۵۳۷مشاهدات
علما إیران (2)
في عام 1353هـ /1934م، عاد السيد الطباطبائي إلى تبريز برفقة أخيه السيد محمد حسن نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي طرأت على حياته، ومارس التدريس فيها بحدود 10 سنوات.
رمز الخبر: ۶۲۳۱
تأريخ النشر: 21 November 2011
شبکة تابناک الأخبارية: ولد السيد محمد حسين ابن السيد الطباطبائي في 29 ذي الحجة هـ 1321 هـ/ 1903م، في مدينة تبريز، وقد اشتهرت أسرته منذ القدم بالفضل والعلم والرياسة، وكانت سلسلة أجداده الأربعة عشر الماضين من العلماء المعروفين فيها، توفيت والدته وعمره خمس سنوات، وتوفي والده عندما بلغ التاسعة من عمره، وفي هذه السن، ذهب إلى المدارس لتعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم والكتب الفارسية المتعارف عليها في ذلك الوقت، كما تعلم فن الخط عند الأستاذ الميرزا علي النقي، ثم باشر بـعد ذلك دراسة اللغة العربية والأدب العربي، وأنهى مرحلة السطوح عند الأساتذة المعروفين في مدينة تبريز.

في عام 1343هـ "1924م"، هاجر إلى النجف الأشرف لإكمال دراسته الحوزوية، وبقي هناك إحدى عشرة سنة يحضر دروس الفقه والأصول عند العلماء الكبار آنذاك، أمثال: آية اللّه النائيني وأبي الحسن الأصفهاني و محمد حسن الكمپاني، ونال في هذه الفترة الوجيزة درجة الاجتهاد.

لم يكتف الطباطبائي بدراسة الفقه والأصول، بل واصل دراسته في العلوم الأخرى، مثل: علم الرجال، والفلسفة، والعرفان، والأخلاق، والرياضيات، والحساب، والجبر، والهندسة المستوية والمجسمة، وغيرها.

في عام 1353هـ /1934م، عاد السيد الطباطبائي إلى تبريز برفقة أخيه السيد محمد حسن نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي طرأت على حياته، ومارس التدريس فيها بحدود 10 سنوات.

بعد هذه الفترة، ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وما نجم عنها من استقرار القوات الروسية في مقاطعة أذربيجان، وتحسن وضعه الاقتصادي، وجد السيد الطباطبائي في هذه الظروف عوامل مشجعة لاستئناف الحياة العلمية من جديد، فهاجر إلى قم المقدسة، وبدأ بتدريس علم التفسير والفلسفة والعلوم العقلية، وهي علوم لم تكن تدرس من قبل في الحوزة، وذلك جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى مثل الفقه والأصول .

شرع مـنـذ سنة 1368 هـ بتدريس الأخلاق والعرفان، ثم بتدريس رسالة السير والسلوك المنسوبة للعلامة بحر العلوم.

سماته الشخصية: لا يمكن الإحاطة بشخصية السيد الطباطبائي، فقد جسَّد في سلوكه كلَّ معاني التقوى والأخلاق الحسنة، فكان مخلصاً لله، ودائم الذكر والدعاء، ومما يؤثر عنه، أنه كان مواظباً على أداء المستحبات، ولديه في شهر رمضان برنامج متنوع موزع بين العبادة والتأليف وقـراءة القرآن وقراءة دعاء السحر الذي كان يهتم به اهتماماً كبيراً، حيث كان يقرأه بحضور أفراد عائلته.

كان العلامة بسيطاً متواضعاً في جميع شؤون حياته، فكان يعيش في مسكن متواضع، وكان يلبس القماش العادي، ومما يؤثر عنه، أنه لم يعتمد طول حياته في تيسير أموره المعاشية على الحقوق الشرعية، بل كان يعتمد في سد احتياجاته على واردات قطعة أرض زراعية صغيرة ورثها عن أجداده في تبريز.

وكان شديد التواضع والاحترام لأساتذته، وبالخصوص أستاذه في الأخلاق آية اللّه القاضي الطباطبائي، كما كان متواضعاً مع طلابه، حيث كان يرفض أن يناديه طلابه بكلمة أستاذ، وكان يقول: أنا وأنتم عبارة عن مجموعة جئنا إلى الدرس لغرض العمل سوية، للتعرف على حقائق الإسلام.

دوره في نجاح الثورة الإسلامية: مـنذ نهضة الإمام الخميني في إيران وما بعدها، كان للعلامة دورٌ كبير في المشاركة مع كبار علماء الحوزة في اتخاذ القرارات للتصدي لنظام الشاه، واشترك بإصدار العديد من البيانات التي استنكرت مواقف النظام الملكي المقبور.

