۱۰۹۸مشاهدات

مفهوم: الاجراءات الاقتصادية العدوانية

رمز الخبر: ۶۶۰۱۱
تأريخ النشر: 12 April 2022
مفهوم: الاجراءات الاقتصادية العدوانية

مبدئيا الحديث عن العقوبات الاقتصــادية كمصــطلح يتطلب منا الغوص في مدلول هذا المصــطلح تاريخا وكمفهوم متـداول في العلاقـات الـدوليـة والقـانون الـدولي، حتى نتمكن من تحـديـد مـاهيتـه وربطـه بمصـــطلح اخر، أكثر دقـة وتوجـه وهو مصـطلح" الاجراءات الاقتصـادية العدوانية". هذا المفهوم هو تسـمية مفيدة في مواجهة الفعل العدوا الأمريكي (المتمثـل في تســـليط العقوبـات بشـــكـل احـادي الجـانـب على دول وجهـات وكيـانـات دوليـة تعتبرهـا الولايـات المتحـدة الامريكية معادية لسـياسـاتها وقد تشـكل تهديدا على مصـالحها الإقليمية والدولية وخياراتها الاسـتراتيجية)، وهو أيضـا مصـطلح مهم واسـاسي لكسرـ مشرـوعية هذا الفعل العدوا. ما هو مطلوب اليوم، هو تكريس هذا المفهوم كمصـطلح وادراجـه في التوعيـة الســـيـاســـيـة والفكريـة والقـانونيـة ليكون بمثـابـة الأداة الفـاعلـة في مواجهـة المرســـات العـدوانيـة الامريكية.
بالعودة لأصـــل المصـــطلح والمتمثل في العقوبات الاقتصـــادية كن التذك بماهية هذا المصـــطلح ومختلف مراحله التاريخية:

أولا: لغويا:
كلمة العقوبة في الأصــل اللغوي، تنصرــف إلى ثلاث معان هي: المعنى الأول هو الثواب ،والمعنى الثا هو الجزاء، أما المعنى الأخ فهو المقاضاة .

ثانيا: قانونيا
أمّا في القانون فيعني العقاب الجزاء على مخالفة القاعدة القانونية، وهو جزاء يقرره المشرــع الدولي ويوقعه القضــاء الـدولي. إذا كن تعريف العقوبـة هنـا بـانهـا ايلام مقصـــود يوقع من اجـل الجرـة او الفعـل الضـــار او غ الشرـــعي وســتناســب معها. من هنا يتأكد أنّ الألم هو جوهر العقوبة وهذا أمر بديهي إذ لا عقاب بد ون ألم. ويقصــد بالإيلام المساس بحق لمن تنزل به العقوبة والحقوق التي يتصور المساس بها كثة، منها الحقوق المالية والاقتصادية.

ثالثا: سياسيا
ان العقوبة هي تدب قسرــي اقتصــادي أو عســكري اعتمدته عادة عدة دول وعلى راســها الولايات المتحدة بالتظافر لإجبـار دولـة تنتهـك القـانون الـدولي على الكف عن الحكم أو البـت فيـه. وهي أيضـــا تـدب تعـاقـدي أو تقييـدي تتخـذه القوى العالمية وعلى رأســـها الولايات المتحدة عادة بالتظافر للضـــغط على بلد ما لتغي ســـياســـاته المحددة. وتمثل العقوبـات أيضـــا، القيود التي تحـد من حريـة الـدولـة أو الجعـة أو قـادتهـا في العمـل، تفُرض من خلال قرار جعي من دول أخرى. وذلك لأن المجتمع الدولي يريد اسـتخدام الوسـائل السـلمية لمحاولة التأث على سـلوك الدولة أو الجعة أو الفرد من خلال مختلف التداب الاقتصـادية والسـياسـية، وقد يكون الهدف هو تغي سـياسـات دولة تهدد السـلم والأمنالدولي، ونزع فتيل الصراع في بلد ما، وحمل دولة على وقف الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان."

