
شبکة تابناک الأخبارية: يبدو أن مصير العالم أصبح بين ليلة وضحاها معلقاً بقضية واحدة دون غيرها، هي قضية إيران واحتمال حصولها على السلاح النووي. لم تعد هناك أية قضايا أو مشاكل تقلق ما يسمى بـ "المجتمع الدولي"، وتهدد أمن العالم غير إيران!! فلا البيئة ولا الفقر ولا أزمة اليورو والديون ولا حتى كوريا الشمالية ولا حتى الترسانة النووية لإسرائيل، بل ولا حتى ما كان يُطلق عليه "الإرهاب الإسلامي" الذي أصدع رؤوسنا على مدى سنوات عشر. كل شيء يهون على المجتمع الدولي إلا أن تمتلك إيران أسلحة نووية!
وبخصوص الإرهاب فعلى العكس، ها نحن نرى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الذين أوشكوا على الإفلاس بسبب الحرب عليه، والذين، بذريعة محاربة القاعدة، قتلوا وشردوا ملايين الناس في أفغانستان والعراق وغيرهما، والذين نسفوا مباديء الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان حتى في بلدان الغرب نفسها، يقومون الآن بلا حياء ولا خجل بوضع قدراتهم العسكرية في خدمة إيصال القاعدة أو محاضنها ومنابعها إلى سدة الحكم في بلدان تحيط بأوروبا كحزام من نار – وكأنهم صاروا يعطون القاعدة الآن دوراً جديداً في تدمير المسلمين؛ يبدو أنهم يريدون أن تشكل القاعدة حزاما يحمي أوروبا من عدو ما.
لا غرابة، لقد رأينا أن طرفي الحرب بين أمريكا وقاعدة السعودية استهدفا المسلمين ولم يستهدف أحدهما الآخر، فالأمريكان قتلوا مئات الآلاف من المسلمين وتركوا بن لادن والظواهري طليقين رغم أنهم كانوا من زمن طويل يعرفون أين يقيمان وماذا يفعلان، وقاعدة السعودية قتلت بالتفجيرات الإجرامية من المسلمين بقدر ما قتل الأمريكيون، وكأن الحرب بينهما كانت لعبة تسلية موجهة نحو طرف ثالث يثخنان فيه كلاهما. ولعل مباركة الظواهري لحرب الناتو على الشعب الليبي من أجل إيصال أمراء القاعدة إلى سدة الحكم في ليبيا من أبرز الأدلة مؤخراً على أن قاعدة السعودية تعمل بتنسيق تام مع من تدعي أنها تحاربهم.
الآن صار كل الاهتمام منصباً على إيران باعتبارها "القاعدة" الجديدة التي سيتذرع بها الأمريكيون لإرهاب الشعوب في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، فكل الجهود تصب الآن في اتجاه تهيئة العالم لحرب ضد إيران. ولا شك أن المؤامرة الخبيثة على سوريا وكذلك الحمى التي سرت في جسد أنظمة الفساد في الخليج العربي، ترتبط كلها بقضية إيران.
لكن على عكس ما كان الأمر عليه مع "القاعدة" التي كان منشؤها وتمويلها سعودياً وخليجياً بشكل عام والتي كان معظم الناس في العالم لديهم قناعة بأنها صناعة أمريكية صرفة ولا تمت إلى الإسلام بصلة، فإن قضية إيران لا يلفها أي شك مبرر، فهي ليست لعبة أمريكية لابتزاز المسلمين كي يختاروا هذه المرة بين أن يقفوا مع أوباما أو ضده. لا يمكن لأي عاقل أن يثير الشكوك نفسها حول الصراع بين إيران من جهة وأمريكا وحلفائها وعملائها من جهة أخرى، وهذا سواء أحببنا الإيرانيين أو كرهناهم – بل نقولها بلا مواربة إننا ندين ونحتقر الدور الإيراني الخبيث في العراق الذي أكمل الدور السعودي الإجرامي بإتقان. الصراع بين إيران وأمريكا حقيقي ويقترب بشكل متسارع من مرحلة كسر العظم. والسبب في أن هذا الصراع حقيقي يكمن في أمر واحد، هو أن إيران القوية سيكون لها تأثير حاسم على دور ومصير إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، لا غير.
