
أفاد موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، بأن الضغوط الناجمة عن الحرب تسببت في إنهاك شديد للجيش الأمريكي، محذراً أحد المسؤولين من أن هذه الضغوط قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويض قدرة الولايات المتحدة على مواصلة الحرب بفاعلية.
وأشار التقرير إلى انخفاض مخزونات صواريخ الاعتراض، والأضرار التي لحقت بالقواعد والمعدات، واستنزاف الأسطول، إلى جانب المشكلات اللوجستية. ووصف أحد المسؤولين الوضع القائم بأنه «غير مستدام في نهاية المطاف»، مشيراً إلى أن افتراض البيت الأبيض بأن إيران ستنهك قبل البحرية الأمريكية لم يتحقق.
ومع استمرار الحرب الاستنزافية مع إيران، ارتفعت كلفة العمليات العسكرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة إلى مستوى يجعل الحفاظ على الوتيرة الحالية أكثر صعوبة. فإذا استُهلكت مخزونات صواريخ الاعتراض بسرعة، واحتاجت المعدات إلى أعمال صيانة، وأصبحت خطوط الإمداد أطول وأكثر كلفة، فإن القدرة العسكرية الأمريكية ستواجه قيوداً متزايدة على الحفاظ حتى على الوضع القائم في مواجهة إيران.
وبذلك، لا تقتصر المشكلة التي تواجه واشنطن على حجم قوتها النارية، وإنما تمتد إلى قدرتها على الحفاظ على هذه القوة في حرب طويلة ومكلفة.
ويكتسب تقرير «ذي إنترسبت» أهمية من كونه يقدم صورة مختلفة عن الرواية الرسمية لإدارة دونالد ترامب. فقد سعى البيت الأبيض وكبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين خلال الأشهر الماضية إلى إبراز التفوق العسكري الأمريكي والأضرار التي لحقت بقدرات إيران، لكن تقارير صادرة من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية تشير إلى أن استمرار العمليات ترافق مع تكاليف لا يمكن تقييمها بمجرد احتساب عدد الهجمات أو كمية الذخائر المستخدمة.
فالحرب الطويلة تنقل الضغط تدريجياً من ساحة المعركة إلى مخازن الذخيرة وخطوط النقل وورش الصيانة والموانئ وقواعد الدعم، بل وإلى العنصر البشري أيضاً.
استنزاف صواريخ الاعتراض
تعد مخزونات صواريخ الاعتراض الأمريكية من أبرز نقاط الضغط. ووفق الأرقام التي أوردها تقرير «ذي إنترسبت»، استُهلك جزء كبير من مخزونات صواريخ «باتريوت» و«ثاد» خلال الحرب.
وتكمن أهمية ذلك في أن الولايات المتحدة مضطرة للدفاع عن قواتها وقواعدها في المنطقة، ما يفرض عليها دفع كلفة كبيرة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة في مواجهة كل موجة من الهجمات.
وفي حال لم يتناسب حجم وسرعة إنتاج الذخائر الجديدة مع وتيرة استهلاكها، فإن حتى جيشاً يمتلك تقنيات متقدمة سيواجه قيوداً على قدرته العملياتية.
وتزداد خطورة هذه المسألة في ظل طبيعة الحرب غير المتكافئة التي تواجهها منظومات الدفاع الصاروخي؛ إذ يمكن للمهاجم استخدام ذخائر أقل كلفة نسبياً لإجبار المدافع على استخدام منظومات اعتراض باهظة الثمن.
وبالتالي، فإن كل هجوم ناجح، بل وحتى كل هجوم تضطر الولايات المتحدة إلى اعتراضه، لا يمثل مسألة تكتيكية فحسب، وإنما يؤثر أيضاً في معادلة مخزونات الأسلحة وكلفة الحرب.
وإذا استمر هذا المسار لفترة طويلة، فستضطر واشنطن إلى الموازنة بين حماية قواتها، وتأمين قواعدها، والحفاظ على قدراتها لشن عمليات هجومية مستقبلية.
القواعد الأمريكية تحت الضغط
يتعلق الضغط الثاني بالشبكة الواسعة للقواعد الأمريكية في المنطقة. ويعتمد الجيش الأمريكي في استمرار عملياته بالشرق الأوسط على مجموعة من القواعد والموانئ ومراكز التزود بالوقود ومستودعات الذخائر ومراكز القيادة.
ولا يعني تعرض أي حلقة من هذه الشبكة للأضرار بالضرورة توقف الشبكة بأكملها، لكنه قد يرفع كلفة تشغيلها. فإذا عجز ميناء أو قاعدة رئيسية عن العمل بطاقته السابقة، فسيتعين نقل جزء من مهامه إلى موقع آخر، وهو ما يعني زيادة المسافة والوقت واستهلاك الوقود والكوادر البشرية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك البحرين، حيث ذكر تقرير «ذي إنترسبت» أن الأضرار التي لحقت بمنشآت تابعة للبحرية الأمريكية تسببت في اضطراب كبير في أنشطتها.
