۶۴۲مشاهدات
الغارات في العراق تركّزت كلّها على مواقع لتنظيم "داعش"، بينما في سوريا إستهدفت مجموعة منوّعة من التنظيمات الإسلامية المتُشدّدة...
رمز الخبر: ۲۱۵۲۶
تأريخ النشر: 28 September 2014

شبكة تابناك الإخبارية : في الثامن من آب الماضي، بدأت أولى الضربات الجويّة في العراق، وفي 28 أيلول الحالي، بدأت أولى الضربات الجويّة في سوريا. فماذا يُمكن تسجيله من ملاحظات حتى تاريخه، وما هي أبرز التوقّعات للمستقبل؟

أوّلاً: الغارات في العراق بدأها الطيران الأميركي بضربات محدودة وإنضمّ إليها طيران غربي في مرحلة لاحقة، بينما في سوريا، شاركت طائرات تابعة لدول من الخليج العربي من اللحظة الأولى، علماً أنّ القصف بدأ بمجموعة من صواريخ Tomahawk (يبلغ سعر الصاروخ الواحد 1,5 مليون دولار أميركي)، تلاها قصف من القاذفات التي تُحلّق على علوّ شاهق، قبل أن يتم تنفيذ سلسلة من الغارات الجويّة الكثيفة.

ثانياً: الغارات في العراق تركّزت كلّها على مواقع لتنظيم "داعش"، بينما في سوريا إستهدفت مجموعة منوّعة من التنظيمات الإسلامية المتُشدّدة. ولأنّ تنظيم "داعش" كان يحضّر للضربة في سوريا، جاءت خسائره البشريّة محدودة مقارنة بخسائر كل من "جبهة النصرة" و"مجموعة خرسان" و"حركة أحرار الشام" التي فوجئت كلّها بالضربات، علماً أنّ خسائر كل الجماعات الإسلامية بما فيها "داعش" بلغت نحو 200 قتيل، وهذا رقم زهيد نسبة إلى حجم الضربات والغارات التي فاقت خلال ساعات معدودة ما جرى تنفيذه في العراق على مدى نحو ثمانية أسابيع من العمليّات العسكريّة.

ثالثاً: التدمير في سوريا طال مبان إدارية تابعة للدولة السورية، منها مراكز للمحافظات مثلاً، وثكنات وقواعد ومخازن عسكريّة كانت خرجت من سيطرة الجيش السوري، ومنشآت مطار الرقّة الذي كان سقط بأيدي مسلّحي "داعش" في الماضي القريب، ومنشآت نفطيّة في "دير الزور"، إلخ. ما يعني أنّ التدمير يطال أوّلاً وأخيراً ما تبقّى من بنى تحتيّة في سوريا، مع تدمير وتضرّر عدد محدود من الآليات العسكرية التي تستخدمها التنظيمات الإسلامية المتشدّدة.

رابعاً: إستخدم الجيش الأميركي في ضرباته في سوريا، أحدث مقاتلاته الجويّة من طراز F22 Raptor والتي تُعتبر أغلى طائرة حربيّة في العالم (يبلغ سعر الوحدة منها 150 مليون دولار أميركي)، وذلك في أوّل إختبار من نوعه لفعاليّة هذه المقاتلة، بينما شكّلت الغارات في سوريا أيضاً فرصة لإختبار المعارك الحقيقيّة لمجموعة من الطيارين الخليجيّين والعرب. وكان لافتاً تعمّد نشر صور لطيّارين سعوديّين وإماراتيّين شاركوا في الغارات، بهدف إظهار النيّة العلنيّة بمحاربة "داعش" و"أخواتها" أمام العالم أجمع. لكن الخطوة السعوديّة والإماراتيّة لقيت الإستهزاء في العديد من وسائل الإعلام وعلى صفحات مواقع التواصل الإجتماعي، باعتبار أنّ مُطلق أيّ جيش في العالم لا يكشف هويّات مقاتليه، ولا يتعامل مع الحرب وكأنها لعبة Play Station.

خامساً: التدخّل التركي جاء مُتأخّراً ومحدوداً، حيث أنّ الطيران التركي شنّ غارات على منطقة "عين عرب" على الحدود السورية – التركية، والتي تُسمّيها تركيا "كوباني"، وذلك بهدف إضعاف قدرات المهاجمين الإسلاميّين بمواجهة الأكراد، بعد أن بلغ عدد النازحين الأكراد السوريّين إلى الأراضي التركية نحو 130,000 نسمة في غضون أسبوعين فقط.

