۳۲۰مشاهدات
رمز الخبر: ۴۹۳۳۳
تأريخ النشر: 12 March 2021

هذه قراءة في وثائق حوارات الفصائل الفلسطينية، وكيف أسهمت هذه الحوارات في خدمة القضية الوطنية، انتظاراً لما سوف تسفر عنه جلسة الحوارات التالية في هذا الشهر. ورغم أن بعض هذه الحوارات اقتصرت أساساً على فريقي حماس وفتح، إلاّ أن الفصائل لعبت ـ وما زالت تلعب ـ أدواراً بارزة في حوارات الفريقين الرئيسيين، وإن اختلفت درجة مساهمتها من مرحلة إلى أخرى، وحسب ظروف كل فصيل.

في الفتره الواقعة ما بين إعلان القاهرة في مارس 2005، إلى وثيقة البيان الختامي الصادرة في القاهرة بتاريخ 8 و9/2/2021، عقدت عشرة اجتماعات على الأقل، وصدرت عنها بيانات واتفاقيات وتفاهمات. ولا بدّ من تسجيل أهم ما ورد في اتفاقيات هذه الاجتماعات، وما هي مساهماتها في تطوير القضية الوطنية وحمايتها.

من الواضح أن هناك بعض البنود الثابتة في غالبية هذه الاجتماعات، وأولها بند تشكيل حكومة وحدة وطنية، وفي محضر اجتماع مكة عام 2007، أرفق بالمحضر ملحق تضمن تفصيلات عديدة وشاملة على تقاسم المناصب والوزارات بين الفصائل المشاركة. ومن البنود الثابتة الأخرى التوافق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، واستكمال عضوية المجلس الوطني، على أن تجري هذه الانتخابات على نحو «متزامن» ولكن في المحضر الأخير أصرت حركة فتح على أن تجري الانتخابات «بالتتابع» وكان لها ما أرادت، ولا يخفى على المراقب «الحكمة» من هذا الانقلاب في الترتيب. ومن البنود الأخرى تفعيل دور منظمة التحرير، بتشكيل مجلس وطني جديد «بالانتخاب حيثما أمكن، ووفقاً لمبدأ التمثيل النسبي وبالتوافق» والعمل على تشكيل لجنة لإعداد قانون انتخابات، علماً أن المجلس الوطني الأول، كان قد أصدر قانون انتخابات عام 1965 يتكون من 73 مادة، وما زال قائماً بدون استخدام. وبشكل عام احتلت مسألة الانتخابات للمجلس التشريعي والرئاسي حيزاً كبيراً في بنود الاتفاقيات، بما في ذلك تشكيل لجنة الانتخابات المركزية وتوزيع العضوية فيها، وتشكيل محكمة الانتخابات وتوزيع المناصب بين الفرقاء. تجدر الإشارة إلى أنه ورد في اتفاق القاهرة 26/2/2009، بند مهم، لم يتكرر في أي اجتماعات لاحقة، حيث نص تحت بند «الأمن» على أن: «اي معلومات أو تخابر، أو إعطاء معلومات للعدو تمس الوطن والمواطن الفلسطيني والمقاومة، يعتبر خيانة عظمى يعاقب عليها القانون.»ولا شكّ بأن هذا نص كان من شأنه أن يقصم ظهر التنسيق الأمني، الذي يصبح ارتكابه جريمة «خيانه عظمى» وتأيّد هذا النص في الاتفاق بنص آخر مؤداه، أن على الأجهزة الأمنية «احترام حق الشعب الفلسطيني في المقاومه والدفاع عن الوطن والمواطن» كما ورد نص آخر يفيد بـ»مكافحة الأعمال التجسسية داخل أراضي السلطة». وجميع هذه النصوص تضع مسألة التعاون مع أجهزة الاحتلال والتنسيق الأمني في دائرة الاتهام، بل الإدانة، لكن يبدو أنها كانت طلقة في الفراغ، ذلك أنها لم تتكرر، وكأنها أُدخلت على الاتفاق خلسة، أو أنها، كما تسمى، «زلّة لسان فرويدية».

