۶۱۸مشاهدات
رمز الخبر: ۵۶۲۰۹
تأريخ النشر: 26 August 2021

حسن حجازي

 يرتبط الكيان الصهيوني ارتباطا عضويا بالجانب الأمريكي وهناك بعض المعلقين والخبراء أشاروا الى أنّ " قوة أمريكا ستكون قوة لإسرائيل وضعفها هو ضعف لإسرائيل"، كما أشاروا الى أنه كل ما كان الحضور الأمريكي في المنطقة قويا كل ما كان هناك نوع من الدعم والاسناد المباشر لكيان الاحتلال. لذلك رُصد في الآونة الأخيرة تمسّك الإسرائيلي بالحضور الأمريكي في العراق وفي سوريا وفي الخليج، وكذلك أفغانستان. على اعتبار ان الحضور في العراق وأفغانستان أساس العمل الأمريكي في المنطقة لوضع إيران بين فكّي كمّاشة ومحاصرتها والتضييق عليها والاعداد ربّما في المستقبل لخطّة عمل عسكرية وغيرها، لم يتوقف الإسرائيلي عن التأكيد على هذه المسألة.
يبدو الكيان الصهيوني معني بشكل كبير واساسي بهذا الحضور الأمريكي الذي له أبعاد استراتيجية وعسكرية ومعنوية، وينعكس أيضا بنظر الاحتلال على خصومه، لأنّ أمريكا الحاضرة في المنطقة تمثّل عامل ردع وتحذير لأي طرف يمكن أن يفكّر بفتح جبهة واسعة مع كيان الاحتلال.
بعض القراءات تتساءل هل إذا شهدنا معركة كبرى على مستوى المنطقة، ستكون الولايات المتحدة شريكة فيها الى جانب تل ابيب؟ هذا إضافة الى المساعي الإسرائيلية دائما لتوريط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مع إيران والتخلص من قدراتها وتحميل الولايات المتحدة الامريكية المسؤولية عن أي خسائر قد تحصل في هذا الإطار.
في ظل هذه النظرة، شاهدنا ذروة هذه المؤشرات والعلاقة بعد حرب الخليج الأولى، عندما احتلت القوات الامريكية العراق وأفغانستان. كان هذا الحدث، مؤشرا على أنّ هذه المنطقة تحظى بأولوية قصوى عند الأمريكي. لذلك، لم تكن الخلفية أمن إسرائيل بشكل مباشر، انما مواجهة القاعدة ومواجهة المنظمات الإرهابية وغيرها، لكن شعر الاحتلال بكثير من الاطمئنان في ظل هذا الحضور. في مقابل ذلك، وبعد أن أدرك الامريكيون أنّ الحرب في أفغانستان والعراق مكلفة وليست ذات جدوى كبيرة، وأنّهم استطاعوا التخلص من القاعدة سواء في أفغانستان أو داعش في العراق، رغم أنهم كانوا شركاء في صناعة هذه الجماعات، لم يكن هناك مبررات أمام الجمهور الأمريكي لهذا البقاء الطويل الأمد والمكلف. إضافة الى ذلك ظهرت بعض القضايا المتعلقة بالاستراتيجية الأمريكية فيما يخص الصين وروسيا وإيران. هذه المسألة بدأت مع عهد أوباما وقرأها الإسرائيلي بشكل سلبي جدّا، حيث بدأت عملية الانكفاء والخروج الأمريكي الأول من العراق في 2011، وكان هذا الخروج مؤشرا سلبيا جدا وأكّد الإسرائيلي اعتراضه على ذلك، حيث كان يقول للأمريكيين " خروجكم من العراق سيولّد فراغا استراتيجيا ستستفيد منه إيران".
ربّما العمل على إيجاد داعش وغيرها كان لأجل ملئ هذا الفراغ الاستراتيجي بالفوضى واستنزاف كل القوى في المنطقة، والمقصود هنا إيران، والعراق وسوريا وغيرها. لكن هذه المرحلة انتهت بما انّه تبيّن أنّ للأمريكيين أولويات أخرى.
