
وجّهت الدول الثلاث الأعضاء في الاتفاق النووي (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة)، وهي الدول الأوروبية الثلاث الموقعة عليه، إشعارًا رسميًا إلى مجلس الأمن الدولي صباح الخميس لتفعيل آلية "سناب باك" لإعادة فرض العقوبات على إيران، متجاهلةً بذلك تراجعها عن التزاماتها السابقة وحليفها الأمريكي، مُعلنةً استعدادها للتفاوض مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن اتفاق نووي خلال الثلاثين يومًا القادمة، بما يُمكّنها من إيقاف عملية إعادة فرض العقوبات.
وكما كان متوقعًا، رحبت الولايات المتحدة بإعلان بدء آلية "سناب باك"، أو ما يُسمى بـ"العودة التلقائية للعقوبات"، رغم كونها باطلة من حيث الأساس، وبعد فترة وجيزة، كشفت بعض المصادر عن ضغوط يمارسها البيت الأبيض على أوروبا في هذا الصدد.
الضغوط الخفية وموقف الترويكا من الولايات المتحدة
بعد فشل فريق ترامب في الحصول على تنازلات أحادية الجانب في المفاوضات غير المباشرة مع إيران، وما تلاه من عدوان إسرائيلي استمر 12 يومًا على الأراضي الإيرانية، وقصف الحكومة الأمريكية للمنشآت النووية السلمية في بلادنا، يستخدم البيت الأبيض كل الوسائل لضرب طهران.
لذلك، ازداد الضغط الأمريكي على الدول الأوروبية، وخاصةً أعضاء الترويكا الأوروبية، بشكل حاد في الأسابيع الأخيرة. ووفقًا لمعلومات صادرة عن مصدر دبلوماسي، تعتبر الضغوط المكثفة والخفية من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو العامل الرئيسي في قرار الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية الزناد.
في مقابلة مع مراسل "إيران نوانس"، أكد المصدر أن الدول الأوروبية تعرضت لضغوط فعلية لاتخاذ هذا القرار، وأن هذا الإجراء لم يكن بمحض إرادتها. في غضون ذلك، كان ضغط روبيو شديدًا ومهينًا لدرجة أن أحد وزراء خارجية الترويكا أعرب عن قلقه البالغ إزاء عواقب هذا الإجراء في مناقشات داخلية، لكن روبيو أجبره على قبول هذا الضغط بلهجة قاسية وتهديدية؛ وهي مسألة تشير، من وجهة نظر المراقبين، إلى امتثال الأوروبيين التام للسياسات الأمريكية تجاه إيران.
وكما كان متوقعًا، ضغطت واشنطن بشكل غير مباشر على الدول الأوروبية لتغيير قراراتها بشأن إيران ووضع تفعيل آلية الزناد على جدول الأعمال لصالح المصالح الأمريكية. في الواقع، تمكن المسؤولون الأمريكيون من التأثير على عملية صنع القرار في الترويكا الأوروبية من خلال استخدام الضغط المكثف والتأثير على القرارات الرئيسية في الدول الأوروبية.
لعبة الشرطي الطيب والشرطي السيء؛ توزيع المهام بين أوروبا والولايات المتحدة ضد إيران
على عكس الرأي القائل بأن أوروبا أطلقت عملية "سناب باك" بضغط أمريكي، هناك رأي آخر يعتبر كل هذا مجرد لعبة ومناورة سياسية. في الأجواء الدبلوماسية للاتفاق النووي، برزت الدول الأوروبية باستمرار كـ"الشرطي الصالح"، بينما لعبت الولايات المتحدة دور "الشرطي السيء". وتكرر هذا التوزيع للمهام.
قدّمت أوروبا نفسها ظاهريًا كوسيط وطرف راغب في الحفاظ على الاتفاق النووي، وسعت في المفاوضات الدولية إلى إظهار تركيزها على الحلول السلمية والدبلوماسية. في الوقت نفسه، سعت الولايات المتحدة باستمرار إلى الضغط على طهران بالعقوبات والتهديدات، وهي استمرار لحملة الضغط الأقصى السابقة.
وبالطبع، صرّح المسؤولون الإيرانيون مرارًا وتكرارًا، من خلال منابر مختلفة، بأنهم لن يتفاوضوا تحت وطأة التهديدات والعقوبات. أمس (الجمعة)، وصف أمير سعيد إيرفاني، سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، الإجراء "غير القانوني" الذي اتخذته ثلاث دول أوروبية بإعلان بدء عملية "سناب باك" بأنه "مرفوض"، وصرح بأن هذا الإجراء يتجاوز آلية فض النزاعات في خطة العمل الشاملة المشتركة، قائلاً: "إيران ملتزمة بالدبلوماسية، لكنها لن تتفاوض أبدًا تحت التهديد أو الإكراه".
