا أُريد قتله بالسم لأ ُريح منه العباد والبلاد. فأرسل إليه ما أراده. وأغرى معاوية جعدة بنت الأشعث زوجة الإمام الحسن عليه السلام ووعدها بأن يزوّجها من ولده يزيد ويدفع لها مائة ألف درهم، فوافقت على ذلك، ودَسَت السمّ إلى الإمام الحسن عليه السلام فتقطّع كبده، وطلب طشتاً وتقيأ كبده فيه، ثم طلب أن يوضع فراشه في صحن الدار فأخرجوه ورفع رأسه نحو السماء وقال: اللهمّ إنّي أحتسبُ عندك نفسي فإنّها أعزّ الأنفس عليّ، اللهمّ ارحم صرعتي وآنس في القبر وحدتي.

ولمّا استشهد الحسن عليه السلام تولّى أمره الحسين عليه السلام وأخرجه ليدفنه إلى جانب جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فخرج بنو أ ُمية ورشقوا وأنصارهم المشيعين بالسهام واصيبت الجنازة، ولم يأذن الإمام الحسين عليه السلام لأحد من الهاشميين بالردّ عليهم، عملاً بوصية أخيه الحسن عليه السلام، ثم دفنه في البقيع، وكان له من العمر ست وأربعون عاماً، وقيل ثمان وأربعون. وأ ُصيب الناس بالدهشة لوفاته وأيقنوا أنّ معاوية لم يعد يحاذر من أحد، وقيل: ذلّ الناس بموت الحسن بن علي .
والسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.

النهاية
رایکم
آخرالاخبار