منذ أن بدأ الامريكيون بالحديث عن الخروج من شرق سوريا والانسحاب مجددا من العراق في عهد ترامب، ارتفع الصوت الإسرائيلي بشكل واضح، أنّ هذه المسألة تؤشر على تخليّ الولايات المتحدة عن حلفائها سواء في إسرائيل او دول الخليج، إضافة الى المؤشرات التي قرأها الإسرائيلي من خلال العودة الى الاتفاق النووي مع إيران في 2015.
كلها مؤشرات تدلّ على أنّ الولايات المتحدة ستخرج من هذه المنطقة وبالتالي كلّ المكتسبات العسكرية والاستراتيجية والمعنوية ستتلاشى وسيبقى الاحتلال معزولا ومحاصرا في هذه المنطقة. حتى الأنظمة التي ذهبت الى التطبيع وكان لديها الجرأة للذهاب لإعلان علاقات مع إسرائيل، إذا تغيّرت موازين القوى، وخرج الأمريكي، قد تعيد حساباتها وتتراجع عن خياراتها.
أتى الخروج من أفغانستان ليؤكد على مسألة الانكفاء من المنطقة، لتبقى إسرائيل منفردة ووحيدة على الرغم من الحضور والاستعداد الأمريكي لمدّ إسرائيل بالسلاح وغيره، لكن المؤشر يوحي على أنّ هذه المنطقة لم تعد ضمن الأولويات الأساسية وأنّ الأمريكيين انسحبوا من دون أن يؤمنوا مظلّة استراتيجية أو بديل استراتيجي يمكن للكيان الصهيوني الاعتماد عليه. هذا الامر يترافق مع مسألة واضحة جدا وهي التصدي للمخاطر، فالانكفاء الأمريكي يقابله فشل سياسة العقوبات ضد إيران وفشل سياسة الضغوط القصوى، كذلك سقوط مشروع داعش في العراق، وقوة حركات المقاومة وارتباطها بالجمهورية الإسلامية في إيران، واستعدادها لخوض المواجهة مع كيان الاحتلال في أي حرب إقليمية كبرى. أمّا على مستوى سوريا، فبعد ان استعادت الدولة السورية سيطرتها على اغلب الأراضي السورية، سقطت المؤامرة على سوريا لتصبح -حتى وهي في ظلّ الحرب- حلقة أساسية من حلقات محور المقاومة.
حاول الاحتلال الإسرائيلي ضرب إيران في سوريا ففشل في سياساته، كما عمل على منع سوريا من أن تكون معبر للمقاومة، لكن بقيت سوريا في موقعها، حيث تعزّزت امكانياتها العسكرية في مجال الدفاع الجوّي. هذه التطورات وبالقراءة الإسرائيلية، أدّت الى تعزيز إمكانيات المقاومة في لبنان، في ظلّ معادلة ردع تتطور يوما بعد يوم، كما انعكست أيضا على الساحة اليمنية والفلسطينية.
يحمل الخروج من أفغانستان وبهذه الطريقة مؤشرا على أنّ الولايات المتحدة الامريكية تريد الخروج من دون تأمين من سيبقى خلفها، فالأولوية الامريكية تقول، هناك مصلحة أمريكية للخروج، يعني يجب أن تخرج من دون أن تضع في الاعتبار الحلفاء. هذا الموقف الأمريكي، يذكّرنا بأحداث الخروج الأمريكي من فيتنام في عام 1975، وتحرير الجنوب اللبناني في سنة 2000 وكيف تُرك العملاء حينها لمصيرهم المحتوم. اٍنّ المقارنة بين الذين تعاونوا مع الاحتلال من الأفغان وما حصل في سايغون في 1975، أو ما حصل في جنوب لبنان فيعام 2000، يؤكد على أنّ الأمريكيين سيتخلّون عن حلفاءهم إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك. هذا الامر من أسوأ الكوابيس بالنسبة للإسرائيليين لأنه يخفي-وان كان لديه قناعة بأن الأمريكي لن يتخلى عنه- مؤشرا سلبيا قوامه أن المصالح الامريكية تقتضي الانسحاب من أي منطقة او التقليل من الحضور فيها وفقا للمصلحة الخاصة الامريكية وفوق كل اعتبار للحلفاء.