أما عـن دوره بـعـد نـجاح الثورة الإسلامية وقيام الجمهورية الإسلامية، فإن سوء أوضاعه الصحية لم تسنح له بأداء دوره تجاه الثورة، لكننا يمكن أن نقول: إن للعلامة الطباطبائي الدور الكبير في تحقق أهداف الثورة ونجاحها.

أساتذته: تلقى العلامة الطباطبائي علومه على مجموعة من الأساتذة الأفاضل، نذكر منهم : الشيخ محمد حسين النائيني، والشيخ محمد حسن الكمباني في الفقه والأصول، والسيد حسين البادكوبي في الفلسفة، وكان له أثر كبير على شخصيته العلمية، ومن أساتذته أيضاً السيد أبو الحسن الأصفهاني في الفقه، حيث درس عنده عدة سنوات، والميرزا علي القاضي الطباطبائي في الأخلاق، الذي كان له تأثير عميق على شخصية الطباطبائي. وقد حصل على إجازة في الاجتهاد من الميرزا النائيني وإجازات في الرواية من الشيخ عباس القمي وآية الله حسين البروجردي، وتتلمذ أيضاً على الشيخ الكوهكمري، والسيد أبو القاسم الخونساري، والميرزا علي الأيرواني، والشيخ علي أصغر الملكي.

طلابه: درس عند العلامة الطباطبائي جيل من الطلبة والأفاضل الذين نهلوا من علومه المختلفة، وكان لهم دور بارز في تنمية العلوم العقلية التي كان العلامة يوليها اهتمامه، نذكر منهم : الشهيد مرتضى المطهري، الشهيد محمد حسين البهشتي، الشهيد محمد مفتح الهمداني، الشهيد علي القدوسي، الشهيد محمد رضا السعيدي، آية اللّه جوادي آملي، الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي، آية اللّه مكارم الشيرازي، الشهيد مصطفى الخميني، السيد عبد الكريم الأردبيلي.

منهجة في التفسير: ليست الأصالة عند علماء الاسلام شعارا تستحثه حالة عابرة،أو مطالب طارئة. بل هو نهج عميق عمق الصلة مع القرآن،و نزعة راسخة رسوخ احساس المسلم باسلامه. و لئن حسب بعضهم أن الأصالة تعني الجدب الفکري و الانطوائية و الانفصال عن الحاضر فان هذه المعاني لا تلازم الأصالة ضرورة بل تلازم اولئک الذين تقصر قواهم عن استيعاب‏ مظاهر التناقض الکاذب بين الماضي و الحاضر و هي لا تدل إلاّ علي جهل و قصور في هؤلاء، أو جهل و خداع في فکر التبعية المطلقة للحاضر مهما کان طابعه و کائنا من کان أسياده. و إذا کان هناک تضاد حقيقي بين الماضي و الحاضر فليس منشؤه الواقع،بل هو يکمن في‏ النظريات الوضعية التي لا تستطيع أن تتجاوز الافق المحدود للانسان الواضع لها.

لقد استطاعت الأصالة الاسلامية المؤکدة أن توجد علماء و مفکرين يسخرون من‏ دعاوي التضاد بين الماضي و الحاضر و يجدون أصالتهم في عصريتهم،و عصريتهم في أصالتهم‏ دونما احساس بأمر غريب في البين،منتزعين من تلک الأصالة القدرة علي التواصل مع‏ الحاضر مهما کان واسعا و متشعبا،بما يوجب لهم علي الرافضين للأصالة بالمفهوم الاسلامي‏ حق الاعتراف بالامامة الفکرية التي هي حق طبيعي لأمثال العلامة الطباطبائي.

لقد وجد السيد الطباطبائي«قدس سره»ان العامل الذاتي المعبّر عنه بظاهرة التفسير بالرأي هو أخطر ما واجه القرآن الکريم من تحديات في الماضي و الحاضر إذ هي تستهدف‏ افراغه من محتواه و مفرض المحدودية عليه،و تحويله الي غلاف يقبل الانطباق علي کل فکر و اتجاه،و ليس التفسير الباطني(الصوفي)قديما،و التفسير العصري(بمعني حمل القرآن علي‏ معطيات العلم الحديث)حديثا،إلاّ أسوأ مقالين لتلک التحديات.

