۱۳۱۷مشاهدات

المرجعية الدينية الشيعية وحركة التاريخ

ولقد عمد في سبيل استحصال موافقة السلطات على إقامتها الى تقية مكثفة تنبىء عن صبر كبير جعلت النظام يغفل عما يكتنزه من خطط وغايات تسعى للإطاحة به.
رمز الخبر: ۶۱۶۹
تأريخ النشر: 16 November 2011
شبکة تابناک الأخبارية - بتول قاسم ناصر: مرت المرجعية الدينية الشيعية في تاريخ علاقتها مع السلطات الحاكمة بمراحل اختلفت باختلاف توجهاتها وتفسيرها لرؤية الإسلام لعلاقة الدين بالسياسة وأنظمة الحكم. ونستطيع أن نميز بقولنا هذا بين نمطين من المرجعية، فهناك مرجعية تقليدية لا تعد العمل السياسي من لوازم العبادة وتكاد تحصر الدين بالجانب الشكلي للعبادات فكأن الاسلام شعائر وطقوس وارتياد للاماكن المقدسة، أما التفكير بشؤون الحكم وتعامل الحكومات مع المواطنين وكيفية اقامة الدول فهذا ما لا تريد مقاربته. وموقفها هذا يحظى برضا السلطات الجائرة ومن ينصبها فتبقى تتصرف بشؤون البلاد والعباد كما تشاء أو كما تشاء لها الجهات التي تقف وراءها . وهناك أمور اخرى ملاحظة على هذه المرجعية منها أنها  تتعامل مع الناس من بعيد فهي ليست قريبة من الجماهير تتلمس همومهم وتطرح مشكلاتهم، وعلاقتها الاجتماعية بهم محدودة بحدود تحصيل الحقوق الشرعية من المكلفين بها ، ولهذا ظلت سطوتها على نفوس الناس محدودة خاصة في ظل الظروف الصعبة التي مر بها العراق والتي كان الناس ينتظرون منها دوراً  آخر للمرجعية في مواجهتها وكانوا يتوقون لممارسة الإسلام كما مارسه الثوار وعلى رأسهم الرسول (ص) وآل بيته الكرام.

كانوا يريدون منها خطابا مباشرا يتلمس جراحاتهم ومعاناتهم ويطرح مشاكلهم وما يواجهون، كانوا بحاجة الى مرجعية تؤكد البعد الاجتماعي والسياسي  للعبادة وعدم الفصل بينهما ، مرجعية ذات فهم يؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض والأرض تعني الواقع لا الخيال ، فهو يحقق خلافته لله في الأرض بأن يقيم قيم الله فيها، بأن يعكس الفكر الإلهي في الواقع ، بأن يربط ما هو جوهري بما هو واقعي ما هو عميق بما هو ظاهر محسوس.

هناك مرجعية أخرى سـماها السـيد الشـهيد الثاني محمد محمد صادق الصـدر المرجعية الناطقة أو المقاتلة - وهي امتداد للمرجعية الرشيدة التي نادى بها السيد الشهيد الأول محمد باقر الصدر - هذه المرجعية كانت تفهم هذا وتنادي به فليس الإسلام شعائر وطقوساً عبادية فقط بل هو فكر سياسي وممارسة جهادية تسعى لبناء الأمم وإقامة الدول والحضارات . كان السيد محمد محمد صادق الصدر يؤكد هذا الدور للإسلام وللمرجعية في قبالة الفهم الآخر لدورها ، مرجعية السيد الصدر تدعم النهج الثوري على كل صعيد: الاجتماعي والسياسي و الاقتصادي والثقافي وتربي الإنسان وتوجه وعيه الى ذلك . ليست مرجعية السيد الصدر حيادية من الحياة والواقع بل هي ممتلئة بالشعور بالالتزام تجاههما لأنها تعرف أن الإسلام اعتمد منهجا جهاديا غايته تغيير الحياة وبناء الدولة العادلة والفاضلة وهذا هو منهج جميع الرسالات السماوية ، فجميعها واجهت الطغاة والمتجبرين الذين سعوا الى صرف الواقع الى غير ما يريده الله ،  فالله أكبر ولا إله الا الله تعني رفض وتحدي كل من يريد أن ينصب نفسه إلها وصنما مكان الله ، تعني قمة الرفض لكل أشكال التبعية لغير الله وكل أشكال الضعف والاستكانة أمام أعداء الله ، وهذا هو دور النبوات ودور الأولياء والعلماء والمرجعيات . إن الرسالات منهج ثوري جذري شامل يهدف الى الإطاحة بكل ما يعوق سيرورة التاريخ والمجتمعات الى الله . وعبادة الله