۸۶مشاهدات
تقرير؛

حرب إيران؛ كيف خسرت الولايات المتحدة مصداقيتها؟

حرب إيران بالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد مواجهة عسكرية وحساب تكلفة الصواريخ والمقاتلات وحاملات الطائرات والعمليات الجوية. فإلى جانب التكاليف المباشرة للحرب، تواجه واشنطن كلفة أعمق وأكثر صعوبة في التعويض، تتمثل في تآكل مصداقية الولايات المتحدة وتراجع ثقة حلفائها بالتزاماتها الأمنية.
رمز الخبر: ۷۳۰۷۲
تأريخ النشر: 16 August 2026

جنگ ایران يرى فريد زكريا، المحلل والصحفي الأمريكي المعروف، في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بعنوان «حرب إيران.. درس في إهدار مصداقية قوة عظمى»، أن الحرب مع إيران أظهرت كيف يمكن للسلوك الأمريكي غير القابل للتنبؤ أن يقوّض رصيداً بنته الولايات المتحدة على مدى عقود، وهو رصيد لا يقل أهمية عن حاملات الطائرات ومقاتلات إف-35 والقوة الاقتصادية بالنسبة إلى النفوذ العالمي لواشنطن.

ويبدأ زكريا تحليله بتطور قد يبدو للوهلة الأولى إقليمياً بحتاً، وهو التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان وتوقيع اتفاق مكة الدفاعي المشترك. وتكمن أهمية هذا التطور في أن السعودية وتركيا لم تكونا دائماً على علاقات ودية خلال السنوات الماضية، بل اختلفتا في ملفات عدة، من بينها قطر ومصر والإخوان المسلمين ومقتل جمال خاشقجي.

ومع ذلك، اتفقت الدول الثلاث على اعتبار أي هجوم على إحداها هجوماً على الجميع، في ترتيب يشبه من حيث بنيته مبدأ الدفاع الجماعي في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

ومن وجهة نظر زكريا، يبرز هنا سؤال مهم: ما الذي دفع هذه الدول إلى التقارب؟ وإجابته واضحة: تراجع الثقة بالولايات المتحدة وبشخص دونالد ترامب.

المصداقية.. رأس المال الخفي للقوة الأمريكية

يقوم تحليل زكريا على مفهوم أساسي في العلاقات الدولية، وهو أن القوة لا تقتصر على المعدات العسكرية وحجم الاقتصاد وعدد القوات المسلحة. فالدولة القوية يجب أن تكون قادرة على إقناع الآخرين بأن وعودها وتهديداتها جدية ومستقرة وقابلة للتنبؤ.

وعلى مدى ثمانية عقود، بنت الولايات المتحدة هذه المصداقية. فقد كان حلفاؤها يعتقدون أن التزامات واشنطن الأمنية لا تتغير بالكامل بتغير الحكومات، وأن الولايات المتحدة إذا تعهدت بالدفاع عن دولة ما، فمن المرجح أن تلتزم بذلك عند وقوع الأزمة.

وقد أتاحت هذه المصداقية لواشنطن التأثير في سلوك العديد من الدول من دون الحاجة إلى وجود أمريكي مباشر في كل أزمة.

لكن زكريا يرى أن سياسة ترامب عرّضت هذا الرصيد للتآكل. ويشير إلى وعود ترامب المتكررة بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، إذ قال مراراً إن الاتفاق مع طهران بات على بعد أيام، حتى إنه بحلول منتصف يونيو/حزيران سُجلت ما لا يقل عن 38 تصريحات حول قرب التوصل إلى اتفاق أو وجود رغبة إيرانية شديدة فيه.

لكن في نهاية المطاف، نقلت رويترز عن مصدر إيراني قوله إن المفاوضات لم تحقق أي تقدم.

ومن وجهة نظر زكريا، فإن تكرار مثل هذه الوعود يدفع الحكومات الأخرى أيضاً إلى التعامل بحذر أكبر مع تصريحات واشنطن.

