۵۳۴مشاهدات
فالآن، يرى العديد من صانعي السياسة الأمريكيين أن التنسيق مع الصين بشأن الاستجابة لكوفيد-19 هي عملية إيذاء ذاتي في محصلته صفر للمنافسة على القيادة العالمية. فهذه الجهود، برأيهم، تضفي الشرعية على قيادة صينية لا تستحقها.
رمز الخبر: ۴۵۴۷۱
تأريخ النشر: 12 May 2020

فرضت بعض أحداث القرن الماضي الحاجة إلى قيادة عالمية وإقليمية، وفي الوقت الراهن أظهر انتشار “كوفيد-19” مناعة ضد جميع الحواجز الوطنية والثقافية والأيديولوجية والفردية، إذ إنه هاجم الأغنياء والفقراء والأقوياء والضعفاء، على حد سواء، وشعر كل شخص على وجه الأرض بالضعف أمام هذا الفيروس.

وبحسب تقرير نشره معهد بروكنجز- ومقره واشنطن- فإنه في مثل هذه الظروف تقليديا، تتصدر الولايات المتحدة لقيادة الأزمة، وذلك باستخدام قوتها الفريدة في التنظيم وقوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي لا مثيل لها لتعبئة الموارد وتحفيز الجهود الدولية في اتجاه مشترك. وكان هذا هو الحال بعد كارثة تسونامي في جنوب شرق آسيا، والأزمة المالية العالمية في 2008، وتفشي فيروس إيبولا في شرق أفريقيا. واعتبرت الولايات المتحدة بشكل عام أنها لعبة محصلة إيجابية للتغلب على هذه التحديات العالمية مع الصين.

لكن لم يعد الأمر كذلك. فالآن، يرى العديد من صانعي السياسة الأمريكيين أن التنسيق مع الصين بشأن الاستجابة لكوفيد-19 هي عملية إيذاء ذاتي في محصلته صفر للمنافسة على القيادة العالمية. فهذه الجهود، برأيهم، تضفي الشرعية على قيادة صينية لا تستحقها.

لكن أقوى دولتين في العالم غارقتين الآن في حرب سردية حول أسباب الوباء وتقسيم اللوم على الدمار العالمي الذي تسببه. ومن المرجح أن تؤدي هذه الحجج إلى نتائج سلبية بالنسبة للولايات المتحدة والصين. وكلما انتشر الوباء ودمر الاقتصادات، كلما عانى البلدان أكثر.

ويعتقد كبار المسؤولين الأمريكيين أن لديهم واجبًا أخلاقيًا لتسليط الضوء على العلاقة بين إهمال الصين للاستجابة الأولية في ووهان وانتشار الفيروس على مستوى العالم. وكلما كان انتشار كوفيد-19 عالميًا أكثر، أطلق العنان لإدانة أقوى لهؤلاء المسؤولين بأنَّه يجب تحدي نظام الحكم الاستبدادي الصيني.

على الأغلب تحركت مثل تلك القناعات وأصبحت ضرورات سياسية محلية. ستجري الولايات المتحدة انتخاباتها الرئاسية في نوفمبر المقبل. والرئيس الأمريكي الآن محروم من الاقتصاد القوي، ويواجه ارتفاع معدلات البطالة ولم يعد في وضع يسمح له بالتعهد “باستنزاف المستنقع” في واشنطن بعد أربع سنوات من شغل منصبه، لذلك فهو يوجه الآن كل طاقته لتركيز غضب أمريكا على “الفيروس الصيني”.

وأصبحت هذه الجهود مرئية بالفعل في حالة فشل وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في الإصرار على الإشارة إلى فيروس كوفيد-19 باسم “فيروس ووهان” في بيان رسمي وفي توجيه للدبلوماسيين الأمريكيين بالضغط على الحكومات الأخرى لانتقاد رد بكين على تفشي الفيروس. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإنَّ الاستراتيجية الدبلوماسية الأمريكية في آسيا خلال العام المقبل قد تستهلكها الجهود الرامية إلى إلقاء اللوم على بكين والرئيس شي جين بينغ والحزب الشيوعي الصيني على نطاق أوسع.

وستكون هناك أيضاً جهود متواصلة لدفع المبادرات مثل شبكة Blue Dot التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، وهو نهج جديد متعدد أصحاب المصلحة لرفع جودة وشفافية واستدامة مشاريع البنية التحتية. وستكون هناك دفعة لجهود الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند لتعزيز التجمع الرباعي وتعزيز الموقف العسكري الأمريكي في آسيا. ومن المحتمل أن يواصل كبار المسؤولين الأمريكيين مثل وزير الخارجية بومبيو ووزير الدفاع مارك إسبر من رحلاتهم إلى المنطقة. لكن هذه المبادرات قد تتفوق على تركيز إدارة ترامب على مساءلة القيادة الصينية عن ردها الأولي على تفشي الفيروس.

مثل هذا التركيز سيضع الولايات المتحدة بعيداً عن كل دولة في المنطقة تقريباً. وعلى الرغم من أن العديد من الشركاء سيكونون متعاطفين بشكل خاص مع انتقادات لسلوك الصين، فإنَّ قلة منهم سيحسبون أن ذلك في مصلحتهم الوطنية للانضمام إلى حرب “السرد العام”. وخاصة بعد انتعاش الاقتصاد الصيني قبل الولايات المتحدة وأوروبا، ومن هنا سيصبح النفوذ الاقتصادي للصين أكبر من أن تتجاهله الدول المجاورة.

وسيُؤدي ذلك إلى تصاعد التوترات في جميع أنحاء المنطقة، حيث إن القضايا الطرفية على ما يبدو مثل تسمية الوباء، والقرارات المتعلقة بمشاريع الحزام والطريق، والمعايير التقنية لبناء 5G أو التصويت للمرشحين لرئاسة وكالات الأمم المتحدة المتخصصة ستصبح وكلاء لقياس الدعم لواشنطن أو بكين. وعلى الرغم من أن كبار الدبلوماسيين الأمريكيين والصينيين من المرجح أن يستمروا في التذمر حول عدم إجبار دول أخرى على الاختيار فيما بينها، إلا أن المساحة المتاحة للدول لتظل محايدة ستتقلص مع كل قرار منفصل.

ولا يزال من غير المؤكد أن واشنطن ستستمر إلى ما لا نهاية في تصعيد تنافسها مع بكين. وقد تعطي الإدارات الأمريكية في المستقبل الأولوية لوضع استراتيجية آسيوية للتعامل مع الصين، بدلاً من التركيز على المواجهة الثنائية مع بكين. لكن ليس من المؤكد أن الصين ستحافظ على مثل هذا الموقف الخارجي العنيف إلى أجل غير مسمى. غير أنه في الوقت الحاضر من المرجح أن تسوء الأمور قبل أن تتحسن.

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
* captcha: