
الروائح الكريهة والنفاذة، ولا بالضرر الذي يمكن أن تسبّبه على صحة الناس في غزة، وهذا ناتج من عدم تمكّن أحد من الحصول على عيّنة منها بسبب إلقائها أثناء فترة الليل، وفي مناطق قريبة من الخط الأصفر، وهو ما يجعل من عملية الوصول إلى أماكن سقوط بعضها عملية بالغة الخطورة، وغير مأمونة العواقب.
غير بعيد عن مشكلة الروائح الكريهة، وإمكانية ارتباطها بانتشار أمراض الجهاز التنفّسي من عدمه، لوحظ في الشهرين الأخيرين أيضاً انتشار واسع لأمراض المعدة والجهاز الهضمي بين المئات من سكّان القطاع، لا سيّما أولئك القاطنين في مراكز الإيواء، إذ بات هؤلاء يعانون من حالات مغص وقيء شديدة، بالإضافة إلى تكوّن الغازات في الأمعاء بنسبة تفوق النسب المعتادة، وفي بعض الحالات عانى المواطنون من حالات إغماء وضيق نفس شديد، تطلّب نقل العديد منهم إلى المشافي والمراكز الصحيّة.
حسب الفحوصات المخبرية التي أُجريت لهؤلاء المرضى، تبيّن أن سبب هذه المشكلات هو ما يُعرف بـ "جرثومة المعدة "، والتي ينشط جزء منها داخل المعدة، فيما ينشط الجزء الآخر داخل جدار المعدة، وهو ما يسبّب مشكلات لا حصر لها لا سيّما عند الأطفال وحديثي الولادة وكبار السن، والذين يحتاجون رعاية خاصة نظراً إلى انخفاض مستوى المناعة لديهم قياساً بجيل الشباب.
بالرجوع إلى بعض المصادر الصحيّة في غزة، فإن السبب الرئيسي لازدياد هذا النوع من الأمراض هو ماء الحرب، والذي يتحصّل عليه المواطنون في قطاع غزة من عدّة مصادر، منها الآبار الجوفية والارتوازية، ومحطّات التحلية، بالإضافة إلى المياه القادمة عبر ما يُعرف بخط "مكوروت "، وجميع هذه المصادر كما تشير الكثير من الفحوصات المخبرية لا تُعد مياه صالحة للشرب، لا سيّما أن طريقة الحصول عليها، والحاويات التي تُنقل فيها تفتقر إلى الكثير من أسس السلامة، ولا تلبّي الحد الأدني من شروط الأمان التي يجب توفرها.
بعض المصادر الفلسطينية تضع تلوّث المياه بمصادرها كافة في قطاع غزة تحت خانة "فعل فاعل"، إلا أن الفاعل في هذه الحالة غير مجهول، إذ تشير التجارب السابقة بأصابع الاتهام إلى العدو الإسرائيلي،الذي دأب خلال فترة الحرب على استهداف كل مصادر المياه النظيفة والصالحة للشرب، إذ دمّر عن وجه قصد أكثر من 90 % من آبار المياه، وقام بردمها بعد تفجير المولدات التي تغذيها بالكهرباء اللازمة لتشغيلها، كما دمّر قصفاً وتفجيراً معظم محطّات تحلية المياه خصوصاً في مدينة غزة وشمالها، بالإضافة إلى تحكّمه بمصادر إمداد مياه "مكوروت" الإسرائيلية، والتي تمنحه القدرة المطلقة على التحكّم بكمية المياه التي تصل إلى قطاع غزة، وبمستوى جودتها ونظافتها وصلاحيّتها للاستخدام من قبل سكّان القطاع.
في ما يخص موضوع تلوّث المياه أيضاً، والمشكلات الصحيّة الناتجة عنه، يمكن ملاحظة غياب شبه تام لبعض أنواع الأدوية التي تسهم في الشفاء منها، لا سيّما تلك الأدوية اللازمة لمكافحة "جرثومة المعدة"، والتي لا يمكن العثور عليها في المراكز الطبية، أو في الصيدليات الخاصة إلا بصعوبة بالغة، وهذا يثير الكثير من علامات الاستفهام حول قيام الاحتلال بمنع دخول هذا النوع من الدواء تحديداً وفي هذه الفترة بالذات.
على كل حال، يبدو أن مشكلات قطاع غزة تزداد كمّاً ونوعاً بفعل ممارسات الاحتلال، ورغبته في مواصلة جرائم الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين وإن بطرق جديدة تجنّبه المساءلة القانونية والجنائية، وتعفيه من تحمّل المسؤولية عما يلحق بأهالي القطاع من أزمات ونكبات.
كل ذلك يجعل من مهمة إجراء تحقيق دولي محايد في كل الجرائم الإسرائيلية التي ارتكبت في غزة أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً مع إصرار حكومة الاحتلال على مواصلة حصارها للقطاع المنكوب والمدمّر، ومنع كل لجان التحقيق الدولية، وطواقم الصحافة الأجنبية من الدخول إليه، في محاولة للتغطية على جرائمها التي لم يُكشف عن الجزء الأكبر منها، وهي جرائم تتطلّب من الجميع العمل بكل الوسائل الممكنة لفضحها، وبذل كل الجهود المُتاحة لوقفها، أو على أقل تقدير الحد من تداعياتها الكارثية على الشعب الفلسطيني المظلوم في قطاع غزة.