رابعا: تاريخيا:
عرف العقـاب في الحضـــارات القـدـة بمعنى المعـاقبـة على الخروج على قيم الجعـات، وقـد اختلفـت أنواع العقوبـات باختلاف ثقافات هذه الحضـارات و قيم الجعات فيها، و قد أثبتت الدراسـات الأثرية، أن رمسـيس الثا ( ملك مصرـ الفرعونية) عندما انتصرـ على ملك الحيثي طلب من هذا الأخ إبرام معاهدة سـلام ب الدولت في عام 1978 ق م، و هذه المعاهدة ألقت الضـوء على فكرة العقوبات الدولية لدى الفكر الفرعو خاصـة، و قررت ثلاث مبادئ في العلاقات الدولية بصــفة عامة و هي: أولا: مبدأ الســلام الدائم والعادل ب الدولت. ثانيا: مبدأ المعاملة بالمثل في مجال الدفاع.
وثالثا: مبدأ تسليم المجرم.
في الهند يشـهد التاريخ الهندي القديم أن الدويلات الهندية أقامت نظ قانونية دولية في السـلم والحرب، وقد وجدت في الهنـد القـدـة مـدونـات للقـانون تتعلق بـالالتزامـات نحو الـدول الأخرى، مثـل قـانون مـانو (200 ق م). وفي الصـــ القدة، فقد عرفت نظم التحالفات ب الإمارات الصـينية، ك عرفت حرب الجزاء التي تشـن لاسـتخلاص حق عجزت الوسـائل السـلمية عن اسـتخلاصـه، أو تشـن على من يقوم بانتهاك التزاماته الدولية. وفي الحاضرة الإغريقية أمكن اللجوء إلى التحكيم مثل جاء في معاهدة الصـلح ب اسـبرطة و أرجوس المبرمة سـنة 470 ق م، وقد احتلت العقوبات الإلهية مركزا هاما في قلوب اليوناني، وكانت تجتمع الدول اليونانية في حلف دلفيDelphi وهو مؤتمر دولي يعقد في صـورة مؤتمر دولي يوقع عقوبـات ذات طـابع أدبي و ديني، وأهمهـا العـدالـة و الإنصـــاف، وردع المعتـدي الـذي اعتبرتـه التقـاليـد اليونانية و الكنسـية في العصـور الوسـطى معتديا على الله و أصـبحت جرته ضـد المجتمع هي جرة في حق الله و محاربته جهاد مقدس سواء كان المعتدي فردا أو جعة أو دولة. وقد عرفت الحضارة الرومانية عقوبات أبرزها الحرب المقـدســـة (حرب الجزاء) والجزاءات الـدينيـة النـاجمـة عن الخوف من الألهـة، وبعض العقوبـات المعنويـة مثـل اللوم. وفي مرحلـة القـانون التقليـدي، والـذي نشـــأ وتطور في إطـار زمني تـد من معـاهـدة ويســـتفـاليـا 1648 حتى الحرب العـالميـة الأولى، فمنذ نشـأت الأسرة الأوروبية في وسـتفاليا شـهد المجتمع الدولي عدة تطورات كان لها الأثر الأبلغ في تطور نظام العقوبـات، وأبرز هـذه التطورات الحروب المســـتمرة وإقـامـة نظـام ت وازن القوى، والثورة الفرنســـيـة، وتطوير مفـاهيم الدقراطية، والثورة التكنولوجية والصــناعية وظه ور النزاعات الدينية والقومية، والاتجاه إلى ضــبط الصرــاع الحر ب جهة الإنسـانية والكشـوف الجغرافية. أما في مرحلة التنظيم الدولي، فيعتبر قيام عصـبة الأمم فاتحة عصرـ التنظيم الدولي الحـديث، ثم مرحلـة ما بعـد نهـاية الحرب العظمى الأولى وحتى نهـاية حرب الخليج الثـانيـة 1999، فتميزت هذه المرحلـة بتعدد أشــخاص القانون الدولي العام ســواء على مســتوى الدول أو على مســتوى المنظت الدولية ،وبدأ الاتجاه إلى تحريم الحرب في العلاقات الدولية واللجوء الى آليات أخرى غ التقليدية في إدارة الصراعات الدولية .

