۳۸مشاهدات
تقرير؛

لماذا يُشكّل نجاح إيران تهديدًا للولايات المتحدة؟

على مدى العقود الأربعة الماضية، اتسمت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة بالتوتر. عادةً ما تربط الرواية الرسمية لواشنطن هذا التوتر بقضايا مثل البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وقضايا حقوق الإنسان، ولكن إذا تعمّقنا في الموضوع، سنصل إلى جذور أعمق؛ جذور تعود إلى "الخوف من نموذجٍ ما".
رمز الخبر: ۷۲۴۲۵
تأريخ النشر: 15 February 2026

لماذا يُشكّل نجاح إيران تهديدًا للولايات المتحدة؟

 لا تكمن المشكلة الرئيسية بالنسبة للولايات المتحدة في مجرد خلاف حول قضية أو سياسة محددة، بل في القلق على ترسيخ ونجاح نموذج قائم على الاستقلال، ومقاومة الهيمنة، ورفض نظام عالمي جائر.

لم يكن انتصار الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ مجرد تغيير في الحكومة، بل كان إعلانًا عن القطيعة مع نظام التبعية الذي ميّز إيران ما قبل الثورة في فلك القوى الأجنبية. كان الشعار المركزي للثورة هو الاستقلال السياسي والاقتصادي ورفض الاستعباد. أثّر هذا النهج على المعادلات الإقليمية والعالمية منذ البداية، إذ شُكّلت لأول مرة في قلب إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم حكومة لم تكن مُحددة ضمن إطار التكتلات الكبرى، ولم تكن راغبة في قبول قواعد النظام المهيمن المفروضة.

بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة الركيزة الأساسية للنظام الدولي؛ نظامٌ تتوافق هياكله المالية والأمنية والسياسية إلى حد كبير مع إرادة واشنطن ومصالحها. وقد استفادت حكومات عديدة ضمن هذا النظام، بقبولها قواعد اللعبة المُحددة، من مزاياه الاقتصادية والأمنية. إلا أن إيران، بعد الثورة، اختارت مسارًا مختلفًا: مُقاومة الهيمنة، ودعم الدول المُستضعفة، والسعي إلى تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي في مختلف المجالات.

لم يكن هذا الخيار مجرد قرار داخلي، بل كان يحمل رسالة سياسية واضحة للعالم. فإذا استطاعت دولة ما أن تسلك طريق التنمية والبقاء دون الاعتماد على القوى العظمى، وفي الوقت نفسه دون الخضوع للضغوط، فإن هذه التجربة يُمكن أن تُلهم دولًا أخرى. وهذا تحديدًا ما يُفسر قلق أمريكا. لا تقتصر القضية على إيران فحسب؛ فمسألة "القدرة على الانتشار النووي" تجربةٌ قائمة.

على مدى العقود الماضية، استخدمت واشنطن أدواتٍ شتى لاحتواء إيران: عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وضغوط دبلوماسية، وحرب إعلامية، ومحاولات لعزلها سياسياً. لكن وراء كل هذه الإجراءات، يكمن هدف استراتيجي واضح: منع ترسيخ نموذج يُظهر إمكانية الصمود والبقاء دون قبول الهيمنة الأجنبية. إذا نجح هذا النموذج، فستُثار الشكوك حول صحة الرواية السائدة بشأن ضرورة التمسك بالنظام القائم.

يُعدّ البُعد الاقتصادي أحد أهم أبعاد هذه المواجهة. لم تُفرض العقوبات الواسعة النطاق على إيران بهدف الحدّ من مواردها المالية فحسب، بل أيضاً انطلاقاً من فكرة أن الضغط الاقتصادي قد يدفع المجتمع إلى الندم على خياره بالاستقلال. مع ذلك، أظهرت تجربة السنوات الأخيرة أنه على الرغم من الصعوبات الجسيمة، تمكّنت إيران من مواصلة مسيرة البقاء، بل والتقدّم في بعض المجالات. وكان تطوير القدرات الدفاعية، والتقدّم العلمي والتكنولوجي، وتوسيع التعاون مع الدول غير الغربية جزءاً من هذه العملية.

... يبعث هذا الإصرار برسالة بالغة الأهمية إلى الدول الأخرى: الاعتماد المطلق على هياكل القوى العالمية ليس الخيار الوحيد. وكلما تعززت هذه الرسالة، ازداد التحدي الذي يواجه النفوذ الأمريكي. وبهذا المعنى، فإن معارضة واشنطن لإيران ليست مجرد رد فعل على سياسة محددة، بل هي محاولة لمنع تغيير موازين القوى على المستويين الخطابي والنموذجي.