سادساً: أدخل مُحلّلون أميركيّون الصَحوة الأميركية المُفاجئة ضد "الإرهاب" في لعبة شدّ الحبال الداخلي على الساحة الأميركية، عشيّة الإنتخابات التي ستنظّم في الرابع من تشرين الثاني المقبل، لتجديد 435 مقعداً في مجلس النواب الأميركي، و33 من أصل 100 مقعد في مجلس الشيوخ، على أمل أن ترفع الحملة العسكرية التي يقودها الرئيس باراك أوباما على الإرهاب، حظوظ مرشّحي الحزب الديمقراطي. كما رأووا أنّ التدخّل الأردني والخليجي يأتي بهدف إبعاد الخطر الأصولي عن هذه الدول، وفي إطار المنافسة الإسلامية – الإسلامية على السلطة الإقليميّة، خاصة وأنّ السعودية والإمارات تتخذان مواقف متشدّدة من تنظيم "الإخوان المسلمين" ومن كل التنظيمات الإسلامية المشتقّة من "رحمه".

سابعاً: لقيت الضربات الجويّة التي نُفّّذت في سوريا، معارضة واسعة في صفوف المناهضين للنظام السوري، حيث رأووا فيها إضعافاً لقوى تُقاتل "جيش النظام" بغض النظر عن الموقف منها، مُتوقّعين أن تصبّ في صالح الرئيس السوري بشّار الأسد في نهاية المطاف. وتعزّزت هذه النقمة مع إنتشار معلومات عن عدم إمكان "الجيش السوري الحر"، وما يُسمّى "الفصائل المُعتدلة" ضمن التنظيمات السورية المعارضة، من تعبئة أيّ فراغ ميداني قد يتركه ضرب "داعش" و"أخواتها". وفي السياق عينه، إستغرب محلّلون عسكريون أميركيّون المسارعة إلى إطلاق الهجمات ضد "داعش" في سوريا، في الوقت الذي يحتاج تدريب أوّل 5,000 عسكري من المعارضة السورية في السعودية، إلى خمسة أشهر على الأقلّ قبل التدخّل في النزاع.

ثامناً: معارضة إيران و"حزب الله" بطبيعة الحال للضربات في سوريا، جاء من منطلق أنّ المُوافقة اليوم على ضرب "داعش" وتيّارات إسلامية مُتشدّدة أخرى في سوريا، سيَمنح شيكاً على بياض لأميركا ولحلفائها، لتنفيذ ضربات عسكرية ضدّ النظام وحلفائه في المستقبل، تحت أيّ حُجة أو ذريعة، ومن دون الحصول على تأييد أممي أو على موافقة من قبل مجلس الأمن الدولي. وهذا ما لا يُمكن القبول به أو إقرار شرعيّته، حتى لو كانت مصلحة الأطراف المعنيّة تقضي بذلك اليوم. وتمايز الموقف السوري جاء إنطلاقاً من حُكم الضرورة، وبهدف عدم الظهور بموقع العاجز وغير القادر على منع الضربات الجويّة والغربيّة، وأيضاً بهدف محاولة إستثمار الأمر في المحافل الدولية في المستقبل، للترويج بفعالّية أكبر من السابق بأنّ سوريا تُقاتل "الإرهاب العالمي" منذ ثلاث سنوات ونصف السنة.

في الختام، وفي إنتظار جلاء صورة غبار المعركة، يمكن القول إنّ مختلف الأطراف المعنيّة بالصراع في العراق، وخصوصاً في سوريا، تترقّب بحذر ما ستؤول إليه الأمور والتطوّرات، لأنّ ما هو متوافق عليه أنّ المعركة ستكون طويلة، وستضعف تدريجاً تنظيم "داعش" و"أخواته"... لكن الذي يلي هذه المرحلة هو الذي سيُحدّد مستقبل سوريا والعراق والشرق الأوسط ككل، لجهة إبقاء أي نظام ومحاولة إسقاط آي نظام آخر، ولجهة إبقاء أي دولة موحّدة أو محاولة تقسيمها إلى دويلات. وبالتالي ليس مُهمّاً عدد الغارات التي ستُنفّذ، وحجم الأضرار التي ستخلّفها، بل ما هي الخطة التالية التي ستنطلق بمجرّد إنهاك "داعش" والتنظيمات الإسلامية الأخرى. وحتى هذه اللحظة الصورة لا تزال مُبهمة وغامضة...

رایکم