۶۱۰مشاهدات
رمز الخبر: ۶۷۴۳۰
تأريخ النشر: 25 February 2023
قلة هم عظماء الحياة الذين يتسنّمون قمم الخلود والسمو والعظمة، وقلة هم أولئك الذين ينفصلون عن آخر الزمان والمكان، ليكونوا ملكاً للحياة والإنسان.. أولئك القلة هم عظماء الحياة، وأبطال الإنسانية، ولذلك تبقى مسيرة الحياة، ومسيرة الإنسان، مشدودة الخطى نحوهم، وما أروع الشموخ والسمو والعظمة، إذا كان شموخاً وسمواً وعظمة، صنعه الإيمان بالله سبحانه وتعالى بكل ما للكلمة من معنى، وصاغته عقيدة السماء بكل خصوصياتها الجميلة البارعة والوهاجة.. من هنا يضحى الخلود حقيقة حية على مدى التاريخ لرسالات السماء ورسلها، ورجالات المبدأ والعقيدة الايمانية الصادقة الراسخة في الجذور.. وفي دنيا الإسلام، تاريخ مشرق نابض بالخلود، قمم من رجال صنعوا العظمة في تاريخ الإنسانية، وسكبوا النور في دروب البشرية. لا يمكن أن نلج آفاق العظمة عند الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، إلا بمقدار ما نملك من بعد في القصور، وانكشاف في الرؤية، وسمو في الروح والذات... فكلما تصاعدت هذه الأبعاد، واتسعت هذه الأطر، كلما كان الانفتاح على آفاق العظمة في حياة أبي الأحرار أكثر وضوحاً، وأبعد عمقاً... لا يمكن أن نعيش العطاء الحي لفيوضاته، ولا يمكن أن تغمرنا العبقات النديّة، والأشذاء الرويّة، لنسمات الحياة تنساب من أفق قمة من قمم الإنسانية الشامخة، وعملاق من عمالقة البطولة والتضحية والفداء لله سبحانه وتعالى.. ولا يمكن أن تجللنا إشراقات الطهر، لتنسكب من أقباس أبي عبد الله؛ إلا إذا حطمت عقولنا أسوار الانفلاق على النفس، وانفلتت من أسر الرؤى الضيقة، وتسامت أرواحنا الى عوالم النبل والفضيلة، وتعالت على الحياة المثقلة بأوضار الفهم المادي الزائف. الفكر يتعثر وينهزم، واليراع يتلكأ ويقف أمام إنسان فذ ّكبير مثل الإمام الحسين الذي نعيش هذه الأيام ذكرى مولده المبارك والميمون على البشرية جمعا، وأمام وجود هائل من التألق والإشراق كوجوده المبارك؛ وأمام إيمان حي نابض، كإيمانه صلوات الله وسلامه عليه وعلى والديه وجده وأبنائه الميامين، وأمام سمو شامخ عملاق كسموه، وأمام حياة زاهرة بالفيض والعطاء كحياة سيد شباب أهل الجنة.. وصدى قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه المنتجبين الأخيار يصدح في سماء المعمورة "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً" - جاء الجامع الصحيح سنن الترمذي لمحمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي ج5 ص658، وسنن ابن ماجه لمحمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني ج1 ص51، وفي كتاب "صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري" لمحمد ناصر الدين الألباني ج1ص152و153-باب معانقة الصبي- 170، وجمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي ج1ص11731، والمستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري ج3 ص194، وموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان لنور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ج1 ص554، والأدب المفرد لمحمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي ج ص133 وغيرها من المصادر الكثيرة لا يسعنا ذكر كلها. إذا كان للتاريخ أن يقف وقفة إجلال أمام أروع أمثولة للشموخ، أو إذا كان للدنيا أن تكبر لأروع تضحية سجلها تاريخ الفداء، وإذا كان للإنسانية أن تنحني في خشوع أمام أروع أمثولة للبطولة؛ فشموخ الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، وبطولته وتضحياته بالغالي والنفيس على طبق الإخلاص لرب العالمين، هي أروع أمثلة شهدها تاريخ الشموخ والتضحيات والبطولات.. كان الإمام الحسين ثائراً في أسلوب داعية، وداعية في خط التغيير.. لكن متى بدأ عليه السلام نهضته وثورته الألهية؟ بدأها عندما قيل له: "انزل على حكم يزيد وابن زياد" وقال كلمته الصارمة الحاسمة: "لاوالله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد".. هنا لم يجد بدّاًمن أن يواجه العنف بالرفض الحديدي الصارم.. فعلينا إن كنا حقاً من انصاره وأتباعه ومحبيه ومواليه وعشاقه، أن نفهم الامام الحسين بالكامل، بصفته إماماً، وللإمامة امتداد يتسع لكلّ ما تتسع له النبوّة ما عدا خاتمية الرسالة كما قال الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه مخاطبا وصيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين "يا عليّ أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي" - صحيح مسلم حديث رقم 2404، وسنن الترمذي - أبواب المناقب حديث رقم3731، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: أبو العلا محمد عبد الرحمن المباركفوري، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وابن سعد وابن عساكر وابن عدي وأبو يعلى والبزّار وأبو نعيم والطحاوي وابن حبان والطبراني والنسائي وابن أبي عاصم والبغوي والتبريزي والخطيب والدارقطني وابن مردويه والجويني وابن المغازلي والحسكاني وغيرهم عن سعد بن أبي وقّاص و.... ركز الإمام أبي الأحرار الحسين بن علي في بداية حركته على عناوين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح في أمة جده رسول الله محمد الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وإثبات مكانة ومنزلة الإمامة الإلهية ومكانتها بعد رحيل خاتم المرسلين لإعادة الأمة التي حرفتها "سقيفة بني ساعدة" من طريقها الصحيح.. ركائز الإسلام التي يشعر المسلمون معها أنهم معنيّون بها من خلال مسؤوليتهم عنها، وهذا ما نلاحظه في أسلوب القرآن الكريم في حديثه عن المعارك التي يريد للمسلمين أن يخوضوها، أو التي خاضوها، وذلك بأن يقدم لهم العناوين التي يريد الله سبحانه وتعالى لهم أن يتحركوا من أجل تحقيقها في الواقع.. لا نجد أن الإمام الحسين قد انطلق في حركته من خصوصيات المسؤولية الخفية التي لا يعرفها المسلمون معه، بحيث يقال إن الحركة هي تكليف خاص، بل إن المسألة مسألة ركائز وأهداف واضحة، يمكن للجميع أن يعرفوها وأن يتحركوا على أساسها، وبذلك يمكن للمسلمين أن يأخذوا من هذه التجربة شرعية الموقف إذا كانت المرحلة شبيهة بالمرحلة التي عاشها سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين من حيث الظروف والأوضاع والمواقع، وإلا فلو كانت تكليفاً خاصاً لما كان ثمة معنى للشعارات المطروحة، ولما كان لكربلاء وعاشوراء أي دور في صناعة وعي الجماهير على مدى الزمن، لأنها تكليف غيبي لانعرف مفرداته ولا ظروفه، وبذلك نتجمد أمام الذكرى ولن يبقى معنا لمقولة "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" تلك التي يشد عليها المجاهدون الأحرار في كل زمان ومكان بغية تحرير أرضهم و استقلالهم وحريتهم من الاحتلال والعدوان والظلم. الصرح الذي رسمه ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا زال يصدح في ربوع المعمورة وأضحى مناراً وضاءً يهتدي به جميع الأحرار والمقاومين في كل مكان ولن يقتصر على المسلمين الشيعة لوحدهم ليسطروا الملاحم والانتصارات الواحدة تلو الأخرى بل تعدى حدود حتى العالم الاسلامي وتمسك به غير المسلمين ايضا ًليحققوا ما كانوا يصبون اليه طيلة عقود بل قرون طويلة في الحرية والاستقلال..تاريخ الخلق على طول امتداده وآلاف سنينه لم يشهد بعد ملحمة أروع وأسمى وأرفع مما سطره الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه الميامين سلام الله عليهم أجمعين في يوم عاشوراء عام 61 للهجرة ليرسم بذلك صرحاً ونهجاً ومدرسة للإباء والتضحية والفداء، وسمواً شامخاً وقمة خلود وعظمة للأنسانية، فكان النصر حليفه رغم مقتله ومن معه من صغير وكبير قطعت أوصالهم على يد أزلام يزيد بن معاوية بن هند آكلة ألأكباد، فأنتصر الدم على السيف والحق على الباطل والمظلوم على الظالم والطاغية والحقيقة على التحريف والتزوير والتزييف الأموي.
رایکم