التقط الإسرائيلي هذا المؤشر السلبي من داخل السياسة الامريكية في عهد إدارة بايدن، في ظل خروج أصوات تطالب بالتخلي عن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، وبضرورة خفض الدعم للكيان، كما تطالب بالنظر بشكل متوازن للصراعات في المنطقة وللقضية الفلسطينية، وعدم الانجرار في سياسة المواجهة مع إيران. كل هذه العوامل تتراكم يوما بعد يوم، ليأتي الخروج الأمريكي ويعزّز هذه المخاوف. يشعر كيان الاحتلال بقلق وانزعاج وبحالة عدم ثقة واطمئنان للموقف الأمريكي، وهي كلها مؤشرات تؤكّد على أنّ الجانب الأمريكي هو جانب غير موثوق.
تطرح دائما مقارنة بين حلفاء إيران وحلفاء أمريكا، فإيران تتمسك بحلفائها في كل الظروف وتقف الى جانبهم حتى في أقصى الظروف التي تمرّ بها إيران، بينما تتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها الذين تتعامل معهم كأدوات وعندما تقتضي الحاجة تتخلى عنهم. هذه الصورة تسيطر على عقول الخبراء ومراكز الأبحاث والساسة والقادة الصهاينة وتؤكد على أن العنصر الأساسي الذي كان يعتمد عليه الاحتلال هو الوقوف الى جانب حلفاء أقوياء في العالم يستطيعون دعمه والدفاع عنه. لكن يبدو أن هذه القاعدة مربكة الان.
ليس لدى الاحتلال قوة عظمى أخرى يمكنه الاعتماد عليها او قادرة على ان تكون عمقا استراتيجيا له. فمشكلة الإسرائيليين انهم يعتمدون عناصر محددة في تعزيز قوتهم، وهي مستوى المنطقة، والتفوّق العسكري والتحالف مع الدول العظمى. في التفوق العسكري -وبحسب الخبراء الإسرائيليين- يواجه الاحتلال مشكلة كبيرة على مستوى التفوق على محور المقاومة الذي بات يتطور ويحقق تفوقا يوما بعد يوم ويصنع بدائل قادرة على ضرب التفوق الإسرائيلي في نقاط معينة. في المقابل، يشهد المستند او نقطة الارتكاز او الاعتماد الاستراتيجي في وجود حليف الى جانب كيان الاحتلال تتراجعا كبيرا جدا. لقد قرأ الإسرائيلي هذه المسالة بأبعادها في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.
في ظلّ هذا المشهد، يرى الصهاينة أنّ المؤشرات الاستراتيجية الصادرة عن الخروج الأمريكي من أفغانستان هي مؤشرات سلبية جدا وهي لا تصبّ في المصلحة الإسرائيلية ولا في مصلحة حلفاء الولايات المتحدة الامريكية على مستوى المنطقة. وهي مؤشرات تتزامن مع مؤشرات سلبية أخرى متعلقة بتغيّر المزاج العام الأمريكي حول الدور في الحروب في الخارج، وحول موازين القوى على مستوى المنطقة. من هذا المنطلق، ظهرت حملة الاستنكار والقلق والخوف والتشكيك بالولايات المتحدة ومصداقيتها، ومدى وقوفها الى جانب حلفائها.
يرى الإسرائيلي أنّ الخروج الأمريكي من أفغانستان هو مذلّ ومهين بالشكل، ويعكس صورة سلبية جدا عن مدى تمسّك الولايات المتحدة بدعم حلفائها والوقوف الى جانبهم.
 
 
 

رایکم
آخرالاخبار