۳۵مشاهدات
تقریر؛

من "الاستسلام غير المشروط" إلى التراجع الأميركي

عندما تحدث دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في مارس الماضي عن ضرورة "استسلام إيران غير المشروط"، كان يسعى لتقديم صورة عن التفوق المطلق لواشنطن وعجز طهران أمام الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية. غير أن مرور عدة أشهر على بدء الحرب وانتهائها بالاتفاق ووقف إطلاق النار، كشف عن صورة مغايرة تماماً.
رمز الخبر: ۷۲۸۹۷
تأريخ النشر: 25 June 2026

من

عندما تحدث دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في مارس الماضي عن ضرورة "استسلام إيران غير المشروط"، كان يسعى لتقديم صورة عن التفوق المطلق لواشنطن وعجز طهران أمام الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي ذلك الوقت، كان البيت الأبيض يعتقد أن سلسلة من الإجراءات العسكرية والضغوط الاقتصادية والتهديدات السياسية، يمكنها إجبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على قبول الشروط التي ظلت أمريكا تسعى لفرضها لسنوات. غير أن مرور عدة أشهر على بدء الحرب وانتهائها بالاتفاق ووقف إطلاق النار، كشف عن صورة مغايرة تماماً لما وعد به ترامب.

أشارت بعض وسائل الإعلام الأميركية، في تقييمها لنتائج الحرب، إلى الفجوة بين الأهداف الأولية لواشنطن والمكاسب النهائية التي حققتها. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير تحليلي، أنه على الرغم من أن ترامب تحدث في بداية الحرب عن "الاستسلام غير المشروط"، فإن أمريكا هي التي اضطرت في النهاية إلى التراجع عن جزء كبير من أهدافها ومطالبها الأولية، والموافقة على اتفاق يختلف بشكل كبير عن شعارات البيت الأبيض الأولى.

الحقيقة أن إدارة ترامب لم تبدأ الحرب ضد إيران فقط بهدف إلحاق خسائر عسكرية. بل كان الهدف الرئيسي هو إحداث تحول استراتيجي في موازين القوى الإقليمية، وتقييد القدرة الردعية الإيرانية. وتحدثت الأوساط السياسية والإعلامية الغربية مراراً عن أهداف مثل تدمير القدرات الصاروخية، وتقييد النفوذ الإقليمي الإيراني، وفرض ترتيبات أمنية جديدة في غرب آسيا، بل وتغيير سلوك أو هيكل النظام السياسي الإيراني. لكن نهاية الحرب أظهرت أن تحقيق هذه الأهداف كان أصعب بكثير من التقديرات الأولية للساسة الأميركيين.

من أهم أسباب فشل أمريكا في تحقيق أهدافها المعلنة، هو التقييم الخاطئ للقدرات الإيرانية. فقد تصورت واشنطن أن الضغط العسكري الواسع يمكنه إجبار طهران على قبول الشروط الأميركية في فترة زمنية قصيرة. لكن الصمود الإيراني واستمرار القدرة على الرد خلال النزاع، وضع هذه الحسابات أمام تحدٍ خطير. فخلافاً لتصور بعض واضعي الحرب، لم ينهار هيكل صنع القرار الإيراني، ولم تتلاشَ القدرة الردعية للبلاد بشكل كامل.

 

من ناحية أخرى، صاحب الحرب ضد إيران مخاطر أظهرت نفسها مع مرور الوقت. فاتساع رقعة النزاع إلى المنطقة، وتهديد أمن الطاقة، والقلق من الاضطراب في طرق التجارة العالمية الحيوية، واحتمال تورط فاعلين إقليميين مختلفين، كلها عوامل زادت من تكلفة استمرار الحرب على أمريكا. ولهذا السبب، ظهرت في الأشهر الأخيرة من الحرب مؤشرات واضحة على رغبة واشنطن في إيجاد مخرج من الأزمة.

نقطة أخرى مهمة هي تأثير الحرب على المكانة الدولية لأمريكا. فقد حاولت إدارة ترامب تقديم العمليات العسكرية ضد إيران كإجراء ضروري لتأمين المنطقة والمصالح الأميركية، لكن إطالة أمد النزاع وعدم تحقيق الأهداف المعلنة، وفر أرضية لتصاعد الانتقادات. طرح العديد من المحللين الغربيين سؤالاً مفاده: إذا كان هدف الحرب هو إجبار إيران على الاستسلام، فلماذا اضطرت واشنطن في النهاية إلى التحرك نحو الاتفاق ووقف إطلاق النار؟

في هذا السياق، يعتقد بعض المراقبين أن قبول وقف إطلاق النار، بدلاً من كونه مؤشراً على نجاح عسكري أميركي، يعكس حدود قدرة هذا البلد على إدارة حرب معقدة ومكلفة. كما أظهرت تجربة حربي العقدين الماضيين أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف السياسية. فقد واجهت أمريكا سابقاً في أفغانستان والعراق فجوة بين الانتصارات العسكرية والنجاحات السياسية، وأعادت الحرب الأخيرة على إيران تذكيرها بهذه الحقيقة.

من منظور استراتيجي، ربما تكون أهم تداعيات الحرب هي التحدي الذي واجهته فكرة عدم قهر أمريكا. فقد دخلت إدارة ترامب الحرب بثقة في قدراتها العسكرية الواسعة ودعم بعض حلفائها، متوقعة فرض واقع جديد على المنطقة في فترة قصيرة، لكن مسار الأحداث أظهر أن المعادلات الأمنية في غرب آسيا أكثر تعقيداً من أن تتغير بالاعتماد على القوة الصلبة وحدها.

كما أبرزت نتائج الحرب مرة أخرى أهمية الردع في المعادلات الإقليمية. كان أحد أهداف أمريكا الرئيسية هو تقليص القدرات الردعية الإيرانية، لكن نهاية الحرب دون تحقيق هذا الهدف بالكامل، أظهرت أن استخدام الأداة العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق النتائج السياسية المرجوة. ولهذا السبب، يعتقد العديد من المحللين الآن أن واشنطن اضطرت إلى وضع مسار الحوار والتفاهم السياسي على جدول أعمالها مرة أخرى، بدلاً من مواصلة استراتيجية "الضغط الأقصى".

في المجمل، تمثل الفجوة بين شعار "الاستسلام غير المشروط" وحقيقة نهاية الحرب، أهم رمز لفشل الحسابات الأولية لإدارة ترامب. فعلى الرغم من أن أمريكا تمكنت من إلحاق خسائر بإيران، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية المعلنة. ولهذا السبب، وفي تقييم العديد من وسائل الإعلام والمراقبين السياسيين، تعكس نهاية الحرب، بدلاً من كونها انتصاراً لواشنطن، تراجعاً تدريجياً عن الأهداف الطموحة التي طرحت في بداية النزاع. والسؤال الأساسي الآن هو: هل ستستفيد إدارة ترامب من هذه التجربة لإعادة النظر في سياساتها، أم ستواصل اتباع الحسابات التي كانت نتيجتها زيادة التكاليف وانخفاض المكاسب لأمريكا؟

رایکم