
بدأ دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، في الأشهر التي تلت الحرب التي استمرت أربعين يوماً مع إيران، حملة واسعة لبناء رواية منتصرة للرأي العام الداخلي والخارجي من هزيمة استراتيجية. لكن حقائق الميدان، والتكاليف الاقتصادية، وردود فعل وسائل الإعلام والنخب السياسية الأمريكية تُظهر أن هذا السرد لم يكن فاشلاً فحسب، بل أدى أيضاً إلى تفاقم الانقسامات الداخلية في أمريكا.
من وجهة نظر البيت الأبيض، كانت الحرب التي بدأت بهدف إضعاف القدرة الإقليمية لإيران، من المفترض أن تتحول إلى عرض للقوة الأمريكية وإعادة تثبيت هيمنتها في غرب آسيا. لكن ما حدث عملياً هو تآكل سياسي، وزيادة التكاليف الاقتصادية، وتشكل موجة من الانتقادات الداخلية التي وضعت إدارة ترامب نفسها الآن في موقف دفاعي.
في هذا السياق، تفاعلت كبرى وسائل الإعلام الأمريكية أيضاً مع الرواية الرسمية للبيت الأبيض. كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" في افتتاحية لاذعة وناقدة، بنبرة ازدرائية: "سيد ترامب، هذا هو طعم الهزيمة المر، وليس عشاء النصر!" هذه العبارة القصيرة ولكن الثقيلة تعكس تحولاً في الأجواء الإعلامية داخل أمريكا؛ فضاء لم تعد فيه حتى وسائل الإعلام الرئيسية مستعدة لقبول الرواية الرسمية للحكومة.
وأكدت الصحيفة في تقريرها أن المكاسب التي يدعيها ترامب في الحرب على إيران، ترافقت عملياً مع عواقب وخيمة وغير قابلة للسيطرة. من زيادة التكاليف العسكرية إلى الضغوط الاقتصادية على الطبقات المتوسطة والدنيا في المجتمع الأمريكي، كل ذلك يظهر أن تكاليف هذا الصراع كانت أعلى بكثير من التقديرات الأولية.
على المستوى السياسي، تتصاعد الانتقادات لإدارة ترامب. انتقدت سالود كارباخال، عضوة الكونغرس الأمريكي، بشدة أداء الإدارة، وذلك بنشرها نتائج استطلاع أظهر أن حوالي 77% من الأمريكيين يعتقدون أن سياسات ترامب أدت إلى زيادة تكاليف المعيشة. وكتبت في رد صريح: "من حق الشعب الأمريكي أن يكون غير راضٍ عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبنزين والسلع الأساسية الأخرى بسبب حرب ترامب غير القانونية. هذه الإدارة تضغط على العائلات دون أن يكون هناك نهاية في الأفق."
تُظهر هذه المواقف أن تداعيات الحرب لم تقتصر على المجال العسكري أو الجيوسياسي، بل انتقلت بشكل مباشر إلى الحياة اليومية للمواطنين الأمريكيين. فزيادة أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، وارتفاع التضخم، كلها تُشار إليها على أنها عواقب مباشرة أو غير مباشرة لسياسات إدارة ترامب المسببة للتوتر.
في ظل هذه الظروف، تحولت الحرب التي كان من المفترض أن تضعف إيران وتثبت الموقع الإقليمي لأمريكا، إلى أزمة متعددة الطبقات لواشنطن ولترامب شخصياً. فالفجوة الداخلية في السياسة الأمريكية، وزيادة السخط العام، وتقويض الثقة في الروايات الرسمية للحكومة، كلها من العواقب الهام لهذا الوضع.
من ناحية أخرى، تواجه محاولة ترامب لبناء "رواية النصر" عقبة خطيرة تتمثل في الرأي العام. فجزء كبير من المجتمع الأمريكي اليوم لا يرفض هذه الرواية فحسب، بل يعتبرها نوعاً من الخداع السياسي للتغطية على حقائق الفشل والإخفاق. ونتيجة لذلك، زادت المسافة بين البيت الأبيض والرأي العام بشكل غير مسبوق.
ويُلاحظ وضع مماثل في المجال الإعلامي. يعتقد العديد من المحللين الأمريكيين المستقلين أن إدارة ترامب تحاول، من خلال إبراز بعض المكاسب المحدودة، تشويه الصورة العامة للهزيمة في الحرب. لكن اتساع التداعيات الاقتصادية والسياسية لهذا الصراع جعل مثل هذه المحاولات محدودة التأثير.
في الواقع، ما يحدث اليوم في أمريكا ليس مجرد خلاف سياسي عادي، بل هو أزمة سردية. فالحكومة تحاول تقديم نفسها على أنها منتصرة في الحرب، بينما لا يرى جزء كبير من وسائل الإعلام والنخب السياسية والرأي العام نتيجة هذه الحرب سوى إخفاق مكلف.
علاوة على ذلك، أصبح الضغط الاقتصادي الناتج عن الحرب أحد المحاور الرئيسية لانتقاد الحكومة. فزيادة أسعار السلع الأساسية، وارتفاع تكاليف الطاقة، والضغط على ميزانيات الأسر، كلها تُطرح على أنها عواقب مباشرة لسياسات الحكومة المتشددة. هذا الوضع دفع حتى مؤيدي ترامب السابقين إلى إعادة النظر في مواقفهم.
على المستوى الأوسع، تُظهر هذه التطورات أن السياسة الخارجية العدوانية القائمة على الصراع العسكري لم تعد قادرة على الاستمرار دون تكاليف داخلية باهظة كما في الماضي. فقد أصبح المجتمع الأمريكي أكثر حساسية تجاه التداعيات الاقتصادية للحروب، ويظهر قدرة أقل على تحمل المغامرات الخارجية.
في النهاية، لم تفشل الحرب التي استمرت أربعين يوماً مع إيران في تحقيق أهدافها المعلنة فحسب، بل تحولت إلى نقطة لتصعيد الأزمة الداخلية في أمريكا. يجد ترامب نفسه الآن في موقف يتعين عليه فيه الاختيار بين الحقائق الاقتصادية والسياسية الصعبة ومحاولة الحفاظ على رواية النصر؛وهو خيار سيحمل في كلا مساريه تكاليف باهظة لإدارته.
ما أصبح واضحاً اليوم أكثر من أي شيء آخر هو أن ساحة الحرب لا تُحسم فقط في جغرافيا الشرق الأوسط، بل إن تداعياتها عادت إلى قلب السياسة والاقتصاد الأمريكي؛ حيث لم يعد من السهل بناء رواية النصر، وستفرض الحقائق نفسها عليها عاجلاً أم آجلاً.