خامسا : أهمية مصطلح "الإجراءات الاقتصادية العدوانية ":
تنطلق أهمية اســتخدام مصــطلح الإجراءات الاقتصــادية العدوانية من معا اســتخدامه تحت عنوان العقوباتالاقتصـــادية في المجال الدولي ك أداة غ عســـكرية يتم اللجوء إليها للحفاظ على الســـلم والأمن الدولي، ما أدى لاسـتخدامها في عدة قضـايا دولية شـائكة، بالرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة لم يذكر مصـطلح "العقوبات" بشـكل صريح مسـتبدلا ذلك بمترادفات تشـ لمصـطلح كالإجراءات في المادة " 39" أو التداب في المواد 42،14،40 من الفصـل السابع في ميثاقً الامم المتحدة.
رغم غياب تعريف واضـح للعقوبات الاقتصـادية الدولية في مواثيق المنظت الدولية والأنظمة الاقتصـادية، إلا أنه كن تعريفها بأنها: " مجموعة من التداب القسرــية المطبقة على الدولة المرتكبة لعمل عدوا يعَد خرقاً للسـلم والأمن الدولي أو تهديدا له، مسـتهدفة لبنيانها الاقتصـادي وإصـلاح سـلوكها في إطار العلاقاتُ الدولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وخاصًـة المادة 41 منه ." ويعرفها آخرون أنها: " وسـيلة ضـغط سـلبية تهدف إلى الحصـول على تغي في السـلوك السـياسي الدولي للدولة المعاقبةِ، هذه العقوبة كن أن تتدرج من التهديد البسـيط إلى مقاطعة كلية أو شـــاملة للعلاقات الاقتصـــادية ب المعُاقب والمسُـــتهدف ." بين يعرفها الف قيه نايلور Naylor على أنها:
" مجموعـة من الإجراءات العقـابيـة ذات الطـابع الاقتصـــادي يتخـذهـا طرف دولي مـا (منظمـة دوليـة أو دولـة) في مواجهة طرف دولي آخر، وتتمثل أهم هذه الإجراءات في الحصـار والحظر وهي تسُتخدم عادة بغية تحقيق أهداف سـياسـية للطرف المسُـتَخدِم لها تنصـب في معظم الأحيان على تغي التوجهات الأسـاسَـية للطرف الخاضـع للعقوبات بما يتشى مع رغبة أو مصـلحة الطرف المسُـتخدِم لها ." وبالرغم من حداثة مفهوم العقوبات الاقتصـادية الدولية ،فإن الســلوك العقابي الاقتصــادي ظهر في عدةَ مشــاهد تاريخية، عندما كانت تلجأ الإمبراطوريات والجيوش لفرض "الحصــار" الاقتصــادي كوســيلة ضــغط أو للتمدد وبســط الهيمنة الخارجية؛ وهو ما بقي حتى العصرــ الحديث واسـتعمِل في عدة حالات، منها ما قامت به عصـبة الأمم تجاه إيطاليا في العام 1935 بعد غزوها إثيوبيا. وفي العقود الأربعُة الأولى من قيام الأمم المتحدة صـدر قرارين في يتعلق بالعقوبات الاقتصـادية في حالت، ه: روديسـيا في العام 1966 وجنوب إفريقيا عام 1977. وعقب انتهاء الحرب الباردة تصــاعد فرض العقوبات الاقتصــادية بشــكل ملحوظ منها ما كان على العراق وليبيا والصومال وأنغولا .
تسـتند هذه الإجراءات الاقتصـادية العدوانية "العقوبات " على أسـس قانونية تضـمنها ميثاق الأمم المتحدة، إذ وفقاً للدة " 39" من الباب الســابع من الميثاق، "يتخذ المجلس التداب اللازمة حيال أية تهديد للســلم أو انتهاك له أو الأقدام على عمل من أعل العدوان، حفاظا على السـلم والأمن الدولي؛ وقد تكون هذه التداب ما هو منصـوص عليه في المادة " 41" من ذات الميثاق التي جاءً نصـها "أن لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التداب التي لا تتطلب اسـتخدام القوات المسـلحة لتنفيذ قراراته، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصـلات