
بوتيرة متصاعدة، تمضي العملية العسكرية الروسية، التي تأخذ منحىً جديداً، في الأسبوع الثالث من هجوم القوات الروسية، داخل الأراضي الاوكرانية، لتنفيذ خطتها الهادفة للسيطرة على الممرات والطرق الرئيسية، وإحكام الطوق على كييف والمدن الرئيسية، في محاولة لعزل البلاد، عن محيطها الجغرافي.
كثافة نارية جوّية وصاروخية، يرافقها توغّل برّي باتجاه العمق الاوكراني، لليوم الثاني على التولي، بدأت تظهر أثارها من خلال التوغّل المتسارع داخل اقليم دونباس، بالتوازي مع تدمير المنظومات الدفاعية التي وصلت الى اوكرانيا، وتحييد المزيد من المطارات العسكرية.
على الجبهة الجنوبية الشرقية، تتسارع التطورات الميدانية، مع تكثيف القوات الروسية لنيران الاسناد المدفعي، ما أدّى الى إحداث ثغرات في الدفاعات الاوكرنية، حيث استطاعت القوات الروسية التوغّل لمسافة واحد وعشرين كيلومتراً داخل اقليم دونباس شرق اوكرانيا، الذي تنطلق منه هذه القوات باتجاه المدن الواقعة وسط البلاد، وتشق طريقها نحو العاصمة كييف.
واستكمالاً لتضييق الحصار على مدينة ماريوبول الساحلية، تمكنت قوات جمهورية دونيتسك الشعبية بدعم ناري من الجيش الروسي، من التقدّم لمسافة تبلغ نحو تسعة كيلومترات من الناحية الجنوبية الشرقية، والسيطرة على بلدتين إضافيتين ومحاصرة بلدة ثالثة، وذلك بعد أن استطاعت هذه القوات تحرير بلدة فولنوفاخا الاستراتيجية، الواقعة جنوب غرب دونيتسك.
وتتميز فولنوفاخا بموقعها على مفترق طرق، تصلها بماريوبول من الجهة الجنوبية الشرقية، مما يساعد هذه القوات على إطباق الحصار المفروض على المدينة، المتميزة بأهميتها الاستراتيجة على ساحل بحر آزوف، والتي سبق لقوات لوغانسك ودونيتسك الشعبيتين أن سيطرت على عدة مناطق شرق المدينة ووصلت إلى محيط مصنع "آزوفستال"، كما أنها حررت أحد الأحياء الواقعة غربها.
وتعتبر ماريوبول آخر مدينة أوكرانية على بحر آزوف خارج سيطرة القوات الروسية، وبالتالي فإن السيطرة عليها، سيمكن القوات الروسية من الإطباق على كامل ساحل بحر آزوف، كما سيؤمن التقاء القوات الروسية القادمة من دونتيسك مع القوات الروسية القادمة من مانهوش غرباً.
كذلك تساعد السيطرة على مدينة فولنوفاخا، القوات الروسية المتقدّمة من الجهة الجنوبية عبر مدينة ميكولايف، من إحكام السيطرة على الطرق الموصلة الى مدينة دينبرو التي تتعرّص لقصف عنيف من قبل القوات الروسية في محاولة لضرب الدفاعات الاوكرانية، حيث تسعى هذه القوات للالتقاء بالقوات المتقدمة من الجهة الشرقية عند حدود دينبرو، لتشكل نقطة دعم للوحدات التي تشق طريقها باتجاه المناطق الواقعة وسط البلاد، وصولاً الى العاصمة كييف.
وفي السياق أفاد المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف، بأنّ قوات جمهورية لوغانسك الشعبية سيطرت على عدة بلدات مع تقدمها لمسافة ستة كيلومترات اضافية في اقليم دونباس، الذي يشكل السيطرة عليه وربطه بالاراضي الروسية، أحد أهم أهداف الخطّة الاستراتيجية للحرب الروسية.
أمّا على المحور الثاني للجبهة الجنوبية الشرقية، فإنّ القوات الروسية المتقدمة من مدينة باشتانكا، تواصل شقّ طريقها الى مدينة كيروفوهراد وسط البلاد، والتي تتقدّم اليها القوات القادمة من الجبهة الغربية والتي اخترقت مدينة بافلوجراد، وتستكمل طريقها باتجاه مدينة نيبروبيتروفيسك. في حين تستكمل هذه القوات اجلاء المزيد المدنيين من الجهات الشمالية والشرقية باتجاه الداخل الروسي، والذي تجاوز عددهم المئتي وعشرين ألف شخص.
وتسعى القوات الروسية المتقدّمة من بشتانكا شمالاً للسيطرة على مفترق الطرق المؤدية الى اوديسا، وبالتالي عزلها من أي محاولة لامدادها بالسلاح، كما يحاول جزء من هذه القوات الالتفاف غربًا باتجاه مدينة أوديسا، لإحكام الطوق على المدينة الساحلية، الواقعة على البحر الأسود، والتي يُشكل السيطرة عليها خطوة استراتيجية باتجاه عزل أوكرانيا بحريًا، في حين تواصل القوات تقدّمها من حدود أوديساً جنوباً على امتداد 300 كيلومتراً باتجاه العاصمة كييف، مروراً بالمناطق التي دخلتها القوات الروسية.