لذلك، من المرجح أن تُلعب لعبة لعبة الشرطي الطيب والشرطي السيء مع تقسيم مُحدد مسبقًا للمهام في هذه المرحلة. في هذا السيناريو، تلعب أوروبا، كجزء من الاستراتيجية الأمريكية، دورًا مُلطفًا وظاهريًا، لكن في الواقع، القوة الحقيقية في أيدي واشنطن. لذلك، في عملية صنع السياسات المستقبلية، قد تواجه إيران وضعًا يتطلب ضغطًا أكبر على الجانبين للتوصل إلى اتفاقيات حقيقية ودائمة، ويمكن تقييم وتحليل ما يُشاع عن انسحاب إيران المُحتمل من معاهدة حظر الانتشار النووي في هذا الصدد.
عواقب تفعيل آلية الزناد على إيران والغرب
إن إعلان الأوروبيين عن بدء عملية "سناب باك"، وهو ما يُعدّ استمرارًا للسياسات الأمريكية في انتهاك التزامات خطة العمل الشاملة المشتركة وقرار مجلس الأمن رقم 2231، واستمرار العقوبات الأحادية الجانب على إيران، سيُعزز في الواقع تشاؤم إيران وانعدام ثقتها بالدول الغربية. هذا الانعدام المبرر، الناتج عن المطالب المفرطة من الجانب الغربي، أدى إلى تعثر مفاوضات إدارة ترامب الثانية.
يمكن البحث عن جذور هذا الانعدام في إدارة ترامب الأولى، عندما أدار ظهره للاتفاق الذي كانت الإدارة الأمريكية السابقة الراعي الرئيسي له، ولم تتمكن الترويكا حتى من تنفيذ آلياتها المبتكرة مثل آلية "إنستكس"؛ بينما التزمت إيران بالتزاماتها حتى بعد عام من خرق ترامب للاتفاق. وقد أجبر تقاعس الأوروبيين طهران على اتخاذ تدابير تقييدية، على الرغم من نحو 15 تقريرا إيجابيا من المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك "يوكيا أمانو" بشأن الأنشطة النووية السلمية الإيرانية.
من وجهة نظر المراقبين، تعدّ آلية الزناد أداةً نفسيةً وسياسيةً أكثر منه إجراءً عمليًا وفعالًا لتغيير سياسات إيران، والتي، خلافًا للدعاية والضجيج الإعلامي المُوجّه، لن يكون لها تأثيرٌ اقتصاديٌّ أو حاسمٌ يُذكر على علاقات إيران بالقوى العالمية الأخرى؛ فهي دولةٌ تخضع لأشدّ العقوبات الغربية منذ أكثر من أربعة عقود، لكنها لم تحِد عن مبادئها، كضرورة إجراء مفاوضاتٍ عادلةٍ وأهمية التوصل إلى اتفاقٍ رابحٍ للجميع.
أثبتت إيران بوضوحٍ أن برنامجها النووي ذو طابعٍ سلميٍّ بحت، ولم تسعَ قطّ إلى صنع قنبلةٍ نووية. هذا في حين أن حلفاء هذه الدول الغربية نفسها، كالكيان الصهيوني المارق، لم ينضمّوا بعدُ إلى معاهدة حظر الانتشار النووي رغم امتلاكهم قنبلةً نووية، والمفارقة المُرّة هي أنهم لم يتعرضوا قطّ لضغوطٍ مماثلةٍ لما تعرضت له إيران.
في ظلّ هذه الظروف، تُعتبر العقوبات الجديدة والضغوط السياسية من الغرب غير قانونيةٍ ومخالفةً لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان؛ وهو وضعٌ زاد من انعدام ثقة إيران بأوروبا والولايات المتحدة.
أدى هذا السلوك المتناقض وغير التقليدي إلى تعزيز علاقات إيران مع القوى العالمية المستقلة والنظر في خيارات دبلوماسية مختلفة، بما في ذلك زيادة التفاعل مع الدول الشرقية والحلفاء غير الغربيين. يمكن أن تساعد هذه الإجراءات إيران على المضي قدمًا في سياساتها بما يتماشى مع حماية المصالح الوطنية والأمن الإقليمي، بل واكتساب قوة أكبر على الرغم من الانتكاسات في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة من الغرب.
من ناحية أخرى، وافقت الترويكا على الطلب الأمريكي في حين أن هناك معارضة وقلقًا كبيرًا داخل الدول الأوروبية بشأن تفعيل آلية الزناد. ويحذر العديد من المسؤولين والمحللين الأوروبيين من أن مثل هذا القرار قد يؤدي إلى أزمات جديدة في علاقات أوروبا مع إيران وحتى مع القوى العالمية الأخرى.
بالإضافة إلى ذلك، تواصل بعض الدول التأكيد على ضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران، وتشعر بالقلق من أن مثل هذه الإجراءات ستضعف مكانة أوروبا في ساحة الدبلوماسية العالمية وتقلل من مصداقية الاتحاد الأوروبي تجاه الدول الأخرى؛ وهي مخاوف تتعارض مع المطالب الأمريكية.
دفع الضغط الأمريكي العديد من الدول الأوروبية، وخاصة أعضاء الترويكا، إلى طاعة واشنطن بشكل أعمى ودون تردد. ويوضح هذا الاتجاه بوضوح التحديات التي تواجه أوروبا في الحفاظ على استقلالها السياسي عن الجهات الفاعلة العالمية.