ليست غير هذا المنهج ، ليست غير الرفض والثورة ورفعها الى أعلى مستوياتها في وعي وشعور المؤمنين ، إنها قدرة قادرة على تحريك تاريخ الأمم والشعوب . ولقد طرح العلاقة بين المرجعية والجمهور ضمن نظرة جديدة اختلفت عن طرح ونظرة المرجعية التقليدية التي كانت في علاقتها مع الناس تميز بين الخاصة والعامة ، ولهذا كانت بعيدة نوعا ما عن العوام وعن تفاصيل حياتهم لاسيما وأنها تحصر العبادات في الجانب التعبدي المنفصل عن الحياة وهذه النظرة فيها تأثير سلبي على الحياة الاجتماعية عامة وقد تعبرعن نظرة متخلفة ، فالعبادات لدى المرجعية الناطقة إنما هي مسؤولية اجتماعية وسياسية  والإسلام يقترن  بغاية تغيير المجتمع حتى الوصول الى المجتمع العالمي العادل . المرجعية الناطقة تأخذ على عاتقها السعي لإقامة هذا المجتمع عندما تترك المرجعيات الأخرى هذا السعي على عاتق السماء لأنها تراه أمرا صعبا للغاية في ظل هيمنة المتجبرين على العالم وهي تؤيد الفكرة التي تقول دع الأمور تجري وشأنها حتى يتفاقم الظلم فيعجز الإنسان وعندها تتحرك السماء وتبعث المنقذ . وترى المرجعية ذات الوعي التاريخي أن فكرة الإنسان الخليفة فكرة عامة لجنس الإنسان مع اختلاف المستويات فكل سعي الى الخير مهما صغر هو استخلاف من الله للإنسان فليس على الإنسان أن يترك العمل والسعي لإقامة الدولة العالمية العادلة التي تحقق انتصار الله ،  وهذا السعي هو الذي يحرك التاريخ مهما كان حجمه وهو الذي يغير الواقع . إن كل سعي الى الخير هو موقف رافض للشر أو هو تجاوز له وهو حركة للتاريخ . غاية التاريخ هي انتصار البشرية المؤمنة وتحريرها ومن هنا ترتبط فلسفة التاريخ بالسياسة . التاريخ ليس الواقع الذي يحكمه الحاكم الظالم  والذي يبرره وعاظ السلاطين من فقهاء السلطة ويعدون الثورة عليه طلبا للفتنة ، التاريخ هو ما يجسد القيم الإلهية ويسير باتجاه الله تعالى . والإنسان المؤمن يسعى الى هذه المرحلة التاريخية التي ترتبط بها هذه القيم بالتاريخ ، فارتباط الإنسان بهذه القيم والمبادئ الإلهية هو الذي يحرك التاريخ لأنه يبقى يتفحص الواقع في ضوئها وكلما افتقدها في الواقع ثار عليه وتجاوزه حتى تتحقق كاملة في الواقع التاريخي . فالتفكير التاريخي يرتبط بالمستقبل ،هو استشراف له ومن هنا فالإمام والفقيه والقائد ليس نتاجا للتاريخ إنما هو متعال على التاريخ بمعنى أنه سابق له فكريا ، له تصور مسبق عنه وله إرادة قادرة على توجيه أحداثه الى الغايات الإلهية . الإمامة  والقيادة المرجعية كما تفهمها المرجعية الواعية موجهة للتاريخ وليست انعكاسا عنه . إن التعالي على التاريخ لا يعني عدم التفاعل معه بل يعني التفاعل الإيجابي الذي يتخذ من التجربة التاريخية الآنية خبرة تعين على بلوغ الكمال الذي يحقق إرادة الله . إن الاستهداء بغاية التاريخ تمنع الاستسلام للواقع والخنوع للحالة الراهنة التي تتناقض مع القيم والغايات العليا مهما كان حجم القوى التاريخية التي تقيمها . إن الارتباط بهذه الغايات يجعل الفكر الإسلامي ينطلق من معرفة حقيقية بعوامل التغيير . فالحركة هي حركة واعية ومسؤولة نحو قيم الله في العدل والمساواة والحق والخير والفضيلة . والمرجعية الناطقة تتمسك بهذه القيم الإلهية وتستهدي بها وتدعم منطق الرفض والنقد  لدى الإنسان الذي هو العامل الفاعل في كل عملية تغييرية  فلا بد من ثورة في المفاهيم والأفكار ليتحرك التاريخ . إن الخضوع للواقع الذي تصنعه حكومات الظلام والإقرار به هو ضد روح الإسلام التي انطلقت من قاعدة النقد والرفض .

