۱۰۴مشاهدات
تقریر؛

ترامب وكابوس مضيقي باب المندب وهرمز

تكشف التطورات المتسارعة في مضيقي باب المندب وهرمز عن حدود قدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى نفوذ سياسي مستدام في غرب آسيا.
رمز الخبر: ۷۳۱۶۶
تأريخ النشر: 14 September 2026

ترامپ

عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض متعهداً بإعادة القوة الأمريكية إلى العالم وترسيخ مكانة واشنطن مجدداً في المعادلات الدولية، إلا أن سياساته في غرب آسيا لم تؤدِ إلى تثبيت التفوق الأمريكي، بل أسهمت في بعض المناطق في تعقيد الظروف أمام منافسي واشنطن وزيادة الكلفة على الولايات المتحدة نفسها. وتقدم التطورات في باب المندب وهرمز صورة واضحة عن صعوبة تحويل القوة العسكرية الأمريكية إلى مكاسب سياسية مستدامة.

وأشارت مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية في تحليل لها إلى سيطرة اليمنيين على مضيق باب المندب، ووصفت هذا التطور بأنه مفاجأة مريرة لدونالد ترامب، معتبرة أن «تقدم اليمنيين خبر سيئ لأمريكا وأسوأ بكثير للسعودية». وترى المجلة أن ترامب كان يأمل، عبر ممارسة الضغوط على إيران وتغيير موازين القوى في المنطقة، في انتزاع إمكانية السيطرة على مضيق هرمز من طهران، إلا أن أعداء الولايات المتحدة باتوا، وفق هذا التحليل، يسيطرون على اثنين من أهم الممرات الاستراتيجية في المنطقة، وهما ممران تمر عبرهما نسبة مهمة من التجارة والطاقة العالمية.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على المضيقين نفسيهما، فهرمز وباب المندب ليسا مجرد نقطتين على الخريطة، بل يمثلان جزءاً من شبكة حيوية للممرات البحرية بين الخليج الفارسي والبحر الأحمر والمحيط الهندي والأسواق العالمية. وأي طرف يستطيع التأثير في أمن حركة الملاحة وتكاليف العبور عبر هذين المسارين يمتلك عملياً ورقة جيوسياسية مهمة. ولهذا تحظى التطورات في هاتين المنطقتين بأهمية مباشرة بالنسبة إلى الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل والدول الأوروبية، وحتى الاقتصادات الآسيوية.

وأظهر ترامب خلال السنوات الماضية مراراً ثقة كبيرة بقدرة الردع الأمريكية وباستخدام القوة العسكرية لتغيير سلوك المنافسين. وتبدو منطقية هذا النهج بسيطة: مزيد من الضغط، وتكلفة أكبر على الطرف الآخر، وفي النهاية تراجع الخصم. إلا أن غرب آسيا أظهر مراراً أن المعادلات فيها ليست بهذه البساطة. فالقوى الإقليمية، حتى عندما لا تكون قابلة للمقارنة عسكرياً مع الولايات المتحدة، تستطيع من خلال توظيف الجغرافيا والقدرات غير المتكافئة والشبكات السياسية والاجتماعية، زيادة كلفة وجود القوى الكبرى.

ومن هنا تبدأ المشكلة بالنسبة إلى ترامب تحديداً. فقد تمتلك واشنطن قدرة تدميرية أكبر بكثير، لكن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على فرض السيطرة السياسية. وقد تتمكن الولايات المتحدة من ضرب هدف أو تدمير قاعدة أو ممارسة الضغط على مسار معين لفترة من الوقت، لكن بناء نظام سياسي مستدام يحتاج إلى ما هو أبعد من العمليات العسكرية. وإذا ظل اللاعبون المناهضون للولايات المتحدة قادرين على إعادة بناء قدراتهم بعد كل جولة من المواجهات، فقد تكون النتيجة النهائية، بدلاً من خفض التهديد، زيادة كلفة واشنطن.

وفي حالة اليمن، تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر. فالجغرافيا اليمنية ترتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، ولذلك كلما طال أمد الأزمة السياسية والعسكرية في اليمن، زادت إمكانية تحول هذه الجغرافيا إلى ورقة ضغط إقليمية. ولا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها التعامل مع هذه المسألة من منظور عسكري فقط، إذ حتى إذا امتلكوا القدرة على توجيه ضربات عسكرية، فإن إخراج طرف متجذر من المعادلة السياسية والجغرافية أكثر صعوبة بكثير.

ومن جهة أخرى، يمثل هذا الوضع تحذيراً جدياً للسعودية. فقد سعت الرياض لسنوات إلى إدارة محيطها الإقليمي بالاعتماد على قوتها الاقتصادية وعلاقاتها الإقليمية والدعم الأمريكي. إلا أن استمرار الأزمة اليمنية أظهر أن الفارق بين امتلاك الموارد والقدرة على تحويلها إلى نفوذ سياسي مستدام كبير جداً. وإذا استمر انعدام الأمن في جنوب السعودية وبالقرب من باب المندب، فإن تكاليفه الأمنية والاقتصادية ستنعكس بصورة مباشرة على الرياض.

ومع ذلك، لا ينبغي الاستنتاج من هذه التطورات أن الولايات المتحدة فقدت قوتها في غرب آسيا. فما زالت واشنطن أهم قوة عسكرية أجنبية حاضرة في المنطقة، وتمتلك شبكة من القواعد والأساطيل البحرية والحلفاء والأدوات الاقتصادية. لكن المسألة الأهم تتمثل في اتساع الفجوة بين «قدرة الولايات المتحدة» و«النتيجة التي تستطيع واشنطن تحقيقها من خلال هذه القدرة». وهذه الفجوة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى تحدٍ جدي للسياسة الخارجية الأمريكية.

ويعتقد ترامب أن زيادة الضغوط والتهديد العسكري يمكن أن تغير موازين القوى الإقليمية لمصلحة الولايات المتحدة، إلا أن تجربة غرب آسيا تظهر أن الضغط العسكري، من دون استراتيجية سياسية واضحة، لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الخصم. وفي بعض الأحيان تكون النتيجة عكسية تماماً؛ إذ يكتسب الخصم حافزاً أكبر للمقاومة، ويدخل لاعبون جدد إلى الساحة، وتتحول الجغرافيا إلى أداة قوة بأيديهم.

ومن هذا المنظور، لا تكمن مشكلة ترامب فقط في عدم امتلاك السيطرة على مضيق أو موقع استراتيجي معين، بل في أن سياسته قد تكون بصدد تعزيز المسار نفسه الذي يسعى إلى وقفه. فكلما اعتمدت الولايات المتحدة بصورة أكبر على الأدوات العسكرية، زادت احتمالية توجه خصومها الإقليميين نحو أساليب غير متكافئة، وتشكيل تحالفات جديدة، والاستفادة بصورة أكبر من موقعهم الجغرافي.

وكان ترامب يعتقد أن توجيه عدة ضربات عسكرية في مواجهة ما يعتبره تهديدات إقليمية يمكن أن يغير المعادلة، لكن غرب آسيا أظهر أن الحرب يمكن أن تبدأ من دون أن يكون بالإمكان تحديد نهايتها. وإذا تحول باب المندب وهرمز الآن إلى رمزين لتزايد الكلفة الاستراتيجية على الولايات المتحدة، فإن الرسالة إلى واشنطن واضحة: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة السيطرة على المنطقة. فقد تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، لكن إذا عجزت عن تحويل قوتها العسكرية إلى نظام سياسي مستدام، فإن أي انتصار تكتيكي قد يتحول في نهاية المطاف إلى هزيمة استراتيجية.

رایکم
captcha