الاقتصـادية، والمواصـلات الحديدية والبحرية والجوية والبرية والبرق ية واللاسـلكية، وغها من وسـائل المواصـلات، وقفا جزئيا أو كليا، وكذلك قطع العلاقات الدبلوماســية"، ولعل ما اتخذته منظمة الأمم المتحدة عام 1962 عند دعوة أعًضــاءًها لقطعً جميع علاقاتهم الاقتصـادية مع جنوب إفريقيا ردا على سـياسـة التمييز العنصرـي، من أبرز الأمثلة على ذلك. وإلى جانب المادة " 41" تأتي المادة " 42" التي تعطي إمكًانية اسـتخدام القوة العسـكرية إن دعت الضرـورة لذلك . أضـف لما سـبق المبـدأ القـانو الآخر للعقـابيـة من خلال قـدرة مجلس الأمن على ســـن قرارات بهـدف معـاقبـة الـدول المـارقـة أو تلـك التي تســمى بالإرهابية، كقرار رقم 1373 الصــادر عام 2001. إلا أن هذا الأســاس يواجه إشــكال، يتمثل أولها فيالتداعيات السـلبية التي انعكسـت على شـعوب الدول المعُاقبَة جراء تطبيق القرارات المسُـتنِدة على هذه القاعدة ،بـدلا من الحكومـات. أمـا الاشـــكـال الثـا فيتمثـل في عـدم وجود تعريف لتهـديـد الســـلم واَلأمن ا لـدولي، في نظـام العقًوبات الدولية، ناهيك عن عدم تحديد المعاي المسُــتنَد إليها في إذا كان هذا الطرف أو ذاك عمل على تهديد السلم والأمن الدولي .
من هذا المنطلق بدأ اســتخدام هذه الإجراءات العقابية، اســتخداما تعســفيا يتنافى وقيم القانون الدولي المذكورة ، نظرا ل غياب المعاي الواضـحة عند الاسـتخدام. فهل ان هذه الإجراءات العقابية او العقوبات الاقتصـادية او التداب مرتبطـة فقط بمـا تقرهّ المواثيق الـدوليـة من أدوات جزر وعقـاب للـدول والكيـانـات الـدوليـة التي لا تحترم المبـادئ الـدوليـة والالتزامـات؟ هـل الجهـة الـدوليـة والممثلـة في ه يئـة الأمم المتحـدة وتحـديـدا مجلس الامن ، والتي وفقـا لآليـاتهـا القـانونيـة تتكفـل بتنفيـذ هـذ ه الإجراءات ملتزمـة بـاحترام مـا تمليـه المواثيق الـدوليـة في التطبيق، بحيـث لا تســـلط العقوبات الا على الجهات التي يثبت انتهاكها للقوان الدولية؟ اما أن هذه الإجراءات العقابية أصبحت أداة ضغط في يد قوى دولية دون غها ، وعلى رأســـها الولايات المتحدة تســـتخدمها وفقا لمنظ ومتها الإجرائية الداخلية والتي توفرها وزارة الخزانة الامريكية إضــافة الى مؤســســات التشرــيع في الكونغرس والإدارة الامريكية؟ أي مصــداقية لإجراءات عقابية تسـتخدمها الولايات المتحدة بشـكل احادي الجانب، الغاية منها تحقيق اهداف ومصـالح أمريكية ،على حسـاب مصـالح الدول والشـعوب، ولا علاقة لها بالمواثيق والقوان الدولية المذكورة وان زوّدت بنفس العناوين المذكورة .
من هذا المنطلق أصــبحت هذه الإجراءات الاقتصــادية العدوانية ، أداة ضــغط واضــحة وواســعة النطاق، وغ محدودة تمتلكها الولايات المتحدة، وتغطي وجودها جملة من القوان والإجراءات والتشرــيعات الخاصــة بالنظام الأمريكي، تديرها مؤســســات وعلى رأســها وزارة الخزينة الامريكية الولايات المتحدة التي يعتبرها صــانعوها وزارة حرب نظرا لكميـة الإجراءات والقرارات العـدوانيـة التي تتخـذهـا وتســـتهـدف من خلالهـا الـدول والكيـانـات وحتى الافراد الذين يناهضـون السـياسات الامريكية ويشكلون تهديدا على مصالحها ومخططاتها الاستراتيجية . كن تحديد هذه الاجراءات كالاتي:

