
شبکة تابناک الاخبارية: بغضون عدة أيام، انتشرت منشورات شخصية افتراضية تدعى (د.أبو البراء) في الفيسبوك كما لم تنتشر أي شخصية أو موجة قبله، والغريب بالأمر، أنّ هذه الشخصية الافتراضية، روّج لها وأحبّها آلاف المشتركين، حتى ممّن لا يحبّذون الكوميديا في الفيسبوك.
ويكتب د.أبو البراء في شرح صفحته " عضو في هيئة الأمر بالمعروف، سيف مسلول على رقاب الزنادقة والعلمانيين والليبراليين والمجوس والشيعة"، ويضيف من أجل توضيح اللبس "صفحة ساخرة"، إلاّ أنّ أسلوبه في السخرية، ولشدة إتقانه، لا يمنع من وصول مئات الشتائم أثناء التعليقات، ظنّا بأنه شخصية حقيقة.
وصورة د.أبو البراء، هي لشخص يرتدي كوفية وعقالاً، أما صورة غلاف الصفحة، في ذات الشخص، مع خلفية صحراوية يظهر فيها جملان.
ويمتد قاموس مفردات "أبو البراء"، إلى التراث، مستخدماً أشهر ما يستخدمه الدعاة، وليس غريباً أن تجد عبارات مثل "أجهشتُ بالبكاء، تالله، التعزير، الشيوخ الأفاضل، الثقاة"، وما إلى ذلك من مفردات يستخدمها دعاة الحجاز وعناصر (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في السعودية.
ليس د.أبو البراء وحده، بل هناك ما يُمكن أن نسميه "منظومة" متكاملة من الشخصيات، وكأنّ هذه الصفحات تشكّل حكاية يوميّة على فيسبوك، هناك "مؤمن"، و د.أبو قتادة، والأغرب "أبو كوماها الياباني"، الذي يقول عن نفسه "تركت الحياة في بلاد اليابان الجاهلية واتيت لأعيش معكم في بلاد المسلمين"، والغريب بالأمر أنّ أبا كوماها عرف "الطريق القويم" من خلال "أبو البراء"، الذي قام بهدايته، ليكتب فيما بعد:
""يجب على الرجل أن يمنع زوجته من الشرب بالكأس لأنه ذكر و هذا لا يجوز فهو كالزنى تماماً، لذا أخي في الله أنصحك أن تمسك رأسها و تدفعها بقوة كي تشرب من "الحنفية" مباشرةً فهي أنثى مثلها و هنا لا مجال لحدوث الفاحشة، الذي سيقول العلاقة بينها و بين الحنفية " سحاق" سأقوم بحظره
من كتابي /أنا أتقبل النقد و الرأي الآخر/".
ويجري الأمر بالطريقة التالية، ينشر "مؤمن" صورة طريفة مع تعليق عنها، فيشاركها د.أبو البراء في صفحته، ليتحدث عنها بطريقته الخاصة، ثمّ ليشترك د.أبو قتادة برأيه، وهكذا..
لنعد الآن الى كبيرهم الذي علّمهم الكوميديا، د.أبو البراء، تحمل منشوراته أكثر من وجه للتفسير، فمسؤول هذه الصفحة يعرف ما يريد، لكنّ المُراد لا يتم فهمه إلاّ بمعرفة ما وراء السطور، خذوا هذا المنشور أنموذجاً :
"حدثني أحد رجال المطافي أنه رأى عورة امرأة وهي تحترق! فسألته: أترضاها لأختك؟ فقال: نعم إن كان سينقذ حياتها .. فزجرته بشدة حتى أجهش بالبكاء"، أو "لا يوجد شيء في الدين يسمى إعجاب أو حب من أول نظرة فهي غزو فكري غربي .. النكاح مصطلح واضح وصريح .. عقد نكاح قبل كل شيء!".
الكاتب والشاعر محمّد غازي الأخرس، كان رأيه مختلفاً بعض الشيء، فقد قال مُناقشاً فكرة خلق شخصية مثل (د.أبو البراء) "أظن أنّ حرب السخرية ما هي إلا تسفيه للمختلف والمخالف وهي لا تختلف في شيء عن صراع الجماعات التهكمي، إذ اعتاد العربي إطلاق النكات عن الكردي والشيعي على السني وابن المدينة على ابن الريف". ويوضح الأخرس "وظيفة هذه السخريات ثقافية محض ولكنها تصاغ بطريقة مرحة، والطريف أن أبناء الجماعات يمارسونها بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية ويطربون لها ربما لأنها غير مؤذية جسديا أو لأنها تمثل فتحة تنفيس لا غنى عنها لتسريب مواقفنا من المخالف".
