
أولاً: المقدمة
تبرز الحاجة إلى فهم السياسة الأمريكية في ظل "الانكفاء" التدريجي من المنطقة وتسارع وتيرة التحولات الجيوستراتيجية فيها. وتحاول هذه الورقة تلبية هذه الحاجة من خلال دراسة استقرائية للاستراتيجية الأمريكية المتبعة في خطة الانكفاء؛ وهي استراتيجية "إعادة تشكيل النظام" في غرب آسيا وشرق المتوسط. تعمل المقاربة على تشريح الاستراتيجية قدر الإمكان ميدانيًّا، من خلال تفكيك الخطة الأمريكية، وتوزيع عناصرها إلى لاعبين وصراعات وساحات، وتهدف إلى محاولة فهم كيفية تعامل الأمريكي مع مختلف اللاعبين، ورؤيته العملانية تجاه الصراعات، وحركته في ساحات الصراع الرئيسة. تكمن أهمية الدراسة في تقديم رؤية شاملة للسياسات الأمريكية، وتوضيح المشهد الكلي الحالي والمستقبلي للحراك الأمريكي، والآليات الأمريكية المتبعة في التأثير، وإدارة الخسائر، والتعويض عن الفراغ القيادي. الأمر الذي يكشف الكيفية التي تخدم بها استراتيجية "إعادة تشكيل النظام" مفهوم الانكفاء؛ بما يساهم في بلورته، ويوفّر منطلقًا لإمكانية البحث عن عناصره وأبعاده وتطبيق معالمه ميدانيًّا.
إنّ الحركة الأمريكية في منطقة غرب آسيا، كما تظهر الدراسة، تحددها الحاجة إلى وضرورة تخفيف الأعباء عن واشنطن. وتاليًّا، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هندسة الإقليم بكل موازين القوى المتواجدة فيه كخيار استراتيجي في خدمة الانكفاء الأمريكي. وعمليًّا، يفيد الانكفاء إقدام واشنطن على اعتماد سياسات ما كانت موضع قبول سابقًا كونها تتسم بطابع الضعف، في مقابل التراجع عن سياسات ذات أولوية في نهج الولايات المتحدة القيادي. وبمعنى آخر، يشير الانكفاء إلى انقضاء زمن القرارات العسكرية الحاسمة في الهيمنة الأمريكية على منطقة غرب آسيا. إنّ تكاليف واشنطن بعد عقدين من التدخل المباشر في ملفات المنطقة على كل من المستوى الدولي والإقليمي والداخلي دفعت لخيار الانكفاء. لقد زادت أعباء التحديات في منافسة القوى العظمى، وفي مواجهة تنامي محور المقاومة، وفي تقديم الحلول للأزمات الأمريكية الداخلية؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، وأمام الاضطرار إلى التخلّص من تكاليف سياساتها في المنطقة بالتوازي مع الحاجة إلى تأمين الأمن القومي الإسرائيلي عبر كبح نفوذ محور المقاومة، كانت استراتيجية "إعادة تشكيل النظام"؛ بما يحتمل الأمريكي أن يخفّ معها خسائر الانكفاء وضبط عملية استثماره، بالحدّ الأدنى، من قبل المحور. لذا، تتحرك الولايات المتحدة لاحتواء الهزائم الأمريكية في المنطقة من جهة، ومنع المحور من توظيف انتصاراته، من جهة أخرى، وذلك عبر استمرار استنزاف المحور، وإبقائه في حالة دفاعية بالتوازي مع تفادي تورط قواتها العسكرية في أي مواجهة مباشرة.
وتتوزّع محاور الدراسة على العناوين التالية: اللاعبون (الخصوم؛ المنافسون؛ الأعداء؛ الحلفاء)، خطوط الصراع الحالية (صراع المقاومة/العدو؛ الصراع الوهابي/الإخواني؛ الصراع التركي-الروسي/الغربي)، ساحات الصراع (ليبيا؛ فلسطين؛ سوريا؛ حوض المتوسط؛ لبنان؛ العراق).
استراتيجية إعادة التشكيل هي خطة تمكّن صانعي القرار من إعادة صياغة أو ترتيب اللاعبين المتعددين عبر التأثير بهم مع عدم القدرة على السيطرة عليهم. لذلك، يكمن الهدف في حفظ مصالح الصناع أنفسهم بالاستفادة من الفرص والتحولات والمنعطفات التي تصب في زيادة معدلات النمو والربح. هكذا، يؤمّن مفهوم إعادة التشكيل تعزيز سلوك اللاعب في التكييف الفعال بغية إدارة الخسارة عبر تحديد المخاطر، وقياس تأثيرها المحتمل على الأداء، وتحديد أفضل طريقة لإدارتها، وذلك بما يقلل الخسائر، ويوائم المخاطر مع استراتيجية العمل الشاملة، ويكسب فوائد جديدة.
تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على دور مركزي مؤثر في غرب آسيا في ظل الظروف الجديدة التي لم تعد تسمح لها بممارسة هيمنة منفردة في المنطقة، فهناك قوى دولية متعددة تنافس الأمريكي وتمنعه من حرية الحركة والتفرّد في تحديد قواعد السلوك السياسي والأمني.
بعد ثلاثة عقود من التدخل الامريكي في الكويت، آب 1990م، شكّل احتلال العراق عام 2003م بتكاليفه المرتفعة وتداعياته السلبية نقطة تحول في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، واختلفت السياسة الأمريكية تمامًا؛ واتخذت مسار "الانكفاء"، وتقليل الأهمية المباشرة للشرق الأوسط، والنفور من أو الاحجام عن التدخل العسكري فيها، والخروج من "الحروب التي لا نهاية لها"، تحت وطأة عدة عوامل، أهمها تحول الرأي العام الأمريكي، وتزايد الإنتاج المحلي للنفط والغاز، وحاجة الولايات المتحدة إلى تحويل الموارد والانتباه إلى أوروبا لمواجهة روسيا، وإلى آسيا لمكافحة تمدد الصين.
وفي ظل نهج تخفيف التركيز على منطقة الشرق الأوسط، تحاول أمريكا التوازن ضمن لعبة الصراع الاستراتيجي على النفوذ عبر محاولة إعادة تشكيل النظام (فاعلون وساحات) بما يسمح بالتحكم بمسار الصراعات قدر الإمكان، وبالتأثير بتحركات اللاعبين الفاعلين وضبط علاقاتهم وتوازناتهم حيث يمكن المحافظة على قدر من الوجود والدور في النظام الدولي الصاعد.
يمكن إيجاز الأهداف والسياسات العامة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بالتالي:
ثانيًا: عملية إعادة التشكيل
تعريف الخصم: قوة تواجه النفوذ الأمريكية بشكل براغماتي وغير جذري.
يعزز الخصم الروسي نفوذه في المنطقة ويثبت مركزه ضمن القوى الإقليمية، في ذات الوقت الذي يحافظ فيه على علاقات جيدة مع معظم دول المنطقة، بما في ذلك شركاء الولايات المتحدة الأمنيين.
الصين هي الخصم المنافس الذي تخشى أمريكا صعوده في عالم اللاقطبية والفوضى العالمية الجديدة في ظل مؤشرات تفكك الإمبراطورية الأمريكية من التراجع والانكماش الاقتصادي، والأزمات الاجتماعية والصحية والسياسية الداخلية والخارجية، وهي تزحف ببطء نحو غرب آسيا مسلّحة برأسمالها الضخم، لاسيما الاقتصادي والتكنولوجي العسكري.
تعريف المنافس: قوة صديقة للولايات المتحدة لكنها تنافسها على النفوذ.
تركيا منافس حليف لأمريكا وليس شريكًا، يطلق بعض الساسة والباحثين الأمريكيين عليها اسم "الحليف المعقد"، بينما يرى البعض الآخر أنها لم تعد حليفة. ما زالت عضويتها مستمرة في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وفي التحالف ضد داعش بقيادة الولايات المتحدة رغم توتر العلاقات بين البلدين، كما تحافظ على علاقاتها الدبلوماسية والمالية مع "إسرائيل" مع استمرار دعم حماس وتقديم نفسها على أنها الداعم الأكبر للفلسطينيين. وتشكّل شراكة تركيا مع الخصم الروسي في المشاريع الاقتصادية والعسكرية والتوسعية موضع قلق للأمريكي.
فرنسا منافس شريك تخضع للسياسة الأمريكية القائمة على تحقيق مصالحها قبل أي شيء آخر، لذلك تصطدم فرنسا معها في عدة دول، وتخضع للحساب والتأديب إذا ما حاولت التغريد خارجًا، وتتعرّض للابتزاز الأمريكي عند الحاجة.
تعريف العدو: قوة مقاومة مناهضة لمشاريع الهيمنة الأمريكية.