1. الإجراءات السـلبية :التي تسـتهدف الطرف المسُـتهدف مباشرة من خلال إضـعافه عسـكريا ومادياً مع حرمانه من إقامة علاقات طبيعية مع باقي البلدان، تشـتد في حالات العدوان العسـكري. هذه الاجراءاتً التي تهدف لتشـديد الخناق على الطرف المسُتهدف وإضعاف سلوكه، تتم من خلال أربعة أساليب :

المقاطعة الاقتصـادية :وكن تعريفها ب الإجراءات الرسـمية التي تؤدي إلى قطع العلاقات الاقتصـادية مع الـدولـة المســـتهـدفـة أمريكيـا ، وتتمثـل هـذه المقـاطعـة، التي عرفتهـا العلاقـات الـدوليـة من قرون، في عـدة إجراءات، منها: وقف كافة العلاقات الاقتصـادية التجارية، والمالية، والاسـتثرية ، والاجتعية أيضـاً كالسـفر .وتعتبر المقاطعة الاقتصـــادية الأســـلوب الأمثل ل لإجراءات الاقتصـــادية العدوانية التي باتت تســـتخدمهاالولايات المتحدة بشكل مكثف واحادي على المستوى الدولي .

الحصـار الاقتصـادي :والذي يعتبر بالأصـل عمل حربي تنفذه قوة جوية وبحرية لإضـعاف القدرة الاقتصـادية للـدولـة المراد مُعـاقبتهـا. وقـد شَرّع هـذا الإجراء مجلس الأمن على أن يتم بحراً مـدعومـاً بـالحصـــار الجوي ،وهو ما جرى إقراره من قبل مجلس الأمن ضد ليبيا في 31 مارس 1992.
2. الإجراءات الجمركية :التي جاءت نتيجة تطور العلاقات الاقتصـادية الدولية وما تتضـمنه من تطور في أسـاليب الاستاد والتصدير. ومن أنواع هذه الإجراءات العقابية العدوانية ، الزيادة المستمرة والعالية على الرسوم الجمركية .
3. وقف العلاقات الاقتصـادية :وهو أشـبه بعزل الدولة المعُاقَبة من خلا ل منع أية روابط اقتصـادية معها أو أية اسـتثرات على أراضـيها، ك تصـل لمنع السـفر لها ومنها وهو ما ينعكس سـلباً على رعايا الدولة المعُاقبَة بالاتجاه الاقتصادي والنفسي .
تعمل القوى المسـيطرة على جدول الإجراءات او التداب والعقوبات الاقتصـادية ، وعلى رأسـها الولايات المتحدة على منع محاولات ما تســـميه اختراق العقوبات المتُخَذة من خلال مراقبة شـــاملة للمنظومة الاقتصـــادية) عن طريق مؤسساتها المتخصصة في ذلك (OFAC للدولة الَمعُاقبَة والأطراف الاقتصادية الأخرى ، كالشركات متعددة الجنسيات ،ومنع تصدير منتجاتها واتخاذ كل ما يلزم لمنع وصول رؤوس الأموال إليها. وتتم هذه الإجراءات من خلال :
نظام القوائم السـوداء :التي تتضـمن أسـء الأشـخاص وال ـشركات ذات العلاقة مع الدولة المعُاقبَة، ك تأتي هذه القوائم من باب التهديد بالعقوبات تجاه الأطراف المحتملة العلاقة مع الطرف الم عُاقبَ، ســواء كانوا شركات أم أشخاص .
المشــتريات التحويلية :والتي تركز على حرمان الدولة المعُاقبة من الحصــول على الموارد الاقتصــادية من خلال شراء المواد الإستراتيجية من الدول المحايدة لتجنب وصَولها للطرف المعُاقبَ .
من هذا المنطلق يأتي مصــطلح الاجراءات الاقتصــادية ا لعدوانية كمفهوم أكثر وضــوحا للدلالة على اهدافها وســـيـاســـاتهـا والجهـات التي تقف وراءهـا، وتـأثاتهـا وتـداعيـاتهـا المختلفـة على الـدول والكيـانـات والافراد المستهدفة بهذه الاجراءات .
1. مصطلح الإجراءات:
هذه الاجراءات هي مخطط يوضـح كيفية تطبيق السـياسـات التي تعمل على فرضـها الجهات المعادية. وهي سـلسـلة الأعل والخطوات والمراحـل المتبعـة لتنفيـذ اعل الضـــغط، الى جـانـب انهـا مجموعـة من المهـام المترابطـة مع بعضـــهـا بعضـا، والمرتبة تسـلسـليا وفقا لتتابع حدوثها لتشـكل أسـلوب أداء اعل الضـغط. ويتضـمن الإجراء وفقا لهذا المفهومتحديد كيفية أداءه، ووقت الأداء، والمسؤول عن هذا الاداء .
2. مصطلح العدوان:
أمّا صـفة العدوانية فهي مرتبطة بمفهوم العدوان الذي يخرج عن إطار المفهوم البسـيط الذي يعني جملة من الافعال التي تتســم بالعدوانية تجاه موضــوع او هدف ما، لتكون نتائجه التدم والخراب. ليكون العدوان بمفهومه الاوســع والذي طرح في موسـوعة القانون الدولي ووقع ربطه باسـتخدام القوة المسـلحة بإطارها المبالغ فيه، الذي تعد ادواته أكثر قدرة على الدمار والقهر والتخريب، مع الاخذ في ع الاعتبار الجدل الواسـع الذي طرح في القانون الدولي حول تحديد مفهوم واضــح للعدوان-على الرغم من التعريفات المختلفة التي قدمها ميثاق الامم المتحدة- لتحديد اوجه المســؤولية الدولية لاي جهة دولية تقوم بمرسة هذا العدوان تحت غطاء الحق الشرعي في الدفاع عن النفس.
