۳۸مشاهدات
تقریر؛

إسرائيل؛ شرارة واحدة قد تدفعها نحو الانهيار من الداخل

ما قد يشكل اليوم تهديدًا أكثر خطورة على مستقبل إسرائيل من أي هجوم عسكري، هو اتساع الشروخ الداخلية التي تتعمق داخل هذا الكيان، في ظل استمرار الحروب والضغوط الاقتصادية والخلافات السياسية وتصاعد حالة الاستياء الاجتماعي.
رمز الخبر: ۷۳۲۴۵
تأريخ النشر: 07 October 2026

نتانیاهو

حسب تقرير سري منسوب إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حذر خبراء من احتمال اندلاع حرب أهلية أو حدوث انهيار سياسي في الأراضي المحتلة. ويتناول التقرير، الذي يحمل عنوان «الاختراق من الداخل»، مجموعة من الضغوط التي قد يؤدي تزامنها إلى إدخال الوضع السياسي والاجتماعي في إسرائيل في أزمة خطيرة، بدءًا من ارتفاع النفقات العسكرية والضغوط الاقتصادية، وصولًا إلى التداعيات النفسية على الجنود العائدين من الحرب، والخلافات حول الخدمة العسكرية لليهود الحريديم، ومحاولات بنيامين نتنياهو الحفاظ على موقعه السياسي.

ارتفاع تكاليف المعيشة يحوّل الحرب إلى أزمة داخلية

يشير التقرير إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتزايد تكاليف المعيشة التي يتحملها المجتمع الإسرائيلي نتيجة السياسات الحربية. فالمسألة لا تقتصر على ارتفاع أسعار السلع، بل تأتي في وقت تُوجّه فيه نسبة كبيرة من الموارد المالية للعمليات العسكرية والنفقات الأمنية.

وفي مثل هذه الظروف، لا تعود الحرب مجرد قضية مرتبطة بساحة المعركة، بل تدخل مباشرة في الحياة اليومية للمواطنين، وتدفع المجتمع إلى طرح أسئلة بشأن جدوى استمرارها، والجهة المسؤولة عن ارتفاع تكاليفها، وما إذا كانت السياسات الحالية توفر فعلًا مزيدًا من الأمن.

الخدمة العسكرية للحريديم تكشف انقسامًا اجتماعيًا قديمًا

تتداخل هذه التساؤلات مع انقسام أقدم داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن مستوى مشاركة الفئات المختلفة في المشروع العسكري والأمني.

ويُعد الخلاف حول الخدمة العسكرية لليهود الحريديم أحد أبرز مظاهر هذا الانقسام. ففي الظروف العادية قد يُنظر إلى القضية باعتبارها خلافًا سياسيًا أو قانونيًا، لكن في ظل حرب طويلة وإرسال أعداد كبيرة من الجنود إلى جبهات القتال بصورة متكررة، فإن الشعور بعدم المساواة في تحمل أعباء الحرب يمكن أن يتحول إلى عامل إضافي لتفاقم الانقسامات الاجتماعية.

تداعيات نفسية واجتماعية للحرب

من جهة أخرى، يمكن لعودة الجنود من فترات طويلة من القتال أن تترك تداعيات نفسية واجتماعية واسعة. فالضغوط النفسية والإرهاق والإصابات النفسية وصعوبة العودة إلى الحياة الطبيعية لا تنتهي بالضرورة بانتهاء العمليات العسكرية.

وكلما طال أمد الحرب واتسع نطاقها، ازداد عدد الأشخاص الذين يعودون إلى المجتمع حاملين مثل هذه التجارب، ما يعني أن جزءًا من تكلفة الحرب قد يظهر في وقت لا تكون فيه ساحة المعركة في صدارة الاهتمام الإعلامي.

أزمة سياسية تتداخل مع الحسابات الانتخابية

في موازاة ذلك، لا تزال الأزمة السياسية قائمة، في ظل الجدل حول أداء نتنياهو ومحاولاته الحفاظ على موقعه السياسي، وهو ما يمثل أحد محاور الخلاف الداخلي.

وتكمن المشكلة في أنه عندما يرتبط المستقبل السياسي لزعيم ما باستمرار أزمة أمنية، فإن الحدود بين القرار الأمني والمصلحة السياسية قد تصبح أكثر غموضًا أمام الرأي العام. وفي هذه الحالة، يمكن لأي قرار عسكري جديد أن يحمل، إلى جانب تداعياته الأمنية، تفسيرًا سياسيًا أيضًا.

