
أثار نشر السفن الأمريكية في الخليج الفارسي وتهديدات الرئيس الإيراني للجمهورية الإسلامية موجةً من ردود الفعل المحلية والإقليمية والدولية. ويتضح جلياً في هذا السياق التأكيد الواضح من جانب دول إقليمية كبرى، من بينها السعودية وتركيا ومصر، على ضرورة تجنّب الصراع العسكري، بينما يبقى موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقراره غامضاً ومحاطاً بهالة من التصريحات والادعاءات المتناقضة.
تهديدات متكررة وتحليلات متباينة
كانت إيران من بين المواضيع المتكررة والمحددة التي تناولها الرئيس الأمريكي على مدار العام الماضي على الأقل، وقد بلغ هذا التكرار ذروته في الأيام والأسابيع الأخيرة، لا سيما مع بدء الاحتجاجات الداخلية في إيران ، أدلى ترامب بتصريحات مختلفة ضد طهران من مواقف متباينة. زعم ترامب في تجمع انتخابي بولاية أيوا أن "أسطولاً آخر رائعاً يتحرك بشكل رائع نحو إيران، لذا سنرى. آمل أن يتوصلوا إلى اتفاق، وكان ينبغي عليهم التوصل إلى اتفاق في أول فرصة سنحت لهم".
كما تبنى موقفاً مماثلاً على شبكة "تروث"، وبعد تكراره مسألة تحرك الأسطول نحو منطقة غرب آسيا، أعرب عن أمله في أن "تجلس إيران سريعاً إلى طاولة المفاوضات" وتتفاوض على صفقة عادلة ومنصفة خالية من الأسلحة النووية؛ صفقة تصب في مصلحة جميع الأطراف. كما زعم ترامب أن "الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير" وأنه لا ينبغي السماح بتكرار ذلك.
مع تصاعد هذه التهديدات، زعم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جلسة استماع بالكونغرس أن برنامج الصواريخ الإيراني يهدد القوات الأمريكية في المنطقة. وقال إنه يأمل ألا تصل الولايات المتحدة إلى حد العمل العسكري مع إيران، مضيفاً: "هناك ما بين 30 ألفاً و40 ألف جندي أمريكي في الشرق الأوسط يقعون ضمن مدى الصواريخ أو الطائرات المسيرة الإيرانية". وتقوم بعض وسائل الإعلام الغربية بتحليل هذا التواجد. يزعم البعض أن وجود السفن الحربية الأمريكية في المنطقة يقتصر على إجراء مناورات مشتركة مع الدول المجاورة، بينما يعتقد آخرون أن ترامب يسعى لفرض حصار بحري على إيران، ويرى فريق ثالث أن المنطقة ستشهد قريباً صراعاً واسع النطاق. ويعتقد البعض أن هدف الولايات المتحدة من هذه الحملة هو إحداث تغيير عسكري سياسي في إيران، بينما يرى آخرون أن هدف واشنطن الوحيد هو تغيير ميزان الطاقة لصالحها ضد الصين. ويرى البعض أن وجود الولايات المتحدة في المنطقة يهدف إلى ضمان أمن الكيان الصهيوني، بينما يؤكد آخرون أنه مع تزايد الضغوط والتوترات الداخلية في الولايات المتحدة، يسعى رئيس هذا البلد، كما فعل أسلافه، إلى فتح ملف حرب جديد في منطقة خارج حدود الولايات المتحدة وتحويل التركيز من الداخل إلى الخارج.
ومع ذلك، من الواضح أن الولايات المتحدة تجلس على طاولة المفاوضات، لا سيما بعد أن جهزت أحد أكبر أساطيلها العسكرية لمواجهة إيران؛ ولا يمكن وصف الأمر بأنه "مفاوضات"، كما وصفه وزير الخارجية الإيراني. ورغم كل هذا، وفي خضم هذه التحليلات المختلفة والمتناقضة، فإن مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمسكون بمبادئ ثابتة وواضحة سبق الإعلان عنها.
ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي، أعلنت بعثة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الأمم المتحدة: في المرة الأخيرة التي دخلت فيها الولايات المتحدة، عن طريق الخطأ، حربي أفغانستان والعراق، أهدرت أكثر من 7 تريليونات دولار، وفقد أكثر من 7000 أمريكي أرواحهم. إيران مستعدة للحوار على أساس الاحترام والمصالح المشتركة، ولكنها سترد ردًا غير مسبوق إذا ما تعرضت للضغوط.