للتذك، فقد وقع جدل كب حول مفهوم العدوان وكيفية ادراجه ضـــمن الجرائم التي تدخل في اختصـــاص المحكمة الجنائية الدولية باعتبار خطورته وتداعياته الكبة على الدول والشـعوب. فقد اعتبر بعض الفقهاء في القانون الدولي أنّ العدوان جرة خطة تسـتوجب ادراجها ضـمن موسـوعة الجرائم الدولية، نظرا للجسـامة القصـوى لها، والآثار الدولية الفادحة المترتبة عليها، بين قام الرأي المعارض على أســاس عدم التوصــل إلى تعريف دقيق لهذه الجرة. ومن ناحية أخرى فقـد امتـد النقـاش إلى دور مجلس الأمن في هـذا الشـــأن. بيـان ذلـك أن المـادة( 39) من ميثـاق الأمم المتحـدة تنص على أن مجلس الأمن يختص بتقرير قيام حالة “العدوان“ ”act of aggression”، بما مفاده أن تحديد قيام هذه الحالة يتصــل مباشرة بدور مجلس الأمن في الحفاظ على الســلم والأمن الدولي. وقد كان من بالغ الدقة الوصــول إلى حل متوازن يحفظ لمجلس الأمن اختصـاصـه المقرر بمقتضىـ ميثاق الأمم المتحدة، في الوقت ذاته الذي يحافظ فيه ويضـمن الاسـتقلال القضـائي الواجب تقريره للمحكمة الجنائية الدولية صـاحبة الاختصـاص في تحديد الجرائم وتصـنيفها. وقد يكون من الملائم الإشـارة إلى أن محكمة نورمبرج أدانت الحروب العدوانية بأبلغ وأقسىـ التعبات، حيث انتهت إلى أن شـن الحرب العدوانية ليس جرة دولية، بل هو أكثر الجرائم الدولية فحًشًـا؛ حيث إن هذه الجرة تتضـمن في ذاتها كـافـة الشرـــور النـاتجـة عن جرائم الح رب الأخرى ومـا يرتبط بهـا. وكـان أن أقرت الجمعيـة العـامـة للأمم المتحـدة المبـادئ المستخلصة من ميثاق محكمة نورمبرج والمبادئ التي تضمنتها الأحكام الصادرة عنها (القرار رقم 95/1 لسنة 1946).
قـامـت لجنـة القـانون الـدولي بـالأمم المتحـدة، بنـاء على تكليف من الجمعيـة العـامـة، بتقن تلـك المبـادئ حيـث أوردت تحت المبدأ الســابع بيان الجرائم المعاقب عليها في إطار أحكام القانون الدولي حيث ورد تحت البند (أ) الجرائم ضــد الســلم وتتحصــل في مســلك، أوًلًا: التخطيط والتحضــ وإشــعال أو شــن الحرب العدوانية أو الحرب التي تنتهك المعاهدات والتأكيدات الدولية، وثانيًا الاشـــتراك في تخطيط أو التآمر على إتيان ٍّ أي من الأفعال المشـــار إليها أوًلًا. وقد سـبق أن أوردت معاهدة فرسـاي لسـنة 1919 نصًـا يفيد المسـؤولية الجنائية الفردية ع َّ سـمته الجرة ضـد “الأخلاق الدولية وقدسية المعاهدات، حيث نصت المادة( 227) من معاهدة فرساي المشار إليها، على توجيه دول الحلفاء الاتهام علنًا لإمبراطور ألمانيا السـابق عن ارتكابه الجرة الأكثر فحًُشًـًا ضـد الأخلاق الدولية وقدسـية المعاهدات، مع التأكيد على أن المحكمة الخاصـة التي سـتشـكل لهذا الغرض سـتكون محكومة بأعلى اعتبارات السـياسـة الدولية من أجل الدفاعوصيانة مصداقية الالتزامات الدولية وتأكيد احترام قواعد الأخلاق الدولية.
لعلـه م يؤكـد مـدى الـدقـة والصـــعوبـة التي تحيط بتعريف العـدوان، أن المقرر الخـاص بلجنـة القـانون الـدولي التـابعـة للأمم المتحدة كان قد قرر سـنة 1950 بأن العدوان، بالنظر إلى طبيعته الذاتية، يسـتعصيـ على التعريف. ولما كان ذلك ،فـإنـه من الجـدير الإشـــارة إلى أن مجلس الأمن نـادرًا مـا اســـتعـان بمـا ورد من تعريف للعـدوان في قرار الجمعيـة العـامـة المشــار إليه، إلا أن جرة العدوان قد عادت ثانية إلى بؤرة الاهتم بالنظر إلى اعتبارها جرة دولية ترتب المســؤولية الفردية على مرتكبهـا، وتدخل بهـذه المثـابة في دائرة الاختصـــاص المقرر للمحكمـة الجنـائيـة الدوليـة وإن كان تفعيـل هذا الاختصـاص معلًقًا على الوصـول إلى تعريف للجرة واتباع الإجراءات المبينة بالمادت( 121) و(123) من النظام الأساسي للمحكمة، مع مراعاة اتفاق التعريف بالأحكام ذات الصـلة التي يتضـمنها ميثاق الأمم المتحدة. ويبدو الفقه منقسـ حول مدى إمكان اســـتعارة تعريف العدوان على النحو الوارد بقرار اللجنة العامة للأمم المتحدة لســـنة 1974 لترتيبً المسـؤولية الجنائية الفردية. أسـاس ذلك أن قرار الجمعية العامة في شـأن تعريف العدوان يفرق ب مسـؤولية الدولة والمســـؤوليـة الجنائية الفردية، فلا ينص على تقرير هذه المســـؤولية الأخة إلا عن ارتكاب “جرة الحرب العدوانية ”“War of aggression” على نحو مـا تنص عليـه صراحـة المـادة( 5/2) من القرار من أن “الحرب العـدوانيـة هي جرـة ضـد السـلم الدولي.” ومن المعلوم أن جمعية الدول الأعضاء بالمحكمة الجنائية الدولية قدمت في يونية 2009، مقترحات بشـأن جرة العدوان. وقد ضـمنته ما تراه في شـأن أركان جرة العدوان وكن تلخيص ما تقترحه في هذا الشـأن في يلي:

