۲۰۸مشاهدات
ترجلت من سيارة زميلي المصور، من مسافة بعيدة لكيلا نثير الشكوك، وظللت أمشي حتى وصلت إلى الموقع المنشود، بينما المصور يتابعني من بعيد ويرصد الأحداث عبر عدسته.
رمز الخبر: ۷۹۵۱
تأريخ النشر: 13 May 2012
شبکة تابناک الأخبارية: عندما تسعى لكشف حقيقة ما، يكون من الأفضل أن تتقمص شخصية غير شخصيتك لوقت معين، حتى تعرف الحقائق كاملة وعلى ألسنة أصحابها وترى بنفسك ماذا يدور في ذلك الوسط. ويأتي هذا التحقيق حول ''الاقتصاد الخفي'' ليكون ضمن سلسلة حلقات تنشرها ''الاقتصادية''، لكشف خبايا هذا العالم، الذي ينهش في اقتصاد السعودية وناتجها المحلي، الذي قدرته إحدى الدراسات بنحو 340 مليار ريال سنويا. ولم أجد فكرة لكي أغوص في خبايا هذا العالم سوى أن أتقمص شخصية عامل أجنبي والذهاب إلى أحد المواقع التي يتمركزون فيها لعلي أستطيع معرفة بعض الأسرار، وكان هدفي معرفة كيف يستطيع هؤلاء المخالفون لنظام الإقامة تحويل المبالغ إلى بلدانهم من دون أن تمر عبر القنوات الرسمية، التي تمنعهم من ذلك وتسمح لمن يحمل إقامة نظامية بالتحويل.

البداية شراء الملابس

تم وضع الخطط والمقترحات لتنفيذ هذا العمل مع زميلي المصور، وقد اتفقنا على أن يتم التصوير صباحا وهو وقت ذروة وجود العمالة المخالفة لنظام الإقامة، والذين ينتظرون الزبائن في أحد المواقع المشهورة في مكة المكرمة في حي المعابدة.

اشتريت الملابس، واعتمرت العمامة، في محاولة مني لإجادة رسم هيئة شخص يبحث عن عمل، ليسهل علي التقرب منهم، وعدم إثارة شكوكهم، خصوصا أنهم يجلسون في ذلك الموقع وأعينهم ترصد كل من يمر بجوارهم، نتيجة تكثيف الجهات الأمنية ومداهمتها لهذا الموقع بين الحين والآخر.

البحث عن عامل يحمل الجنسية العربية

ترجلت من سيارة زميلي المصور، من مسافة بعيدة لكيلا نثير الشكوك، وظللت أمشي حتى وصلت إلى الموقع المنشود، بينما المصور يتابعني من بعيد ويرصد الأحداث عبر عدسته.

واجهت كثيرا من الجنسيات، وكنت أبحث من بينها عن عامل عربي مفضلا الجنسية اليمنية، ووجدت أحدهم جالسا وحده ينتظر بطول صبر عمن يريد أن يعمل لديه. اقتربت منه، وتحدثت إليه بلهجته اليمنية، وأوضحت له أنني جديد وهارب من كفيلي، وأفهمته أنني أحاول البحث عن عمل ومأوى، ومعرفة كيفية تحويل المبالغ إلى بلادنا، كوني جديدا ولا أعرف كيف أوصلها إلى أسرتي هناك.

كادوا يكشفون مهمتي

فكرة التحقيق كادت تفشل في مهدها، وذلك لأن العامل الذي كنت أتحدث معه كشف أمري وبسهولة، على الرغم من اندماجي في الشخصية الجديدة، ومحاولتي الحثيثة أن تكون لهجتي قريبة جدا من لهجته، ولكن نتيجة بعض الأخطاء في اللهجة افتضح أمري، وهم العامل بالمغادرة بعد أن شك في أنني قد أكون عنصرا من عناصر إدارة الجوازات، وأريد أن أوقعه ورفاقه الذين كانوا يشاركوننا الجلوس في ذلك الموقع، ولكنني وبجهد كبير هدأت من روعه، وبدأت معه مفاوضات طويلة أقنعته في النهاية وبلغة المال أن ما أقوم به ما هو إلا عمل لبحث دراسي في الجامعة، وأن الأمر ليس به ما يخيف كوني لن أبلغ عنه، حيث إنني لا أستطيع الإبلاغ عنه، وهو وسط عشرات الآلاف من المخالفين، وفي النهاية اقتنع وأفصح عن مكنوناته المعلوماتية، التي كشفت لي مدى احترافية هؤلاء المخالفين لنظام الإقامة في التحايل على النظام واستطاعتهم تنفيذ مخططاتهم حتى تحت أعين الجهات الأمنية أو الرقابية.