وعند وضع هذه التقارير إلى جانب المشكلات التي طالت قواعد أمريكية أخرى في المنطقة، تظهر صورة أوسع: لا تزال الولايات المتحدة تمتلك شبكة عسكرية واسعة، لكن جزءاً من هذه الشبكة يتعرض للضغط، والحفاظ على أدائها يتطلب استهلاك موارد إضافية.
وفي حرب قصيرة، قد تكون هذه الكلفة قابلة للإدارة، أما في حرب طويلة فإنها تتحول تدريجياً إلى عامل استنزاف.
الأسطول البحري أمام اختبار الاستنزاف
ولا ينفصل الأسطول البحري الأمريكي عن هذه المعادلة. فوجود حاملات الطائرات والمدمرات والغواصات وسفن الدعم على مسافات بعيدة جداً عن الأراضي الأمريكية يتطلب سلسلة معقدة من عمليات التزود بالوقود والصيانة وتأمين قطع الغيار ونقل المعدات.
وكلما أصبح الوصول إلى موانئ المنطقة أكثر صعوبة، ازدادت الحاجة إلى مسارات أطول، وهنا تتحول المسافة الجغرافية إلى كلفة عسكرية مباشرة.
من جهة أخرى، فإن استنزاف المعدات والسفن ليس مسألة يمكن حلها بمجرد تخصيص مزيد من الأموال على المدى القصير. فحاملة الطائرات أو الطائرة العسكرية تحتاج بعد فترة طويلة من العمليات إلى الصيانة وقطع الغيار والكوادر المتخصصة.
وإذا كانت عدة وحدات عسكرية منخرطة في عمليات متزامنة، فإن دورة الصيانة والاستبدال ستتعرض بدورها للضغط. ولهذا يمكن للحرب الطويلة أن تؤدي، حتى من دون هزيمة عسكرية مباشرة، إلى خفض القدرة العملياتية للجيش تدريجياً.
أزمة استنزاف لا تعني انهيار الجيش الأمريكي
مع ذلك، لا ينبغي استنتاج أن الجيش الأمريكي بات على وشك الانهيار الفعلي استناداً إلى تقرير «ذي إنترسبت». فهذا الاستنتاج لا يتوافق مع حجم القدرات العسكرية الأمريكية.
ولا تزال واشنطن تمتلك واحدة من أكبر الشبكات العسكرية في العالم، وقدرات صناعية واسعة، وقوات جوية وبحرية قوية، وإمكانات مالية ضخمة.
لكن مغزى التحذير الوارد في التقرير مختلف: حتى القوة العسكرية الكبرى لا تمتلك قدرة غير محدودة على خوض الحروب.
وقد تتمثل المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في تحول عملية عسكرية إلى حرب تتزايد كلفتها مع مرور الوقت. فإذا تمكنت إيران من الحفاظ على قدرتها على توجيه الضربات وإجبار الولايات المتحدة في الوقت نفسه على الاستهلاك المتواصل للذخائر ونقل القوات والمعدات وصيانة الأسطول وإعادة تأهيل القواعد، فإن معادلة الحرب ستتحول من تحقيق نصر سريع إلى إدارة استنزاف طويل.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكون عامل الوقت بالضرورة في مصلحة الطرف الذي يمتلك قوة عسكرية أكبر.
ومن هذا المنظور، ينبغي قراءة تحذير المسؤولين الأمريكيين من أن الوضع أصبح «غير مستدام» بعيداً عن توصيفه بأنه «انهيار». فالخطر الرئيسي بالنسبة إلى واشنطن لا يتمثل بالضرورة في تدمير القدرات العسكرية الأمريكية، وإنما في تراجع هامش حرية الحركة تدريجياً مع استمرار الحرب.
فالجيش الذي يضطر إلى تخصيص جزء متزايد من قدراته لحماية قواته وإعادة بناء بنيته التحتية وتعويض الذخائر المستهلكة، ستكون لديه موارد أقل للمبادرة في ساحة المعركة.
ولهذا، قد لا تكون النقطة الحاسمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة في هذه الحرب مرتبطة بهجوم كبير واحد، وإنما بتراكم هذه التكاليف الصغيرة والمتوسطة.
وإذا استمر الضغط على المخزونات واللوجستيات والمعدات والكوادر البشرية في الوقت نفسه، فستواجه واشنطن معضلة استراتيجية تتمثل في كيفية مواصلة حرب لم يتحقق إنهاؤها سريعاً، بينما ترتفع كلفة الحفاظ عليها يوماً بعد آخر.
وهذه هي الأزمة التي يرسم تقرير «ذي إنترسبت» ملامحها من داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، رغم ما يتضمنه التقرير من معطيات وتقديرات تحتاج إلى التحقق والمراجعة.