حرب إيران وتغيير الحسابات الأمنية

تتضح أهمية الأمر بالنسبة إلى إيران في هذه النقطة تحديداً. فقوة إيران لا تقتصر على قدراتها الصاروخية والمسيّرات والقدرات البحرية أو قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية الأمريكية، بل يكمن جزء أكثر أهمية من القوة في القدرة على تغيير حسابات اللاعبين الآخرين.

فإذا دفعت حرب إيران دول المنطقة إلى استنتاج أنها لا تستطيع الاعتماد على الضمانات الأمريكية وحدها لأمنها، فإن نتيجة استراتيجية مهمة ستنشأ، وهي أن الدول ستبدأ في بناء خيارات مستقلة.

ويمكن النظر إلى الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان من هذه الزاوية. وهذا لا يعني أن هذه الدول قطعت علاقاتها بالولايات المتحدة أو تخلت عن تحالفاتها السابقة، بل يتعلق الأمر بإنشاء مظلة أمنية بديلة؛ أي وجود خيار آخر على الطاولة إذا لم تعد الضمانات الأمريكية كافية في يوم من الأيام.

وهذا تحديداً ما يحذر منه زكريا: فالحلفاء، عندما تتراجع ثقتهم بالولايات المتحدة، لا يصبحون بالضرورة أكثر طاعة، بل أكثر استقلالية.

مؤشرات على الاستقلال عن واشنطن

لا يقتصر زكريا في شرح هذا المسار على الشرق الأوسط، بل يقدم أمثلة من أوروبا ومناطق أخرى من العالم.

فقد اختارت الدنمارك، بدلاً من منظومة «باتريوت» الأمريكية، منظومة الدفاع الجوي الفرنسية الإيطالية «SAMP/T». كما تعيد كندا النظر في شراء مقاتلات «إف-35»، بينما تزيد الدول الأوروبية استثماراتها في صناعاتها الدفاعية.

وأصبحت كوريا الجنوبية أيضاً مورداً مهماً للأسلحة للدول الأوروبية، كما ازداد دورها في تزويد دول الخليج الفارسي بمنظومات الدفاع الجوي.

وحتى في مجال التكنولوجيا، تظهر مؤشرات على تراجع الاعتماد على الولايات المتحدة، من بينها خطوة البنك المركزي الهولندي لنقل خدماته السحابية الحيوية إلى مزود أوروبي.

ولا يعني أي من هذه الإجراءات بمفرده انهيار العلاقات مع الولايات المتحدة، لكن اجتماعها يرسم صورة مختلفة: الدول بدأت تقلل اعتمادها على قوة واحدة.

مضيق هرمز.. الفجوة بين الادعاء والواقع

يشير زكريا أيضاً إلى مضيق هرمز. فقد أعلن ترامب مؤخراً أن الولايات المتحدة تملك «السيطرة الكاملة» على المضيق.

لكن بيانات تتبع السفن تشير إلى انخفاض حاد في عدد السفن التي تعبر هذا الممر، إذ لم تعبره في أحد الأيام سوى 14 سفينة، مقابل أكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية، من وجهة نظر زكريا، لأنها توضح أن الادعاء بالقوة في السياسة الدولية لا يساوي ممارسة القوة فعلياً.

فقد تكون دولة ما أقوى دولة عسكرياً في العالم، لكن إذا لم يعد الآخرون يأخذون تصريحاتها على محمل الجد، فإن جزءاً من قوتها الفعلية يتراجع.

كلفة لا يمكن قياسها بالصواريخ

من هذا المنظور، تتحمل الولايات المتحدة في حرب إيران كلفة مهمة لا يمكن احتسابها بسهولة في جداول وزارة الدفاع أو ميزانية الحرب.

يمكن استبدال صاروخ، وإعادة تصنيع طائرة، بل وحتى إصلاح حاملة طائرات أو استبدالها مع مرور الوقت. لكن ثقة الحلفاء ومصداقية القوة العظمى أكثر صعوبة في إعادة بنائهما.