لقد مارس السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر دوره القيادي في توجيه الفرد والمجتمع نحو ربه ونحو مجتمعه وعمل  على تكريس فكرة العلاقة بين العبادة وبين الاهتمام بالشؤون الاجتماعية والسياسية ، وهذا  أمر أكده النص الديني وليس من اجتهاد المجتهدين . في الإسلام كل عمل عبادة أي أنه لم يتعامل مع الواقع بطريقة غير واقعية ، فالدين والدنيا والإيمان والعمل أمور يرتبط بعضها ببعض ولا تقبل الفصل ولكن هذا الفصل استغل لإبعاد الجماهير عن التفكير في الدنيا أي بما يرتبط بأمر السلطة ومناقشة طبيعة ممارسة الحكام لها ، فالطاعة لازمة للحاكم مهما يفعل ، وهذا الفهم يلغي دور الشعوب ، والسيد الصدر رأى هذا الدور فاعلا فغرس فيهم ثقافة أخرى ، ثقافة وحدت بين الدين والدنيا في أذهانهم .

 سعى السيد الشهيد وعلى خطا السيد الشهيد محمد باقر الصدر الى الانتقال الى عهد ثورة فكرية ونضالية جذرية تطلبت منه أن يكون بمستوى ما يمر به البلد من الأحداث . ولقد أدى هذا الدور من قبل الى تصفية السيد الشهيد الأول الذي أسس لعمل سياسي منظم واستطاع بعبقريته الخلاقة أن يصوغ بطريقة معاصرة الفكر الإسلامي بكل جوانبه: الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وأن يضع المذهب الفلسفي الذي يعبر عن الرؤية الإسلامية الى الكون والوجود من خلال ما ذهب اليه من التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وقراءة النصوص الدينية قراءة تستند الى ثقافة موسوعية: قديمة وحديثة كما تستند الى موقف نقدي لا يكتفي بدور المتلقي . ولقد استطاع أن يخلق وعيا مناهضا للنظام الذي حارب الإسلام في كل ممارساته ولكن النظام قضى عليه ليقضى على كل فكرة تراود أذهان الناس بالتحرر والنهوض دون أن يتحسب لظهور مرجعية أخرى هي امتداد لحركة ومرجعية السيد الصدر الأول في خطها الفكري والثوري ، فلقد أراد السيد الشهيد الثاني أن يكمل الدرب وأن ينجح غايات حركة السيد الشهيد الأول مستندا الى أن الحركة قد أحدثت نتائج في التأثير في الواقع فهناك وعي جماهيري متحفز للعمل ضد النظام ولكنه يخاف من التصريح فصمم السيد الصدر الثاني أن يعزز الأول وأن يلهب الجذوة المتقدة في النفوس وأن يستعد للقيادة وللشهادة معاً.