و من هنا،کان لابدّ من بلورة منهج تفسيري غني مستوعب يجمع الضرورتين‏ کلتيهما،الأصالة و العصرية.و هو منهج تفسير القرآن بالقرآن.و هذا المنهج لا يعد من‏ ابتکارات السيد الطباطبائي،فان بداياته کانت في صدر الاسلام،و هناک اشارات الي ان‏ النبي(ص)قد مارسه في بعض الأحيان‏17،و سار الصحابة علي ذلک و التابعون،و تبلور بشکل جلي في عصر ابن تيميّة.و لکن مع ذلک فان وجود هذا المنهج قبل السيد الطباطبائي‏ لا يقلل شيئا من أهمية جهوده،لأن تجدد الظروف العصرية يمکنه ان يجمد هذا المنهج،مالم‏ تتحقق القدرة العلمية الواسعد اللازمة لاستيعاب الظروف المتجددة ضمن قواعد الأصالة. و هذا ما کان مفقودا قبل العلامة الطباطبائي،لتصور عدم امکان ممارسة هذا المنهج بالدقة اللازمة نظرا للتغيرات الجذرية الواسعة التي طرأت علي الحياة الانسانية في العلوم و الثقافات‏ المختلفة.

لقد سار السيد الطباطبائي في هذا الاتجاه بثقة عالية استمدها من ثقته المطلقة بالقرآن‏ الکريم،و هو الذي يصف نفسه بأنه«تبيانا لکلّ شي‏ء»(سورة النحل‏89)[و حاشا أن‏ يکون القرآن تبيانا لکل شي‏ء و لا يکون تبيانا لنفسه.قال تعالي:

هدي للناس و بيّنات من‏ الهدي و الفرقان

(سورة البقرة185)و قال تعالي: و أنزلنا إليکم نورا مبينا

(سورة النساء174)و کيف يکون هدي و بينة و فرقانا و نورا مبينا للناس في جميع ما يحتاجون،و لا يکفيهم في احتياجهم اليه و هو أشد الاحتياج؟قال تعالي:

و الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم‏ سبلنا

(سورة العنکبوت‏69).و أي جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم کتابه،و أي سبيل‏ أهدي إليه من القرآن‏]18.

و انطلاقا من هذه الثقة،و اتکالا علي توفيقات اللّه سبحانه و تعالي،و اعتمادا علي ان‏ التصميم استطاع انتزاع أکبر القدرات من الذات،(ناهيک عن ذات کبيرة کذاته«قدس‏ سره»).مضي سماحته في مشروعه التفسيري الضخم،فکان قمة المراحل التي وصل إليها علم التفسير.و قد نقل عن السيد الشهيد الصدر قدس سره أنه قال بشأن الميزان:«من التبيان‏ للشيخ الطوسي والي الميزان للسيد الف سنة لم يکن لدينا تفسير جديد.الميزان أول تفسير جديد»19فالميزان‏ اذن يختزن التطور لألف سنة من الزمان.

ان الحرکة الفکرية العميقة و المستوعبة التي يختزنها«الميزان»جعلت القرآن منطلقا و غاية لها،فهي تبدأ منه و تنتهي به ضمن دائرة واسعة تحيط بالحياة الانسانية المعاصرة من‏ أطرافها کافة.و من المعلوم ان قدرة المفسر لا تظهر في اختيار المنهج فحسب و إنما في سعة الدائرة التي تحتلها حرکته الفکرية أيضا.و أهمية«الميزان»تکمن في انه احتل الدائرة الانسانية المعاصرة باقتدار و اتساق و أصالة،ببراعة استخدامه الأساليب الاستدلالية المتميزة.20.

من مؤلفاته: تفسير الميزان: وهو كتاب فريد في نوعه بتفسير القرآن الكريم، ويعتبر من التفاسير المعاصرة، رسالة في المبدأ والمعاد، حاشية على كفاية الأصول، سنن النبي (ص)، الشيعة في الإسلام، القرآن في الإسلام، بداية الحكمة ونهاية الحكمة الوحي، رسالة محمد (ص) في المنهج الإسلامي، حاشية على كتاب الأسفار للملا صدرا، رسالة في الحكومة الإسلامية، رسالة في النبوة، رسالة في الولاية، علي والفلسفة الإلهية، رسالة في علم النبي(ص) والإمام(ع) بالغيب، هذا بالإضافة إلى العديد من الكتب في مختلف الموضوعات.

وفاته: توفي العلامة الطباطبائي بتاريخ 28 محرم الحرام / 1402 هـ، بعد أن قضى ثمانين سنة في خدمة العلوم الإسلامية بصورة عامة، وعلوم شيعة آل البيت (ع) بصورة خاصة، ودفن إلى جوار مرقد السيدة المعصومة فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر(ع) في مدينة قم المقدسة.
رایکم
آخرالاخبار