إيران مستعدة للحوار على أساس الاحترام والمصالح المشتركة، ولكنها سترد ردًا غير مسبوق إذا ما تعرضت للضغوط. رد وزير الخارجية الإيراني، السيد عباس عراقجي، على مزاعم الرئيس الأمريكي وتهديداته بتغريدة، كتب فيها أن قواتنا المسلحة الباسلة على أهبة الاستعداد للرد السريع والحاسم على أي عدوان على أراضي بلدنا الحبيب ومجاله الجوي ومياهه الإقليمية. وفي الوقت نفسه، لطالما رحبت إيران باتفاق نووي عادل ومنصف ومتبادل المنفعة؛ اتفاق قائم على تكافؤ الفرص وخالٍ من أي إكراه أو تهديد أو ترهيب. اتفاق يضمن حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية ويكفل عدم امتلاكها أسلحة نووية. لا مكان لمثل هذه الأسلحة في حساباتنا الأمنية، ولم نسعَ قط لامتلاكها. وفي صباح الأربعاء 28 فبراير/شباط، قال وزير الخارجية إن التهديدات والدبلوماسية كانتا متلازمتين دائمًا على الساحة الدولية. لطالما نوقشت المناقشات العسكرية والدبلوماسية وسُعي إليها، ولكل منهما مساره الخاص. وموقفنا ثابت: الدبلوماسية القائمة على التهديدات العسكرية لا يمكن أن تكون مثمرة أو مجدية. إذا أرادوا إجراء مفاوضات، فعليهم قطعاً التخلي عن التهديدات والمبالغات وإثارة قضايا غير منطقية.
المنطقة والدعوة إلى الدبلوماسية
أصبح احتمال نشوب صراع عسكري بين إيران والولايات المتحدة أحد أهم شواغل دول المنطقة، من إمارات الخليج الفارسي إلى مصر وتركيا، ويتجلى ذلك بوضوح في عدد الاتصالات التي جرت خلال الـ 48 ساعة الماضية بين مسؤولين من هذه الدول ومسؤولين من الجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة، ومسؤولين أمريكيين وأوروبيين، وحتى صينيين وروس من جهة أخرى.
ناقش الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان آخر التطورات في المنطقة خلال اتصال هاتفي مساء الثلاثاء، في حين اعتبرت وسائل الإعلام الغربية إعلان الرياض عدم مشاركتها في أي هجوم على طهران أحد أهم أسباب فرض دونالد ترامب قيوداً على مهاجمة إيران. أكد بن سلمان في هذه المكالمة الهاتفية أن بلاده لا تعتبر أي عدوان أو تهديد أو خلق توتر ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أمراً مقبولاً، وأعلن استعداد المملكة العربية السعودية لأي تعاون مع إيران ودول أخرى في المنطقة من أجل إرساء سلام وأمن دائمين.
أجرى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، محادثات مع وزير الخارجية الإيراني محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وعباس عراقجي، بالإضافة إلى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتاكر. وفي المكالمة الأخيرة، شدد عبد العاطي على ضرورة تكثيف الجهود لخفض التوترات والسعي إلى السلام لمنع المنطقة من الانزلاق إلى دوامات جديدة من عدم الاستقرار. كما أكد على أهمية تهيئة بيئة مواتية لإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية والتوصل إلى اتفاق سياسي دائم يدعم الأمن والاستقرار الإقليميين. كما شدد عبد العاطي على أهمية الالتزام بالقنوات الدبلوماسية وتهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي يراعي مصالح جميع الأطراف ويسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
إن جهود العراق وتركيا ومصر لإعادة مسار التطورات إلى مسارها العقلاني جديرة بالثناء والدراسة. وفي الأيام الأخيرة، سعى وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، من خلال اتصالاته المتعددة مع مسؤولين من دول مختلفة، إلى إقناع الولايات المتحدة بالانخراط في مفاوضات جادة عبر تقديم مقترحات محددة.
وتبادل وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سيد عباس عراقجي، ووزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، وجهات النظر في مكالمة هاتفية مساء الأربعاء 28 فبراير/شباط. وناقش الوزيران خلال هذه المكالمة آخر التطورات الإقليمية، واستعرضا المشاورات الإقليمية الأخيرة الرامية إلى خفض التوترات، مؤكدين على ضرورة إيجاد حلول دبلوماسية ومواصلة المشاورات السياسية اللازمة بين الأطراف الإقليمية المؤثرة.
وفي مقابلة مع قناة الجزيرة، قال هاكان فيدان إن طهران مستعدة للتفاوض مجدداً، ونصح واشنطن بحل قضاياها مع إيران تدريجياً. وأضاف: "إن مهاجمة إيران خطأ، وإشعال حرب جديدة خطأ". إيران مستعدة للتفاوض مجدداً بشأن الملف النووي، وأنصح الأمريكيين دائماً بحلّ خلافاتهم مع إيران خطوةً بخطوة. ابدأ بقضية واحدة واختتمها، ثم انتقل إلى القضية التالية، وهكذا.
مع تصاعد التحركات الدبلوماسية من جانب أنقرة، أشارت صحيفة حرييت التركية في عنوانها الرئيسي اليوم، في إشارة إلى المكالمة الهاتفية الأخيرة بين الرئيسين الروسي والتركي، إلى أن الرئيس الأمريكي وافق على عقد اجتماع ثلاثي في أنقرة يضم ممثلين عن إيران والولايات المتحدة وتركيا.
وتناولت صحيفة حرييت، تحت عنوان "لنلتقي"، المكالمة الهاتفية بين أردوغان وترامب، ونقلت اقتراح الرئيس التركي بعقد اجتماع بحضور خبراء عسكريين وأمنيين من الأطراف الثلاثة في أنقرة. وقد أعلن أردوغان استعداده لاستضافة دونالد ترامب ومسعود بزشكيان، ووفقاً لتقرير حرييت، سيتوجه وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي إلى أنقرة في الأيام المقبلة.