لم تكن مرجعية السيد محمد محمد صادق الصدر تولي أهمية لضغوط النظام لأنها ترتبط بجهادية وروح فدائية تميز الخط الشيعي الثوري ، وهذا ما يجعلها تختلف عن المرجعيات والأفكار الأخرى التي تبرر الواقع وتراعيه وتحمل وصايا الإسلام وتعاليمه على التكيف معه وهذا غير ما تفعله المرجعية الصدرية فالفقيه يصوغ الفكر الإسلامي بالرجوع الى القرآن والسنة بما يجعله يكيف الواقع مع ثوابت هذا الفكر لا العكس . وهي تجد أن هناك مهمات أوسع أمامها لإعادة  تأسيس وبناء الدولة والأمة الإسلامية وهذا يتطلب من المرجع الفقيه فكرا اجتماعيا وسياسيا يتبنى هذه المهمات وينظر لها دون إن يغفل عما تتطلبه المرحلة التاريخية من العلاقات بالعالم وما يجتاح الفكر الإسلامي من نظريات وتيارات الفكر العالمي . ولقد كان السيد الشهيد على علم بحقيقة الأوضاع السياسية والإجتماعية القائمة والمؤثرات الدولية فيها ، وكان قد استوعب المفاهيم السياسية للفكر المعاصر كما استوعب المعاصرة في جوانب معرفية أخرى ، ولكن السيد الصدر لم ينطلق من المنظومات الفكرية السياسية العميقة والنظريات الفلسفية التي انطلق منها ووضعها السيد الشهيد الأول في عملية إعداد النخبة السياسية والعلمية التي أشرف على تنظيمها لأنه قرر أن يتجه اتجاها آخر لأسباب منها أن السيد الشهيد الأول أنجز هذه المهمة وقام  بإعداد نخبة متميزة من تلامذته وحملة أفكاره ومنهم السيد الشهيد الثاني، وهو يريد أن يتجه الى الجماهير العريضة القادرة وحدها على زعزعة النظام وهذه تخاطب من خلال فكر مبسط  مباشر يتناول ويعالج قضايا ومشاكل واضحة لا تحتاج الى تأويل وتناول فلسفي ، ومنها أن المهمة التي يريد إنجازها مهمة عاجلة لا تسمح له بالتبسط في العرض والشرح مما يستدعيه الدرس الفلسفي وهي التصدي للظلم الذي تعرض له الناس في العراق وتعرضت له الحياة في كل جوانبها والحوزة العلمية ممثلة بشخصيات كبار علمائها لاسيما السيد الشهيد الأول الذي سار على طريقه العلمي والنضالي وقرر أن يكمل المسيرة الجهادية التي بدأها ، لقد كان يستشعر أن الوقت أمامه ضيق وأن السلطات توشك أن تقطع عليه طريقه ولهذا قيل إنه كان يردد: ( إنني انتظر طلقة الشهادة يوميا) ، لكل ذلك قرر السيد محمد محمد صادق الصدر أن يستثمر الوقت وان يتجه بخطاب سياسي مباشر الى الجماهير العريضة لا النخبة الضيقة وهذه أغلبها من المحرومين والمستضعفين والبسطاء ممن لم تتح لهم الحياة فرصة تحصيل العلم والمعرفة أو أتاحت لهم ذلك ولكن بمستويات محدودة ، هؤلاء الذين تمتلىء نفوسهم غضبا على النظام ولكنهم يبحثون عمن يقودهم ويوحدهم ويستثمر غضبتهم ورغبتهم في الثورة . إن الذي يمتلك منطق الرفض والثورة هم الذين لا يخسرون شيئا سوى قيودهم ، هم الفقراء والمستضعفون والمهمشون . ولقد آمن السيد الصدر أن هؤلاء هم القادرون على تغيير التاريخ وتغيير مصير البشرية ، فنهاية التاريخ تنتهي لصالح هؤلاء لا لصالح المستأثرين من أصحاب الثروات والرأسماليين كما تذهب النظريات الغربية وسيكونون أئمة ووارثين للأرض أي أن الفكر الذي سيسود الأرض هو فكرهم وآيديولوجيتهم وسيكونون الأمة الوارثة والخليفة ، سيكونون خلائف الله في الأرض وهذا وعد بانتصارهم وسيادة العدل وانتهاء عصور الظلم . هؤلاء هم الذين يتجاوزون التاريخ ويحركونه باتجاه الله وقيمه وصفاته ، هم المجاهدون لتحقيق صفاته وتجسيدها في الأرض ، وهم الذين استلهموا صفاته وأخلاقه ليغيروا التاريخ باتجاهها ، فقيم الله هي التي تحرك التاريخ والمستضعفون هم الذين يجسدونها ، هم المؤهلون ليجسدوا فكرة الخلافة في الأرض ، إن القيم الأخلاقية هي التي تدفع الى الثورة والتغيير ولهذا عول السيد الشهيد عليها وعلى حملتها في نهضته العظيمة.  