
بداية العام الثامن للعدوان السعودي على اليمن، بات الحديث عن فشل قوات التحالف السعودي مشروعاً أكثر من أي وقت مضى، كون استحالة حسم المعركة لصالح التحالف أصبح من المسلّمات، بل الأجدى الحديث عن كيفية الانسحاب وتعويض الخسائر، بالنظر إلى حجم الإنفاق العسكري الهائل على جيش التحالف، مقابل الهزائم التي يتكبّدها في مختلف المعارك التي يخوضها ضد قوات الجيش اليمني واللجان الشعبيّة.
ظنّت "السعودية" عند إعلان قرار العدوان على اليمن في 26 آذار/ مارس 2015، أن الأمر سيكون معركة خاطفة تحقّق فيها إنجازات سياسية وعسكرية بوقت قياسي، لكن ما حصل أن نفس هذه المعركة تحوّلت في غضون أشهر إلى استنزاف بشري، ومالي، وعسكري لإمكانات جيش التحالف. ورغم الترسانة العسكرية الضخمة التي وفّرتها كل من السعودية والإمارات، واستقدام قوات مرتزقة من الخارج ـ انسحب جزء كبير منها لاحقاً كالقوات السودانية والباكستانية ـ لم يفلح التحالف السعودي بتحقيق أي تقدم منذ بدء العدوان، إذ لا يزال مسار المعركة رهن سلاح الجو السعودي الذي يسفر عن سقوط ضحايا مدنيين ويدمّر منشآت خدمية وتجاريّة.
خسائر التحالف السعودي
أدّى العدوان على اليمن إلى استنزاف خزينتي السعودية والإمارات، نظراً للإنفاق الهائل على العتاد العسكري والعديد البشري، فبحسب معهد "ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، ارتفعت واردات الأسلحة السعودية بنسبة 27 بالمئة، ما بين 2012 - 2016 و2017 ـ 2021 إذ سجّلت 11 بالمئة من إجمالي حصّة واردات الأسلحة العالمية، لتصنف كثاني أكبر مستورد للأسلحة في العالم بعد الهند مباشرةً. مع الإشارة إلى أن السعودية تستورد الأسلحة بشكل رئيس من الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى دول غربيّة وشرقيّة.
مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، نشرت تقريراً مفصّلاً عن نفقات الحرب السعودية، كشفت فيه أن سعر استئجار بارجتين حربيتين يبلغ 300 مليون دولار يومياً، تحمل على متنها 6 آلاف جندي، وعشرات الطائرات، والصواريخ، ومدافع بعيدة المدى، ليبلغ إجمالي تكاليف البارجتين 756 مليار دولار خلال سبع سنوات. فيما تبلغ تكلفة استئجار قمر صناعي في الساعة الواحدة مليون دولار أي أن كلفة القمرين في اليوم الواحد هي 48 مليون دولار، يعني 120 مليار و960 مليون دولار في سنوات العدوان السبع. أما تكلفة استخراج وتحليل البيانات والصور التابعة للأقمار الصناعيّة فتبلغ 10 مليون دولار سنوياً وهو ما يعادل 25 مليار و200 مليون دولار سنوياً. ووفقاً لتقديرات "فورين بوليسي"، بلغت تكلفة الحرب التي تكبّدتها السعودية في الأشهر الستة الأولى فقط، والمتعلقة بالصفقات العسكرية، نحو 725 مليار دولار. في المقابل، بلغت ميزانية اليمن العسكرية قرابة 14 مليار دولار، جرى نهب 80 بالمئة منها بسبب الحصار وفق قناة المسيرة.
هذا التفاوت الواضح في موازين القوى العسكرية بين القوات اليمنية والسعودية، يقودنا للتساؤل عن أسباب فشل التحالف السعودي في حسم المعركة طيلة سبع سنوات، فيجيبنا الباحث العسكري الأستاذ شارل أبي نادر في تصريح خاص لـ"مركز الإتحاد والتطوير"، بذكر عدّة عوامل مسؤولة عن هذا الخلل، وأبرزها: صمود أبناء اليمن وبسالتهم في المعركة، وعدم قانونيّة الحرب على اليمن، وقدرة اليمنيين على الإستفادة من الجغرافيا الصعبة في بلادهم. ثم يتعمّق أبي نادر في تركيبة الجيش السعودي، ليبيّن أن المشكلة الجوهريّة فيه هي أنه جيش لا يقاتل، بل يعتمد على المرتزقة، أيضاً ليس لديه تجربة قتاليّة، علاوةً على ذلك، يعتقد أن ما يملكه من أسلحة متطوّرة سيحسم المعركة لصالحه، من دون أن يبذل الجهود اللازمة في القتال.