الأمر لا يتعلق إطلاقاً برغبة إيران أو بنيّتها إزالة إسرائيل، ولكن يتعلق، على العكس، بشعور الإسرائيلين والأمريكان بأن إيران باتت تشكل على وجود إسرائيل خطراً حقيقياً لم يشكله العرب أنفسهم على مدى ستة عقود. هذا الشعور له ما يبرره: فأولاً، يكسر امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية الاحتكار الإسرائيلي لها في المنطقة، وبذلك ستواجه إسرائيل نداً لم تجده في أي بلد عربي ويتقلص دورها الإرهابي إلى حد كبير؛ وثانياً، لإن القدرة الاقتصادية لإيران واستقلالية قرارها تجعلانها قادرة على مواجهة إسرائيل في كل بقعة من الشرق الأوسط على عكس البلدان العربية الكبرى التي تحولت عن وعي وغير وعي إلى مستهلكة للمساعدات الأمريكية والأوروبية وخاضعة لإرادتها؛ وثالثاً، لأن إيران التي تقف كدولة إسلامية وحيدة للشيعة تتمتع بتأييد وإسناد عاطفي وايديولوجي صلد لا تتمتع به أية دولة عربية، من جانب المسلمين الشيعة بشكل رئيسي وكذلك من جانب ملايين المسلمين الآخرين الذين يشعرون بالاحترام لإستقلالية إيران وإخلاص حكامها، على مختلف اتجاهاتهم، لبلدهم، ويشعرون كذلك بالاحترام لجدية إيران في مواجهة نفوذ إسرائيل؛ ورابعاً، لأن علاقات إيران مع البلدان الحليفة لها في المنطقة حقيقية وبلغت أرقى مستويات التحالف، الأمر الذي لم تتمكن من تحقيقه أية دولتين عربيتين إطلاقاً، وهذا لا يعني فقط أن إسرائيل ستجد إيران حولها وفي خاصرتها وحسب، بل يعني أكثر من ذلك أن إيران قادرة على إنشاء إتحاد اقتصادي وسياسي متين يضم كتلة بشرية ضخمة ومتماسكة وموارد هائلة مدعمة بقرار مستقل بفضل التكنولوجيا النووية، فينتهي عهد استفراد إسرائيل لدول المنطقة كل على حدة؛ وخامساً، لأن إيران لديها مشروع سياسي جاد وخطط وستراتيجيات هادئة لتحقيقه، ولأن النخب الثقافية الإيرانية ليست فئوية وأنانية، بل تتميز بعقلانية وغيرة وطنية تفتقر إليها النخب الثقافية العربية. وفي هذا فإن إيران تنجح نجاحاً ساحقاً في دمج البعد القومي لمشروعها بالبعد الديني والاقتصادي، الأمر الذي أخفق فيه العرب بمختلف عقائدهم الشيوعية والقومية والدينية.
لهذا فإن إيران خطر حقيقي، خطر لأنها ستحجّم بجبروتها إسرائيل وتحرمها الدور الذي أنشئت لتلعبه في هذه المنطقة – ليس عشقاً من إيران لعيون العرب، بل كتحصيل حاصل لطبيعة سياساتها كدولة حريصة على مصالحها. والإسرائيليون ومن وراءهم يجدون أنفسهم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ينتظروا ليروا إسرائيل بعد سنوات قليلة من الآن دويلة ثانوية في الشرق الأوسط، مشلولة أمام الهيمنة الإيرانية، أي تواجه الزوال الحتمي فتحتضر بهدوء وتلفظ أنفاسها دون قتال، أو أن يقوموا الآن بمغامرة يائسة في شن هجمات على منشآت إيران النووية علّهم يمنعون حصول السيناريو الكارثية. إن قادة إسرائيل قد يكونون الآن لا يرون بأساً في تلقي بضع مئات من الصواريخ الإيرانية على رؤوسهم وتقديم بضعة آلاف من الإسرائيلين ضحايا، إذا كان ذلك ثمناً للنجاح في شل البرنامج النووي الإيراني – وفي هذه الحالة فإنهم لا يتخلصون من عدو شرس وحسب، بل وسيجددون مكاسبهم من هولوكست ألمانيا فتضخ التعويضات الأمريكية والأوروبية في الخزينة الإسرائيلية المليارات. وفوق ذلك ستهيمن إسرائيل على كل بلدان العرب وينبطح ملوك العرب ووعاظ السلاطين أمامها بلا سراويل باعتبارها المنقذ الذي خلصهم من غرمائهم الشيعة! المشكلة هي أن قادة إسرائيل غير واثقين من نجاح المغامرة ويخشون أن يتلقوا الصواريخ ويقدموا الضحايا ويفشلوا مع ذلك في تحقيق مرادهم. ولو حصل ذلك فإن العد التنازلي لإنفراط إسرائيل سيبدأ على الفور، وتكون إسرائيل هي التي اختارت ذلك، وعجّلت به، وليس إيران.