ويشير الأخرس إلى أنه شخصيا يستمتع كثيراً بهذه المعارك الافتراضية "وغالبا أتابع بعض الصفحات في الفيس والتويتر خصوصا ما يكتبه ابو البراء الذي يبدو، في جوهره، ساخرا من الدين كله وليس مجرد (حشاش) كما يصفه متابعوه".
أرسلتُ له رسالة، سألته إنْ كان بإمكانه الحديث معي، فردَّ "قل ما عندك وسأحاول مساعدتك يارعاك الله وإن لم تفعل أقمت عليك الحد أمام الملأ"، وحين سألته عن عمره قال لي د.أبو البراء "تالله إن مسألة العمر لا تمثل مادةً دَسِمةً للقُراء ثم ويحُك كيف تجادل رجل الدين في عمره! انتهِ عن ذلك فوراً ولاتجعلني أفقد رباطة جأشي وأقوم بإقتحام منزلك مع الشيوخ الأفاضل ونذيقك حر الحديد".
مع هذا، أكملتُ حديثي معه، فاكتشفتُ أنّه شاب عراقيّ بعمر الـ 22 عاماً، يدرسُ في كليّة الإدارة والاقتصاد (تحفّظ عن ذكر المدينة)، ويعمل في مجال الحاسوب، أما سبب إنشائه هذه الصفحة، فهو على حد تعبيره "نقد ساخر، للمتشددين والمتطرفين في كل المذاهب والاديان"، ويضيف "لو كنت تتابع الصفحة ستجد أني أدعو لنبذ الطائفية وللتعايش، فالإنسانية تجمعنا ولكن ذلك كله برسائل غير مباشرة، قليل من يعي ذلك، وأعاني حرباً بالإبلاغات من جميع الفئات، ومن يطلع على التعليقات سينذهل من كمية الجهل والتعصب التي تملأ النفوس".
قبل أن أكمل حديثي معه، شكرته وقلتُ له "أرجو ألاّ تجهش بالبكاء"، فردّ بطريقة عذبة وقال "لا إشكال في ذلك، ولن أجهش بالبكاء لكن أتمنى أن لاتخبر أحداً بعدم إجهاشي فيقولون تهاون الشيخ وإتجه لملذات الدنيا".
الصحفي علاء كولي، أشار أثناء حديثه عن ظاهرة (أبو البراء) بقوله :"اعتقد ان السخرية او الكوميديا في انتقاد الدين او السياسة في البلدان العربية هي بمثابة طريق اخر نحو اكتشاف ماوصلت اليه تلك الخطابات المشنجة وماهي نتيجتها وكيف عصفت بالقيم الانسانية الحقيقية. بعد ان تخلت عن كل رسالاتها نحو الانسان".
ويضيف كولي، الذي يحب أن يتمازح دائماً مع أصدقائه في الفيسبوك "في مثل اوضاعنا خلال هذه الفترة، السخرية ليست حل بقدر ماتكون وجعاً مما يحدث. لكنها قد تكون طريق نحو نبذ كل الاشياء غير المنطقية التي تحدث، العالم العربي اليوم مليء بالاحداث والشخصيات الغربية السلوك والتصرف والفعل، والادهى من ذلك هناك المئات بل الالاف ممن يعتقدون بصحة ماتطرحه تلك الشخصيات مما يخلق لديها ايمان فعلي بما تقوله وتؤمن به، بالتالي النقد بطريقة ساخرة قد يحفز على ظهور واكتشاف مواقف خطيرة بنفس الوقت بل يظهر مدى ماوصلت اليه تلك الخطابات التي تنتج كراهية لا اكثر".
في النهاية، حين تنظرُ لهذه الحرب الفكرية / الكوميدية، بين التوجه الإنسانيّ، وتوجه يسعى لتقعيد جهاد المناكحة وشرب بول البعير وما
إلى ذلك، تبتسم، وفي كل الأحوال، حربٌ قوامها اللايك والتعليق، أفضل كثيراً من المفخخات.