أما عن مرتزقة جنوب اليمن التي تقود المعركة حالياً بشكل فعلي، فيشير العميد المتقاعد في الجيش اللبناني إلى الامتداد العربي لمناطق جنوب اليمن تاريخياً، لكن رغم ذلك، برأيه لن نكون أمام تحوّل في مسار القوات اليمنية الجنوبيّة، والسبب أن هناك الكثير من الأطراف الإقليميّة تؤثر في سياسة ومناورة هذه القوات التي أصبحت شبه مرتهنة لتلك الأطراف الإقليمية، بالمال وبالسلاح. وبالتالي الخروج الآن من هذا الارتهان صعب ومعقد. أبي نادر ينوّه في الوقت نفسه إلى أن توسّع نفوذ وسلطة الجيش اليمنية واللجان الشعبية يوماً بعد يوم، خاصّة بعد وقف الحصار وبدء المفاوضات المرجوّة والمرتقبة، ربما نشهد إعادة تموضع لهذه الوحدات الجنوبيّة نحو المربع الوطني الذي تمثّله حكومة صنعاء.
الواضح أنه رغم الهزائم التي يُمنى بها التحالف السعودي في اليمن، لا تزال السعودية مستمرة في الحرب متجاهلةً الوقائع والتطوّرات الميدانية. ومردّ ذلك وفق أبي نادر إلى أنه يصعب على السعودية الخروج من المستنقع اليمني رغم أنها أدركت استحالة الحل العسكري، لأن هذا الخروج الخائب مع الفشل في تحقيق الأهداف، له تداعيات ضخمة داخليّاً وإقليميّاً وسياسيّاً على موقع السعودية التي تجد نفسها قطب إقليمي وإسلامي. ولذلك تحاول تأخير إعلان الهزيمة وتكابر بانتظار متغيرات ما، تستغلها للخروج المناسب من الحرب.
تطوّر الإمكانات اليمنيّة
من جهة أخرى، وفي ظل هزائم قوات التحالف السعودي، باتت الهجمات اليمنيّة تهدّد المنشآت النفطيّة والحيويّة على امتداد المساحة السعودية والإماراتية، إذ نجحت القيادة اليمنية بتحويل التهديد إلى فرصة، ففرضت معادلة ردع وازنة، وحقّقت قفزة نوعيّة في صناعة الصواريخ الباليستية والمجنّحة وسلاح الجو المسيّر، سيما لناحية مداياتها، وإصابة الأهداف بدقّة، ولعل عمليات "كسر الحصار الثالثة" التي نفّذتها القوات اليمنية يوم الجمعة 25 مآذار/ مارس، هي دليل واضح على هذا التطوّر الذي أحرج سلطات الرياض، ما جعلها تسارع للإعتراف بالهجمات اليمنية، خلافاً لعادتها بنفي الضربة أو التزام الصمت، بل أكثر من ذلك أعلنت عدم تحمّلها مسؤولية نقص إمدادات النفط في الأسواق العالمية الناجم عن هجمات اليمنيين على منشآتها النفطية، فقد نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس" عن مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية قوله إن: "السعودية لن تتحمّل المسؤولية عن نقص إمدادات النفط في الأسواق العالمية الناجم عن هجمات الحوثيين على منشآتها النفطية، في أعقاب هجوم للحوثيين على منشآت تابعة لأرامكو السعودية".
وفي إطار عمليات "كسر الحصار"، أكّد قائد القوات اليمنية المسلّحة العميد يحيى سريع أنّ القوات المسلّحة اليمنيّة "لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تتابع تداعيات جريمة الحصار على معيشة أبناء الشعب اليمني"، مشدداً على أنّها "أعدت العدة لعمليات عسكرية نوعية متعلقة بمسار كسر الحصار". ما يعني أن العام الثامن للحرب سيكون مختلفاً عن الأعوام السابقة بعدما نجحت القوات اليمنية بتطوير الأسلحة والعمليات العسكرية رغم الحصار والميزانيّة المتواضعة، وهو واقع يؤكّده وزير الدفاع اليمني اللواء الركن محمد ناصر العاطفي في قوله إن: "القوة الصاروخيّة اليمنية تحتل اليوم مرتبة متقدمة من التطور والتحديث، وتمضي نحو مراتب أكثر تقدماً من حيث المدى والدقة وأشد تأثيراً، ومزودة بأنظمة ذكية يصعب على الدفاعات الجوية المختلفة اعتراضها". أما عن الطيران اليمني المسيّر فقال الوزير اليمني إنّه "يشهد تحديثاً بخبرات وكفاءات يمنية وسيكون عند مستوى المهام الجيو استراتيجية المسندة إليه".
زينب فرحات ـ مركز الإتحاد للأبحاث والتطوير
مقابلة /أ. شارل أبي نادر