وتزداد أهمية هذه المسألة مع اقتراب الانتخابات، إذ يمكن للمنافسة الانتخابية أن تكشف بصورة أكبر عن الانقسامات القائمة، ولا سيما في مجتمع يواجه في الوقت نفسه ضغوطًا اقتصادية وخسائر بشرية وإرهاقًا عسكريًا وخلافات اجتماعية.

هل تحتاج الأزمة إلى شرارة واحدة؟

الأزمات الاجتماعية الكبرى لا تبدأ بالضرورة من خلاف واحد كبير، بل قد تكون نتيجة تراكم مجموعة من الخلافات الصغيرة التي تنتظر حادثة واحدة لتحويلها إلى أزمة واسعة.

ومن هنا تبرز أهمية التحذير من احتمال اندلاع «شرارة» تشعل وضعًا متوترًا أصلًا، خصوصًا إذا تزامنت الضغوط الاقتصادية والإرهاق الناتج عن الحرب والانقسامات الاجتماعية والأزمة السياسية.

تراجع الدعم الخارجي يضيف ضغطًا جديدًا

إلى جانب العوامل الداخلية، تبرز مسألة ما يوصف بتزايد عزلة إسرائيل على الساحة الدولية. فقد اعتمدت إسرائيل خلال العقود الماضية، إلى جانب قوتها العسكرية، على الدعم السياسي والاقتصادي الأمريكي وعلاقاتها الواسعة مع الدول الغربية.

ومن ثم، فإن أي مؤشرات على تراجع هذا الدعم قد تتجاوز آثارها حدود الخلاف الدبلوماسي، لتترك تداعيات سياسية ونفسية داخل المجتمع الإسرائيلي. فالشعور بفقدان جزء من الدعم الخارجي قد يثير تساؤلات بشأن قدرة القيادة السياسية على إدارة المرحلة المقبلة.

الانهيار ليس حتميًا

ومع ذلك، لا ينبغي تفسير الحديث عن احتمال الانهيار السياسي أو اندلاع حرب أهلية على أنه توقع بوقوعه بصورة حتمية. فما زالت إسرائيل تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية وسياسية قوية، وقدرة كبيرة على إدارة الأزمات.

لكن القضية الأساسية تكمن في أن الضغوط التي كانت تظهر بصورة منفصلة خلال السنوات الماضية بدأت تتزامن في الوقت نفسه. وهذا التزامن هو الذي قد يحول نقاط الضعف المحتملة إلى أزمة فعلية.

فقد لا تكمن نقطة الضعف الأساسية عند الحدود، وإنما داخل المجتمع نفسه. إذ تستطيع أي دولة مواجهة هجوم صاروخي أو عملية عسكرية أو ضغط خارجي باستخدام أدواتها الأمنية، لكن مواجهة تراجع الثقة العامة وتآكل رأس المال الاجتماعي والانقسامات بين المجموعات المختلفة والاستياء من الأداء السياسي تبدو أكثر تعقيدًا.

وتكمن أهمية التقرير المنسوب إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تحديدًا في أن النقاش لا يدور فقط حول إخفاق عملية عسكرية أو فشل في جبهة محددة، بل حول قدرة بنية سياسية على تحمل ضغوط متراكمة.

وإذا تزامن تصاعد الضغوط الاقتصادية والإرهاق الناجم عن الحرب والانقسامات الاجتماعية والأزمة السياسية وتراجع الدعم الخارجي، فقد يتحول حادث محدود إلى نقطة بداية لأزمة أكبر.

لقد سعت إسرائيل طوال سنوات إلى تقديم صورة عن القوة والتماسك والأمن الدائم، لكن إذا بدأت هذه الصورة بالتآكل داخل المجتمع نفسه، فإنها ستواجه مشكلة لا يمكن حلها بالقوة العسكرية وحدها.

ولهذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحجم القدرات العسكرية التي تمتلكها إسرائيل في ساحة الحرب، بل بمدى قدرة المجتمع الإسرائيلي على تحمل استمرار هذا الوضع. وإذا وصلت هذه القدرة على التحمل إلى حدودها القصوى، فقد تكون شرارة واحدة كافية لإشعال أزمة يصعب على البنية السياسية الإسرائيلية احتواؤها.

رایکم
captcha