التحويل عبر شخص

نظامي بعمولة

يقول العامل اليمني ''عبدو'' إنهم يقومون بعملية تحويل الأموال إلى أسرهم في بلادهم عن طريق أشخاص معينين من أبناء جلدتهم، يقومون بالذهاب إليهم، وإعطائهم المبالغ المطلوبة، على أن تتم إضافة عمولة تقدر بمائة ريال مقابل كل ألف ريال، حيث يتم إعطاؤه المبلغ، ويقوم هذا الشخص بالاتصال على شخص آخر في بلاده وإعطائه الأوامر بتوصيل المبلغ إلى أسرة هذا العامل.

سألته ألا تخشون أن يغدر بكم بحيث لا يصل المال إلى أسركم، وبالتالي تخسر شقى عمرك، أجاب عبدو ''صدقني لا يستطيع، وكيف له أن يغامر في أن يسرق مبلغا زهيدا من المال، ويخسر عمله وسمعته بيننا نحن أبناء جلدته، ونحن عادة لا نحول مبالغ كبيرة، وإنما مبالغ صغيرة لا تتجاوز غالبا 5 آلاف ريال في التحويل الواحد، وفيما لو كان المبلغ كبيرا، يتم التنسيق فيما بيننا مسبقا بحيث يذهب أحد من أسرتي إلى الشخص الذي يتلقى الأوامر من هذا المحول ويتم الاتصال به وعندما يأخذ المبلغ واتأكد من ذلك عن طريق قريبي أقوم بتسليم المبلغ له فورا''.

التجربة خير برهان

طلبت من عبدو أن نذهب إلى هذا الشخص ونقوم بتصويره من بعيد أثناء عملية التحويل، لكن عبدو فاجأني بأننا سنقوم بهذا الدور واقعا، حيث طلب مني مبلغ 200 ريال ليضيفها إلى مبلغ آخر لديه ويقوم بتحويلها إلى أسرته. وافقت على هذا الطلب، وذهبنا إلى الشخص الذي لم يكن سوى عامل في أحد البقالات في مكة، وشدد عبدو على ألا أتفوه بأي كلمة وأن أشاهد عملية التحويل وأنا صامت، لكي لا يفتضح أمرنا.

بدأ اللقاء بالترحيب من قبل عامل البقالة والذي تربطه معرفة قوية بصاحبنا عبدو، الذي طلب منه تحويل مبلغ 500 ريال إلى أسرته، وقام بدفعها له إضافة إلى عمولة 50 ريال للتحويل، وكل تلك الأحداث وعدسة زميلي المصور أحمد حشاد ترصدها لحظة بلحظة.

عبدو يطلب نسخه من البحث

بعد أن أنهينا عملنا، وقبل أن نودع صديقنا عبدو الذي كان متعاونا معنا يشكل كبير، حيث لم نكن نتردد أنا وزميلي المصور في إيجاد من يسهل علينا الوصول إلى مرحلة نجاح هذا التحقيق، وطلب عبدو أن نعده بتزويده بنسخه من هذا البحث. وعدته أن أزوده بالعمل وأنني سأتصل به بعد أن زودني برقم هاتفه، ولكن السؤال هنا هل سيأتي عبدو بعد أن يعرف أن هذا العمل هو تحقيق صحفي وليس بحثا جامعيا كما أفهمناه؟.

لا بد من دراسة الظاهرة

من جهته علق الدكتور عبد العزيز أبو راس، المحامي والخبير القانوني، أن وجود هذه الظاهرة وتناميها في السعودية، يسبب الكثير من المستنزفات في اقتصادها، مشيرا إلى أنه من الصعوبة محاسبة من يقومون بتلك الأعمال الخفية من قبل الأجانب المخالفين لنظام الإقامة، نظرا لأنها تدار في الخفاء ومن الصعوبة أن تضبطها، وبالتالي لا تستطيع أن تفرض عقوبات عليها.

وقال أبو رأس '' المطالبة بتشديد العقوبات، أمر غير مستحب وغير مجد، لأنها لا تقضي على الظاهرة، ومن المعروف أن هناك الكثير من الظواهر السلبية في بلادنا، كالاتجار وتهريب المخدرات والتي تصل عقوبتها الى القتل، وعلى الرغم من كل هذا، إلا أن ظاهرتها موجودة، ولا أستبعد أن يكون هناك تنام فيها، وبالتالي لا بد من الذهاب إلى حلول أخرى، وهي تحليل الظاهرة من قبل مختصين وخبراء في الجوانب التي تدار فيها، ومعرفة الأسباب، ومن ثم القضاء على تلك الأسباب بالتالي سيكون هناك قضاء على تلك الظاهرة، أو على أقل تقدير يكون هناك انحسار كبير للظاهرة السلبية''.
رایکم