○ أن جرة العدوان تعني التخطيط والتحض والبدء باستخدام أو استخدام القوة المسلحة ،
○ أن الجرة يتع أن يكون مرتكبها في مركز يتيح له توجيه تصرفات الدولة السياسية والعسكرية ،
○ أن تكون الجرة موجهة إلى دولة أخرى ذات سـيادة. ولكن مع الاشـكاليات التي طرحتها هذه المقترحات، كان لابد من التأكيد مرة اخرى على خطورة هذا المفهوم والتعقيدات المتعلقة بالمرســات والســلوكيات التي قد تقدم عليها دولة او جهة دولية من اجل تحقيق اهدافها ومصـالحها ولو على حسـاب مصـالح الدول والشـعوب المستهدفة.

سادسا: الاستنتاجات
من هذا المنطلق، وعلى اســاس اهمية هذا المصــطلح ووجوب تكريســه في إطار التوعية الســياســية ،كان من الضرـوري الاعتد على هذا التكييف القانو لمصـطلح العدوان، لربطه بالسـلوكيات والمرسـات التي قد تكون لها نفس التداعيات الخطة، وقد تشـكل عدوانا مباشرا على جهات او دول مسـتهدفة ولكنها تسـتخدم في إطار غ عسـكري، أي خارج نطاق القوة المسـلحة او اسـتخدام القوة العسـكرية. من هنا، نحن أمام مصـطلح واضـح لكن لا يسـتخدم القوة المسـلحة، اا يحتمي بإجراءات واسـاليب ومعاملات غ عسـكرية تحت إطار سـياسـة ارغام تتحكم بها قوى بعينها، وتهدف من خلالها الى تحقيق مصــالح معينة مرتبطة بفرض ســياســات وهيمنةواسعة على الجهات المستهدفة.
تدخل الاجراءات الاقتصـادية العدوانية ضـمن سـياسـة الارغام التي تسـتخدمها القوى الدولية العدوانية الفاعلة وعلى رأسـها الولايات المتحدة للضـغط على الدول والافراد والمؤسـسـات المناهضـة لسـياسـاتها ومصـالحها .نحن لا ننفي الدور الأسـاسي لهذه الإجراءات لان أهدافها معروفة وهي تتضـمن جملة من العقوبات الاقتصـادية والاجراءات السـياسـية العقابية، والعمليات الالكترونية والعمليات الاسـتخباراتية السرـية، والمسـاعدة العسـكرية والحملات الدعائية والتضـييق على التجارة او التحكم فيها والحظر على البضـائع والاشـخاص ودعم المعارضـة السـياسـية اضـافة الى امور اخرى. القاسـم المشـترك ب هذه الاد وات هو أنها تعمل على كسرـ الارادات، لذلك ما يهمنا هو تسـليط الضـوء على عدوانيتها وبالتالي توصيفها بشكل واضح وتكريسها كمصطلح ثابت لمواجهة السياسات الامريكية.
ان قدرة الولايات المتحدة خاصـة في اسـتخدام الاجراءات الاقتصـادية العدوانية في ازدياد مع ازدياد حاجتها لاسـتخدام هذه الادوات. أصــبحت الاجراءات الاقتصــادية العدوانية من أكثر الخيارات فاعلية بالنســبة للولايات المتحدة اليوم .وزادت العولمة ايضــا من الفرص التي تتيح اســتخدام هذه الاجراءات الاقتصــادية العدوانية، مع تزايد اعتد معظم الدول-بما فيها الصـ وروسـيا وإيران وهي الأكثر اسـتهدافا إضـافة الى جهات فاعلة أخرى على المسـتوى الإقليمي والدولي مناهضـة للسـياسـات الامريكية- على الاسـواق العالمية والموارد والمعلومات والانظمة، والاقتصـاديات العالمية والشـبكات المـاليـة، وأنظمـة التوزيع، والبنى التحتيـة ومجـالات المعلومـات، وأســـواق الهيـدروكربون والمواصـــلات والتنقـل وطلبـات المسـتهلك والافكار والمؤسـسـات وغها من الامور. كل هذه المجالات توفر الفرصـة لفرض النفوذ حتى على أكثر الدول انعزالا مثل كوريا الشـلية او الكيانات الاخرى المسـتهدفة مثل القوى المعادية لسـياسـات الهيمنة الامريكية في الشرـق الاوسط.