لقد قامت قوة الولايات المتحدة خلال العقود الثمانية الماضية، إلى حد كبير، على الاعتقاد بأن واشنطن يمكن الاعتماد عليها في لحظة الأزمة.

وإذا تراجع هذا الاعتقاد، فستضطر الولايات المتحدة إلى دفع كلفة أكبر للحفاظ على المستوى نفسه من النفوذ؛ عبر نشر قوات إضافية، وتقديم ضمانات أكبر، وإنفاق موارد أكثر لإقناع حلفائها.

وفي مثل هذه الظروف، حتى إذا لم تتعرض الولايات المتحدة لهزيمة عسكرية في الميدان، فقد تخسر جزءاً من قوتها السياسية والاستراتيجية.

ماذا كسبت إيران؟

من المنظور الإيراني، يمكن تلخيص أهمية هذا المسار في نقطة واحدة: الحرب لا تبقى محصورة في الميدان العسكري عندما تؤدي تداعياتها إلى تغيير الحسابات السياسية للدول الأخرى.

فإذا خلصت دول المنطقة إلى ضرورة الاعتماد، إلى جانب الولايات المتحدة، على التعاون الإقليمي والقدرات المستقلة لضمان أمنها، فإن بنية الأمن في الشرق الأوسط ستبدأ تدريجياً في الابتعاد عن حالة الاعتماد الأحادي الجانب.

ولا يمكن اعتبار الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان نتيجة للحرب مع إيران وحدها، إذ أسهمت عوامل أخرى في تشكيله، لكن الحرب قد تسرّع مسارات كانت قد بدأت بالتشكل في السابق.

وبعبارة أخرى، لا تواجه إيران في هذه الظروف الولايات المتحدة في الميدان العسكري فحسب، بل تدور أيضاً منافسة على شكل النظام الأمني المستقبلي في المنطقة.

كيف يبدأ أفول القوى العظمى؟

في ختام مقاله، يشير زكريا إلى مثال تاريخي مهم هو أزمة الصواريخ الكوبية.

ففي ذلك الوقت، أرسل الرئيس الأمريكي جون إف. كينيدي، دين آتشيسون لشرح اكتشاف الصواريخ النووية السوفياتية في كوبا إلى الرئيس الفرنسي شارل ديغول. وكان آتشيسون يحمل معه صوراً للاستطلاع الجوي لإثبات الادعاء الأمريكي.

لكن ديغول لم يشعر حتى بالحاجة إلى رؤية الصور؛ فقد كانت كلمة الرئيس الأمريكي كافية بالنسبة إليه.

ويقول زكريا إن تصور مشهد مماثل اليوم يكاد يكون مستحيلاً.

ولعل هذه العبارة هي الجزء الأهم في تحليله، لأن أفول قوة عظمى لا يبدأ بالضرورة بهزيمة في معركة أو بسقوط مفاجئ، بل قد يبدأ عندما تقرر الدول الأخرى، بهدوء وتدريج، ألا تصمم مستقبل أمنها ومصالحها اعتماداً فقط على قوة تلك الدولة العظمى ووعودها.

ومن هذا المنظور، قد تتجاوز كلفة حرب إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة التكاليف العسكرية المباشرة. فإذا دفعت الحرب حلفاء واشنطن إلى البحث أكثر عن خيارات مستقلة، فستواجه الولايات المتحدة نوعاً من التآكل التدريجي لمصداقيتها؛ وهي مصداقية بُنيت على مدى عقود، لكن إعادة بنائها قد تكون أصعب بكثير من تصنيع حاملة طائرات أو مقاتلة.

وبعبارة بسيطة، قد يكون أحد أهم تداعيات حرب إيران أن الولايات المتحدة ستظل أقوى قوة عسكرية في العالم، لكنها قد لا تعود، كما كانت في السابق، القوة الوحيدة القادرة على تحديد أمن الآخرين.

رایکم
captcha