۳۸مشاهدات

هل حان الوقت لاستقلال أمريكا عن إسرائيل؟

مع عودة قضية إيران والولايات المتحدة إلى دائرة النقاش، تتضح حقيقة مقلقة أكثر من أي وقت مضى: النفوذ الهائل لإسرائيل وبنيامين نتنياهو على عملية صنع القرار في واشنطن.
رمز الخبر: ۷۲۴۰۰
تأريخ النشر: 08 February 2026

هل حان الوقت لاستقلال أمريكا عن إسرائيل؟

حقيقة، وإن لم تكن جديدة على مراقبي تطورات الشرق الأوسط، إلا أنها قد تتحول إلى خطأ استراتيجي مكلف للولايات المتحدة في ظل الظروف الراهنة؛ خطأ لا يخدم مصالح أمريكا فحسب، بل يجعل سياستها الخارجية رهينة لمصالح تل أبيب وحساباتها.

المسألة الأساسية هي: لماذا وكيف سمحت أمريكا لجهة فاعلة كإسرائيل، التي لم تدفع قط الثمن الحقيقي لسياساتها، بلعب دور حاسم في إحدى أكثر قضايا واشنطن الأمنية والدبلوماسية حساسية، ألا وهي المفاوضات مع إيران؟ يُظهر التاريخ أن إسرائيل، في معظم القضايا الإقليمية، من العراق وأفغانستان إلى سوريا ولبنان، لم تكن شريكًا بنّاءً، بل كانت عاملًا في تفاقم الأزمة وعدم الاستقرار، وفي نهاية المطاف زيادة التكاليف التي تتحملها أمريكا. بدأت تظهر الآن مؤشرات على أن تل أبيب تحاول "اختطاف" المفاوضات الإيرانية الأمريكية وتحويلها إلى أداة لخدمة مصالحها الداخلية والإقليمية.

يواجه بنيامين نتنياهو وضعًا داخليًا أكثر ضعفًا من أي وقت مضى. فقد حوّلت الأزمات السياسية والانقسامات الاجتماعية العميقة والاحتجاجات الواسعة والقضايا القانونية رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى سياسيٍّ بات بقاؤه السياسي مرتبطًا باستمرار الأزمة الخارجية. في ظل هذه الظروف، فإن أي تخفيف للتوترات بين إيران والولايات المتحدة، لا سيما إذا تحقق عبر الدبلوماسية ودون تقديم تنازلات أمنية لإسرائيل، سيعني فقدان نتنياهو لإحدى أهم أدواته لحشد الرأي العام والتملص من المساءلة الداخلية.

تبدأ المشكلة عندما تسمح واشنطن، بدلًا من إدراك هذا الواقع، لأولويات نتنياهو بأن تطغى على المصالح الوطنية الأمريكية. تعارض إسرائيل علنًا أي اتفاق أو حتى تخفيف للتوترات بين إيران والولايات المتحدة؛ ليس لأن هذا التوجه يشكل تهديدًا حقيقيًا للولايات المتحدة، بل لأن جو الأزمة وانعدام الأمن والعداء هو جوهر السياسة الخارجية لتل أبيب. لسنوات، استخدمت إسرائيل صورة "إيران المُهدِّدة" كأداة للحفاظ على الدعم الأمريكي غير المشروط، دون تحمُّل مسؤولية عواقب هذه السياسة.

في غضون ذلك، يجدر التفكير في دور دونالد ترامب وفريقه المعني بالسياسة الخارجية. فترامب، الذي لطالما قدّم نفسه كسياسي مستقل، وصانع صفقات، ومعارض للحروب المكلفة، يواجه الآن خطر أن تُحدَّد سياسته الخارجية ضمنيًا بإرادة نتنياهو وضغوطه. إذا ترسّخ الانطباع على المستوى العالمي بأن واشنطن عاجزة عن اتخاذ قرارات حتى على طاولة المفاوضات مع إيران دون موافقة تل أبيب، فإن الرسالة التي سترسلها لن تكون سوى ضعف وانعدام للاستقلالية الاستراتيجية.

لا تقتصر هذه الرسالة على إيران أو الشرق الأوسط. فمنافسو أمريكا العالميون، من الصين وروسيا إلى الحلفاء الأوروبيين، يراقبون هذا الوضع عن كثب. عندما يُنظر إلى السياسة الخارجية لقوة عظمى على أنها مُوجَّهة أو مُقيَّدة من قِبَل جهة إقليمية، فإن مصداقيتها الدبلوماسية تتضرر بشدة. هذا هو بالضبط ما تقود إليه إسرائيل الولايات المتحدة: تقويض مكانة واشنطن كصاحبة القرار النهائي.

من منظور المصالح الموضوعية لأمريكا، يُعدّ استغلال إسرائيل للمفاوضات مع إيران خسارةً فادحة. تزعم أمريكا أنها تعمل على تخفيف التوترات في الشرق الأوسط، واحتواء أزمات الطاقة، والتركيز على منافسين أكبر كالصين، وتحسين صورتها العالمية. في المقابل، تسعى إسرائيل إلى استمرار التوتر، والتهديدات الدائمة، بل وحتى صراع عسكري خارج عن السيطرة - وهو سيناريو ستتحمل واشنطن، لا تل أبيب، الجزء الأكبر من تكاليفه البشرية والاقتصادية والأمنية.

إنّ سابقة هذا الأمر واضحةٌ جليّة. فمن قصة جرّ أمريكا إلى حرب العراق بناءً على معلومات مضللة، إلى الدعم المطلق لسياسات إسرائيل العدوانية في غزة ولبنان، كانت النتيجة النهائية واحدةً دائمًا: تزايد الكراهية لأمريكا في المنطقة، وتقويض أمن القوات الأمريكية، وإهدار الموارد المالية والسياسية. ومع ذلك، يبدو أن واشنطن لم تستوعب الدرس بعد من هذه الدوامة المكلفة.

إذا كان ترامب يسعى حقًا إلى إظهار القوة والاستقلالية والعقلانية في سياسته الخارجية، فعليه أن يفصل بوضوح بين المصالح الأمريكية والمطالب الإسرائيلية. فالاتفاق النووي الإيراني، بغض النظر عن نتيجته النهائية، شأن أمريكي بحت، ويجب إدارته وفقًا لحسابات الأمن القومي لواشنطن، لا وفقًا لمخاوف نتنياهو بشأن بقائه السياسي. إن أي تلميح إلى أن إسرائيل قادرة على تحديد إطار المفاوضات أو لهجتها أو أهدافها سيضر ليس فقط بأمريكا، بل بمكانة ترامب نفسه.

أخيرًا، أصبح العالم اليوم أكثر حساسية للإشارات من أي وقت مضى. فإذا فشلت الولايات المتحدة في إثبات أن سياستها الخارجية لا تعتمد على قرارات أي جهة أجنبية، فإنها ستوجه رسالة واضحة للعالم: واشنطن لم تعد تلك الجهة المستقلة والحاسمة التي كانت عليها. هذه رسالة لا تصب في مصلحة أمريكا، ولا حتى إسرائيل على المدى البعيد؛ لكنها بلا شك لن تجلب على المدى القريب إلا رابحًا واحدًا: سياسي في تل أبيب يرى بقاءه مرهونًا بهذه الأزمة.

رایکم