كان الشعب المستضعف في العراق يتحسس مصادر معاناته وهو لا يريد أن يقهر وتنتهك حرماته وتكسر مسلماته وتداس كرامته ولكنه يبحث عن قائد يوجه قواه في حركتها باتجاه إقامة دولة عادلة  . لقد قتل السيد الشهيد الأول الذي خلق فيهم وعيا مناهضا للظلم الذي يتعرضون له واستطاع النظام أن يقضي عليه ليقضى على كل فكرة تراود أذهان الناس بالتحرر ، وها هو السيد الشهيد الثاني يريدان يكمل الدرب فهناك وعي جماهيري مناهض للنظام ولكنه يخاف من التصريح  فقائدهم أصبح عبرة للمترددين والخائفين والمتعبين . ولقد أدرك السيد الصدر أن مهمته هي أن يكسر حاجز الخوف ولا بد من أن يعلم الجماهير أن تعلن عن رفضها وعن أفكارها وأحلامها في مجتمع حر وعادل  . إن الأمة الخائفة لا تصنع تاريخا ولا حضارة فلا بد من كسر حاجز الخوف . من هنا اتجه الى القيم والأخلاق يبنيها بعد أن حاول رأس النظام الفاسد أن يهدمها بكل ما أوتي من وسائل وقدرات ، لقد وجد أن عليه أن يتجه الى الإنسان الى تكوينه الداخلي لأن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ وليس العكس ، إن تغيير التاريخ هو تغيير تكوينه الداخلي . ولقد قرر أن يتجه الى المستضعفين فهم حملة هذه القيم ليقف في وجه توجه آخر للنظام في محاولة لإفسادهم وإخضاعهم وإذلالهم وقهرهم وتهميشهم ونشر الجهل والتخلف والفقر والخوف بينهم . ولم يعمد الى خطابهم من أجل تحريكهم عاطفيا بل من أجل تحصينهم بالوعي والمعرفة وبناء القيم الأخلاقية . ذكر الناس بعبوديتهم لله وما تعنيه وتوجبه هذه العبودية فهي علاقة بين الخالق ذي القيم العليا والمخلوق الذي يجب أن يتطلع الى تحصيل هذه القيم من أجل أن يوثق علاقته بخالقه . هذه العلاقة التزام بالقيم الإلهية ورفض القيم التي أراد النظام غرسها في الناس . هذه القيم الإلهية عرضها عليهم السيد الصدر وأخذ بها بنفسه قبل أن يطلب منهم الأخذ بها ليكون أولهم في الالتزام بها وأكثرهم تمسكا بها وهذا هو وصف القدوة . علاقة السيد الصدر بالقيم المطلقة حولته في نظر جمهوره  الى القدوة  والمثل الأعلى والإنسان الخليفة . لقد حافظ على هذه القيم وازداد بها تمسكا من خلال عملية تعبدية مستمرة للتخلق بأخلاق الله نقلته من الأنا الضيقة الى الانفتاح على الجمهور ، القيادة والخلافة عبور من الذات الى المجتمع ، والى ما يجب أن يكون عليه المجتمع . القيادة والخلافة هي الإمكانات التي يتمتع بها الإنسان لتغيير نفسه والتاريخ والطبيعة ، هي علاقة بين المباديء والواقع الحي ، بين السماء والأرض ، علاقة تستمد فيها الأرض من السماء وتمد السماء الأرض بإمدادها ، هي تطلع نحو السماء هي قيم روحية واجتماعية وهي حركة مستمرة باتجاه المطلق ، سعي الى أن يكون الفعل الإنساني ذا أهداف مثالية متعالية . كان يعمل على الدفع بالمجتمع الى الحالة التي يريدها الله وما ينبغي لها أن تكون في عرف الله ، فالفرد والأمة والمجتمع حركة نحو القيم المطلقة ، تطلع نحو آفاق المستقبل  . الإنسان يستمد قوته من علاقته التعبدية بالله وكلما ازداد تطلعه الى الله