من اللافت في الاتفاقيات كافة، أولاً: أن منسوب اللغو عالٍ ويدلل على ذلك تكرار المطالب ذاتها، بدون إحراز أي تقدم. وها قد مضى على الدوران في الحلقة المفرغة أكثر من خمسة عشر عاماً، وكأن تلك الاتفاقيات لم تشكل التزامات قانونية، وحملت توقيعات لمسؤولين رفيعي المستوى. ثانياً: الاهتمام بتقاسم الكعكة (على فرض أن هناك كعكة) بدون الخوض في قضايا مصيرية، ذلك أننا لم نقرأ – مثلاً- عن تشكيل لجنة مشتركة من الفصائل، أو بعضها لمقاومة الاستيطان، ولم نقرأ عن تشكيل لجنة للتصدي لصفقة القرن، أو كيفية التعامل مع قانون القومية، أو لماذا هرولت بعض الدول العربية إلى التطبيع، أو من أين استمدّ الرئيس أبو مازن صلاحية التنازل عن عودة خمسة ملايين لاجئ ، أو عن وصف الأراضي المحتلة بأنها أراضٍ «متنازع عليها» أو كيف قرر أن يعود للتنسيق الأمني بعد أن أعلن عن قطع العلاقات مع كل اتفاقيات أوسلو. وجميع هذه المسائل هي من الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف. ثالثاً: لا فصيل طرح السؤال أو أثار التساؤل عن جدوى المفاوضات واستمرارها لهذا الوقت الطويل، أو مناقشة طرق تطوير المفاوضات، بدون إحراز أي تقدم. أخيراً: في جميع هذه الاتفاقيات لم ترد كلمة احتلال أو إسرائيل أو مقاومة إلاّ مرتين، أو استيطان أو مستوطنين إلاّ على شكل «مرور الكرام» وربما لرفع العتب.

من المثير للدهشة أن الفصائل، وهي التي أمضت في النضال عقوداً طويلة، لم تطرح تحليلاً يناقش سبب الانقسام الذي أدى إلى هذا الشرخ العميق؛ إذ أنه طيلة الفترة الماضية، كان هناك فصيل أو أكثر يشذّ عن الإجماع، (ومعركة طرابلس تستعاد للتذكير) ولم يحدث شيء، ولم تختلّ حركة المقاومة. إنما الخلل في الحالة الماثلة وصل إلى العمود الفقري للمشروع الوطني، وأصابه بالشلل. هل كان هذا بسبب اتفاق أوسلو، الذي تحوّلت فيه المقاومة الفلسطينية، التي ملأت أسماع وعيون العالم، إلى مقاول من الباطن للاحتلال؟ وبفضل أوسلو لا يستطيع الرئيس الفلسطيني أن يصل إلى مكتبه إلاّ بإذن من ضابط إسرائيلي (كما اعترف بذلك أكثر من مرّة) وأن كل عظمة الحكومة الفلسطينية، التي تتنازعون على تقسيم المناصب فيها، لا تستطيع أن تحفر بئر ماء لسقاية قرية فلسطينية، ولا تستطيع الحكومة العتيدة أن تفعل شيئاً في مياهنا التي هي ملكنا، ويحتاجها شعبنا، إلاّ بدفع ثمنها للاحتلال. فعن أي حكومة، وعن أي سلطة تتحدثون، وتملأون الدنيا ضجيجاً. إنكم أيها الساده لستم «سادة» بل قبلتم الانخراط في اتفاق استعبادكم وشعبكم. إنكم غارقون في أوسلو. وربما لم يخطر على بالكم التمعن في قرار الحكومة الفلسطينية الصادر في جلستها رقم 165 تاريخ 15/8/2017، الذي تنتقد فيه الحكومة الإسرائيلية لإحيائها «الإدارة المدنية» واعتبرت الحكومه الفلسطينية أن إحياءها يتعارض مع اتفاق أوسلو، إذ قال البيان الرسمي للحكومة، إن اسرائيل مستمرّة وبشكل منهجي على «تقويض عمل السلطة الوطنية.. لاسيما الخطة التي تمّ إعدادها مؤخراً لمضاعفة «العاملين المدنيين في الإدارة المدنية» لسلطة الاحتلال، التي كان من المفترض حلّها منذ سنوات حسب الاتفاقيات الموقعة» وأشار البيان ذاته إلى أن «الإدارة المدنية ما هي الاّ الذراع الرئيسي للاحتلال الإسرائيلي». وهذا يعني أن الإدارة المدنية هي السلف الذي جاءت الحكومة الفلسطينية على خطاه وصلاحياته. وبغض النظر عن المسميات الفخمة التي يطلقها رؤساء الحكومات المبجلين على حكوماتهم، إلاّ أنها في القانون وفي الاتفاق النافذ المفعول مع إسرائيل هي «إدارة مدنية» ليس إلاّ. والتقاسم الذي تكرسونه عنواناً مهماً في محاضر اجتماعاتكم ليس إلاّ التقاسم على صلاحيات «الإدارة المدنية» التي هي صناعة إسرائيلية، والمصدر القانوني لإنشائها ولصلاحياتها هو الحاكم العسكري الإسرائيلي الذي ظلّ ـ حسب اتفاقيات أوسلو- هو صاحب السياده المطلق، ولا يستطيع أي عنصر من عناصر الفصائل أن يخرج أو يدخل إلى أراضي السلطة الفلسطينية إلاّ بتصريح من الحاكم العسكري.