وعلى الصعيد الإقليمي، سعت إيران أيضاً إلى تقديم صورة "المقاومة الفعّالة"؛ مقاومة لا تقتصر على الدفاع العسكري فحسب، بل تشمل أيضاً الدعم السياسي للدول التي ترى نفسها مناهضة للاحتلال أو الهيمنة. ويتعارض هذا النهج تعارضاً مباشراً مع النظام الأمريكي المنشود في المنطقة، وهو نظام قائم على التحالفات مع واشنطن والحفاظ على هيمنة الكيان الصهيوني. وكلما عززت إيران موقعها في المعادلات الإقليمية، ضعفت الرواية الأمريكية عن عزلتها.

ولهذا البعد الثقافي والخطابي أهمية بالغة أيضاً. فمنذ البداية، سعت الثورة الإسلامية إلى ترسيخ مفهوم الاستقلال ليس فقط كسياسة دولة، بل كقيمة اجتماعية أيضاً. أصبح التركيز على الاعتماد على الذات، والاعتماد على القوة الداخلية، وعدم الثقة بالقوى المهيمنة، جزءًا لا يتجزأ من الهوية السياسية للجمهورية الإسلامية. وإذا ما اقترنت هذه الهوية بتقدم اقتصادي وعلمي ملموس، فإنها قد تُشكل مصدر إلهام للمجتمعات التي تعاني من عدم المساواة العالمية.

تُدرك الولايات المتحدة جيدًا أن شرعية نظامها العالمي المنشود لا تستند فقط إلى القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل تعتمد أيضًا على قبول الآخرين له فكريًا ونفسيًا. فإذا ما ضعف هذا القبول، واستنتجت الدول إمكانية العيش والتقدم خارج هذا الإطار، فإن الأسس الهشة للهيمنة الأمريكية ستتضرر. لذا، يُمكن اعتبار احتواء إيران محاولةً للحفاظ على هذه الأسس الفكرية.

لا شك أن طريق الاستقلال مكلف وشاق. فالعقوبات والضغوط السياسية والتهديدات الأمنية حقائق عانى منها المجتمع الإيراني. لكن السؤال الأهم هو: لو كان هدف أمريكا مجرد تغيير سلوكٍ مُحدد، فهل يُبرر هذا القدر من الضغط المُستمر والمتعدد الأوجه؟ إن استمرار هذا الصدام يُظهر أن المسألة أعمق من مجرد قضية أو نزاع مؤقت.

في السنوات الأخيرة، ومع تغير موازين القوى في العالم وظهور قوى جديدة، يشهد الفضاء الدولي تغيراتٍ أيضًا. في ظل هذه الظروف، يُمكن اعتبار نجاح إيران النسبي في الحفاظ على استقلالها واستمرار حياتها السياسية والاقتصادية مؤشراً على إمكانية وجود نظام أكثر تنوعاً، نظام لا تُهيمن فيه قوة واحدة على جميع القواعد. ومن الطبيعي أن ترى الولايات المتحدة في هذا الاحتمال تهديداً لمكانتها.

من هذا المنظور، يُمكن تحليل أي ضغط على إيران في سياق "منع تحوّل تجربة ما إلى نموذج يُحتذى به". فإذا استطاعت إيران أن تُثبت أن مقاومة الهيمنة ليست ممكنة فحسب، بل ومُثمرة على المدى البعيد، فلن تقتصر هذه الرسالة على حدود إيران الجغرافية. ولن تُرحب قوة لطالما اعتبرت نفسها مركز النظام العالمي بمثل هذه الرسالة.

في نهاية المطاف، يُمكن النظر إلى المواجهة بين إيران والولايات المتحدة على أنها مواجهة بين روايتين: الأولى تُؤكد على ضرورة اتباع هياكل القوة المهيمنة وقبول القواعد المفروضة؛ والثانية تُصرّ على الاستقلال والمقاومة وحق الأمم في تقرير مصيرها. وما يُؤجج هذه المواجهة ليس اختلافاً تقنياً أو مؤقتاً، بل هو الصراع بين هاتين الرؤيتين.

ما يُؤجج هذه المواجهة ليس اختلافاً تقنياً أو مؤقتاً، بل هو الصراع بين هاتين الرؤيتين. لذا، يمكن القول إن السبب الرئيسي لعداء أمريكا تجاه إيران يكمن في الخوف من نجاح نموذج الاستقلال؛ نموذجٌ يُظهر، في حال نجاحه، إمكانية التصدي للنظام العالمي الجائر، ورفض الاستعمار الجديد، ورسم مسارٍ خاص بالاعتماد على الإرادة الوطنية. هذا الاحتمال، أكثر من أي شيء آخر، هو ما أقلق واشنطن ودفع المواجهة إلى مستوى يتجاوز الخلافات المعتادة بين الحكومات.

رایکم
آخرالاخبار