قويت علاقته به واتضحت السبل اليه . التطلع لا يعني الهروب من الواقع وعدم المبالاة بما يعتريه بل يعني الاستجابة له وفهمه لتغييره . لابد من التعامل مع الواقع لاكتشاف عوامل تغييره . لقد صدر السيد الصدر عن هذه القيم والأفكار وراح يعلم الناس أن الالتزام بقضايا الناس واجب شرعي وأن الجهاد ذو أبعاد مختلفة اجتماعية واقتصادية وسياسية وإنسانية عامة، ألم يدع الله تعالى الى القتال في سبيل المستضعفين من النساء والرجال والولدان ، ألم يكن إنسانيا في دعوته ؟.. أما ترك العمل والجهاد بانتظار المخلص فهذا لا يعني مفهوم الانتظار ، الانتظار عمل على الأصعدة كافة من أجل الارتفاع بالواقع وبالمجتمع الى مستوى التمهيد للكائن المرتقي .. التطلع الى الكائن المرتقي يعني التمهيد له بصناعة المجتمع والإنسان بما يمكن من ظهورالقيادة النموذجية المؤهلة لقيادة المستضعفين على مستوى العالم.   كان السيد الصدر يريد الوصول الى الجماهير الغفيرة ، الى جموع المستضعفين فقاده ذكاؤه الى التفكير بإعادة صلاة الجمعة ، فهذه الشعيرة العبادية  تركت إقامتها من الطائفة الشيعية منذ قرون لعدم وجود الحاكم العادل فقرر أن يجتهد في ذلك وان يقيمها إحياء لها ولأنها ستكون وسيلته للإجتماع بالجماهير وتنظيمها وإعدادها للمهمات الجهادية السياسية. ولقد عمد في سبيل استحصال موافقة السلطات على إقامتها الى تقية مكثفة تنبىء عن صبر كبير جعلت النظام يغفل عما يكتنزه من خطط وغايات تسعى للإطاحة به. كان فكره السياسي مباشرا يتجه الى تناول المشكلات المحيطة وتوجيه الأنظار الى مظالم النظام بعبارات وأفكار سياسية بسيطة ولكنه  يعطيها بعدا روحيا يجعلها في أسماع الجمهور أوامر من الله على لسان وليه فيجعل هذا الجمهور قادرا على أن يتجاوز معطيات الواقع  وإحداث تغييرات فيه من خلال تلك المبادىء الروحية. كان ينطلق من فكرة أن الإنسان يتعالى بروحه على الواقع ويتطلع الى المصدر الأعلى الذي يرتبط به وليس هو نتاج المؤثرات الاجتماعية والتاريخية فقط، ولولا فكرة التطلع لاستطاعت الظروف التاريخية التي حكمت الإنسان في ظل النظام البائد أن تدمغه بعبودية ثقيلة لا يستطيع الانفلات منها ولهذا حرص السيد الشهيد أن يوجه أبصارهم الى الأعالي، الى السماء فكانت خطبه في صلاة الجمعة كلها تهجد وخشوع وتوسل بين يدي الله. لقد أراد أن يذكرهم بعلاقتهم بالسماء وأن يتعالى بهم عن الواقع الذي يقيدهم بأغلال العبودية للنظام. أراد أن يقف بهم بين يدي الله القادر وأن يأخذ منهم موثقا في حضرته فكان يردد عبارات تدين النظام ومن يقف وراءه ويطالب النظام بمطالب عاجلة ويطلب من  الجماهير الملتفة به أن تكرر عباراته، إن الخشية من الله تجعل الإنسان لا يخشى أحدا غيره مهما حاول هذا الغير أن يزرع من دواعي هذه الخشية في نفسه. لقد كسر حاجز الخوف في نفوس الناس وكان النظام البائد يحكم بالخوف، وهذا هو السبب الذي دعا أسياد النظام الى التفكير بتغييره وإزاحته لأن الناس ارتفعت أصواتهم ووجدوا قائدهم والتفوا حوله وهذا يعني أن النظام سيقع في قبضة أبناء الشعب وأن العراق سيكون بين أيد أمينة عليه وعلى مصالح شعبه وسيخرج الأمر من أيديهم فبادروا الى احتلال العراق ليوجهوا الأمور كما يريدون وليحافظوا على القاعدة التي كانت تساعد النظام في حكمه  ويعملوا على عدم معاقبتها من الجماهير ثم على(عودتها) الى الحكم شيئا فشيئا.
رایکم