إنكم بالاتفاق على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، توافقون على الانقلاب على منظمة التحرير الفلسطينية، وتقويض الأساس الذي أقيمت عليه المنظمة وعلى تقزيم دوركم إلى موظفي الإدارة المدنية، وتلك كانت الآلية التي ابتكرتها اتفاقيات أوسلو. في واقع الأمر، إن سلطة أوسلو، تهدف إلى سحب رصيد منظمة التحرير، وهذا لا يحتاج إلى دليل، فأنتم أهل الدار وأدرى بشعابها.

وأخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أمر في غاية الخطورة، وأنتم وافقتم عليه؛ ذلك أنه حسب القرار الرئاسي الأخير بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، فإن الانتخابات الرئاسية سوف تجري على انتخاب «رئيس دولة فلسطين» وليس «رئيس السلطة» هذا يعني أن يتم انتخاب «رئيس دولة فلسطين» بنصف الشعب الفلسطيني، أو أقل من النصف، بينما النصف الآخر غير ممثل وغير حاضر في الانتخابات، وهكذا فان الرئيس المنتخب «ينتحل» صفة تمثيل الشعب الفلسطيني وينطق باسمه، بل بإمكانه التفاوض على مستقبله وأملاكه ومصالحه، بدون أن يكون له حق التصويت عليه. هذا ينطوي على جرم «اغتصاب للسلطة» على نحو واضح، بل ومرفوض، ولكنكم موافقون على هذا الاغتصاب!

إن الطريق المستقيم لانتخاب «رئيس دوله فلسطين» وانتخاب حكومة تتمتع بالمصداقية وبالشرعية، هو في إجراء انتخاب مجلس وطني فلسطيني يتم انتخابه ديمقراطياً من كل الشعب الفلسطيني، وهو القادر على إفراز لجنة تنفيذية، أو حكومة، وهو الذي يمنح الشرعية والاسم الشرعي للرئيس وللحكومة، وفي ما عدا ذلك، تكون الرئاسة والمجلس التشريعي هي من مخلفات أوسلو، فهما ليسا إلاّ أدوات الإدارة المدنية، بينما المجلس الوطني الفلسطيني هو مجلس مجموع الشعب الفلسطيني، وهو سيد نفسه، وهو يعلو ولا يعلى عليه.
حقوقي وكاتب فلسطيني

رایکم
آخرالاخبار