من المهم التـأكيـد على ان الولايـات المتحـدة الامريكيـة هي رأس الحربـة في اســـتخـدام هـذه الاجراءات الاقتصـــاديـة العدوانية، فبعد ان امضــت ســنوات طويلة في خوض الحروب العســكرية، بدأت تواجه ضــغطا لتقليص الاعتد على القوة على سـبيل حية مصـالحها والنهوض بمسـؤولياتها والتصـدي لما تعتبره تهديدات لمصـالحها. بدأت الولايات المتحدة باسـتخدام هذه الاج راءات غ العسـكرية لكنها لا تقل عدوانية عن الادوات العسـكرية للضـغط على الدول والكيانات المناهضــة لســياســات الهيمنة الامريكية لحملها على فعل الامور التي ما كانت لترضى بها في ظروف اخرى. تعتبر هذه الاجراءات الاقتصـادية العدوانية بمثابة الارغام غ العسـكري الذي تسـتخدمه الولايات المتحدة لتحقيق اهداف بطرق أكثر فاعلية واشــدّ ايلاما. ان الخيارات المندرجة تحت هذا الصــنف توفر طرقا غ عســكرية لإلحاق الاذى او التهديد بـذلـك، حتى امتثـال الـدولـة-الهـدف- للمطـالـب الامريكيـة. هـذا مـا يطلق عليـه بعض البـاحث بـالقـدرة على الارغـام وهو أمر تملـك الولايـات المتحـدة وفرة منـه، تعمـل على اســـتخـدامـه بـاســـتراتيجيـة دقيقـة وموجهـة نحو تحقيق الاهـداف م يجعلها مؤلمة ومؤثرة بشـكل سـلبي على الجهة المسـتهدفة. من هذا المنطلق هي أكثر عدوانية نظرا لدقتها، وهي أكثر ايلاما نظرا لقساوتها.
ان الاجراءات الاقتصـادية العدوانية هي أشـدّ فتكا بالشـعوب من الحروب العسـكرية، وعليه، هي لا تختلف في نتائجهاوتداعياتها عن الحروب العسـكرية المدمرة، وتصـبح بذلك اجراءات تسـتوجب المسـاءلة القانونية الدولية للدولة التي تحتكر هذه المرسـة العدوانية للضـغط على الشـعوب والجهات المناهضـة لمصـالحها وسـياسـات الهيمنة التي تعمل على فرضــها باســتمرار دون اعتبار لســيادة الدول ولا لحقوق الشــعوب المســتهدفة .ك انّ هذه الإجراءات الاقتصــادية العدوانية كن وضـعها في منزلة جرائم الحرب العدوانية التي وردت في مواثيق وأطر القانون الدولي ومناقشـات اللجان المختلفـة في الأمم المتحـدة والمحكمـة الجنـائيـة الـدوليـة. انهـا اجراءات عـدوانيـة لا تقـل خطورة عن اي ادوات عـدوانيـة اخرى ومن الضرـوري تصـنيفها كإحدى اشـدّ الادوات تسـلطا ودمارا نظرا لأنها اصـبحت جزءا اسـاسـيا ضـمن موسـوعة الحروب البديلة او الجديدة، والتي تعتمدها الولايات المتحدة كبدائل عن القوة العسكرية الاكثر تكلفة بالنسبة اليها.

المصدر:مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير

رایکم
آخرالاخبار