وبالموازاة، واصلت القوات الروسية تعزيز وحداتها على الطرق الرئيسية المؤدية من مدينة كوتيفا الى مدينة شركاسي، وسط البلاد، حيث تحاول ربط الطرق الموصلة من الجهات الشمالية والجنوبية والشرقية، عبر شبكة تسمح لها بإحكام الطوق على هذه المدن الرئيسية، ومنع دخول أي امدادات عسكرية اليها.
وفي آخر التطورات على الجبهة الشمالية الشرقية، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية اللواء إيغور كوناشينكوف إن القوات الروسية استهدفت بأسلحة بعيدة المدى وعالية الدقة عددًا من مرافق البنية التحتية العسكرية الأوكرانية، حيث تم تعطيل مطار فاسيلكوف العسكري جنوب العاصمة كييف والمركز الرئيسي للاستخبارات الإلكترونية الأوكرانية في منطقة بروفاري شرقي العاصمة.
ميدانياً، تواصل القوات الروسية محاولاتها للالتفاف من مدينة بروفاري، التي تبعد عن العاصمة عشرين كيلو متراً، الى المدن والبلدات الواقعة جنوب شرق كييف، بما يساعدها على إحكام الطوق على العاصمة التي تشهد معارك على تخومها الشمالية والغربية.
يُشار الى أن هذه القوات المتقدمة من مدينة سومي شرقاً، شقّت طريقها الى مدينة بروفاري، انطلاقاً من مدينة رومني، مروراً بمدينة بريلوكي، بهدف الالتقاء بالقوات التي وصلت الى مدينة كبتي.
وعلى المحور الثاني من جبهة سومي، تواصل القوات الروسية تعزيز تواجدها على الطرق الرئيسية في مدينة كونوتوب باتجاه مدينة نيزهن، وتحاول هذه القوات الالتقاء بالقوات المتقدمة من مدينة تشيرنيهيف الواقعة شمال العاصمة كييف، المحاذية لنهر ديسنا، والتي تشهد تجمعات كبيرة للقوات الروسية، مقابل دفاعات متقدمة للقوات الاوكرانية المدافعة عن كييف.
وأفادت وسائل اعلام روسية بأنّ الجيش الروسي أدخل المزيد من التعزيزات العسكرية من المناطق الحدودية باتجاه مدينة خاركيف المحاصرة، الواقعة على الحدود مع سومي.
وفي آخر التطورات على الجهة الشمالية الغربية، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها استهدفت بأسلحة عالية الدقة عددًا من المنشآت العسكرية الأوكرانية، مشيرةً الى أنّ الضربات أدّت الى تعطيل مطارين عسكريين في لوتسك وإفانو- فرانكوفسك غرب أوكرانيا، وسبق ذلك تدميرمنشآت تابعة للأمن الأوكراني، والمركز الـ 72 الرئيسي الخاص بالعمليات الإعلامية النفسية التابع للقوات المسلحة الأوكرانية داخل العاصمة كييف.
وراوحت المعارك على هذه الجبهة مكانها عند حدود مدينتي اربين وستويانكا المجاورة لها، حيث تتعرض الوحدات المدافعة عنها الى قصف مركز من القوات الروسية التي تسعى لإحكام الطوق على كييف.
وقالت وزارة الدفاع البريطانية، إن الجزء الأكبر من القوات البرية الروسية يبعد حاليًا نحو خمسة وعشرين كيلومترًا عن وسط كييف، وأنّ القتال في الشمال الغربي من كييف متواصل، وأضافت أن مدن خاركيف وتشيرنيهيف وسومي وماريوبول، ما زالت مطوقة من قبل القوات الروسية، وتتعرّض لقصف روسي عنيف.
ويُلاحظ أنّ القوات الروسية غيّرت من استراتيجيتها العسكرية عبر أسلوبين مغايرين، الأوّل يتمثّل بالتحوّل من محاولة التقدّم داخل المدن الاوكرانية الى محاولة إحكام الطوق عليها، وتجنب الدخول في حرب مدن مع القوات الاوكرانية التي أعادت تنظيم دفاعتها داخل المدن. والثاني يتمثّل بالتحوّل من التقدّم من عدّة محاور متباعدة بهدف السيطرة على أكبر عدد من المدن، الى الاعتماد على اسلوب تكثيف نشاطاتها على كل الطرق الرئيسية، ومحاولة الربط بين هذه الطرق عبر إدخال فرق إضافية من المناطق الحدودية، والعمل على إلتقاء هذه القوات بالقوات المتقدمة من باقي الجبهات، لتشكل شبكة مترابطة، تشتت من خلالها عمل القوات الخاصة الاوكرانية، وتحدّ من فعاليتها، لاسيّما أنّ هذه القوات استطاعت تدمير أكثر من قافلة عسكرية روسية في بداية الحرب، معتمدة تكتيكات عالية الدقّة، في تحقيق أنشطتها.
المصدر:يونيوز