إيران العدو اللدود الذي كسر الهيبة الأمريكية بالصمود والمواجهة. تقود إيران محور المقاومة الذي يعرقل أو يفشل مشاريع الولايات المتحدة ووكلائها، ويهدد وجود "إسرائيل"، فضلًا عن أنه الضاغط الأكبر في انحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة. وسوريا هي محور التعاون الروسي الإيراني، والنقطة المركزية العربية في الممانعة. يشكّل حزب الله في لبنان ركيزة خط المقاومة ضد العدو الصهيوني والمطامع الأمريكية. ويتصاعد القلق الأمريكي من نمو قدرات المقاومة الحوثية في اليمن واكتسابها الشرعية السياسية كحزب الله. كما تعدّ فصائل المقاومة العراقية قوى فاعلة في اجبار الأمريكي على إعادة تقييم سياساته في العراق ودول الجوار.
تعريف الحليف: قوة متعاونة مع الأمريكي في تحقيق الأهداف والمصالح التي يفترَض أنها مشتركة بينهما.
"إسرائيل" حليف عميل يخضع للإرادة الأمريكية ويحتاج للرعاية والحماية والغطاء منها باستمرار. يحافظ الأمريكي على مركز التفوق العسكري لها على سائر الحلفاء، لكنه يرفض انشائها قطب مستقل موازن للقطب الأمريكي في ذات الوقت، خصوصًا مع ميولها للاتجاه شرقًا وعلاقاتها شرقًا وعلاقاتها المتقدمة مع روسيا والصين.
الحلفاء العرب حاجة أمريكية لتشكيل ملامح النظام الإقليمي الجديد. وهم يساهمون في الغطاء السياسي لحماية "إسرائيل" وتأمين وكالتها المستقبلية لقيادة المنطقة العربية ضد إيران. وعلى الرغم من خدمتهم في فلك القيادة الأمريكية، إلا أن ترامب عمل على كبح اندفاعات كل منهم والضغط عليهم بذريعة عدم تقديمهم ما يكافئ الدعم الأمريكي لهم، لتحصيل ما يراه حقًّا أمريكيًّا؛ فكان مبدأ "المال مقابل الحماية" بالدفع المباشر أو بقبول صفقات الأسلحة الأمر الذي أثقل تلك الدول. تشكل المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة خاصة سوقًا استهلاكيًّا متناميًّا للأسلحة؛ ثلاثة من أكبر أربعة مستوردي أسلحة في العالم (ثلث واردات العالم من الأسلحة 2013-2017) بمعدل يفوق ضعف حصتها مقارنة بفترة الخمس سنوات السابقة. تعد مصر والأردن بمثابة الحليف المتعثر الذي يستثمر فيه الحليف الآخر، والسعودية هي الشريك الكتوم الذي يدرّ الأموال مقابل الحماية، ومع تراجع النمو الاقتصادي فيها وما تعانيه من فشل داخلي وخارجي استبعِدت تدريجيًّا من مشهد القوى الإقليمية الفاعلة في ملء الفراغ الحاصل.
الصراع هو نتيجة تمدد تأثير النموذج الإسلامي الإيراني في مقاومة المشاريع الاستعمارية، وما نجم عنه من ازدياد للنفوذ الإيراني خارج الحقلين الجغرافي والقومي؛ تمثّل في دعم المقاومين لا سيما حزب الله الذي يتوعد الكيان "الإسرائيلي"، ويحظى بشرعية سياسية زادت نفوذه حتى صار فاعلًا غير حكومي عابرًا للإقليم، تخشى أمريكا من معاودة تجربته في اليمن والعراق. يرى الأمريكي هذا الصراع تهديدًا بعيد المدى ومتعدد الأذرع، وقابل للاستمرار بصلابة؛ غير قابل للمرونة.
استغلال الصراع لشق العالم السني ومنعه من استعادة أي دور قيادي قوي له، ومنعه من الدخول في التعددية القطبية والاتجاه شرقًا، وإحكام قبضة "إسرائيل" عليه، وخاصة دول الخليج فيه لموقعها بالنسبة لإيران.
تسعى أمريكا إلى موازنة القوى التركية الروسية الغربية في الصراع على موارد الطاقة بما يضمن عدم تبوء إحدى القوى مركز القيادة في المنطقة.
إن خط الصراع الأول في المنطقة هو صراع المقاومة/العدو، وخط الدفاع الأول في مواجهة الهيمنة الأمريكية في المنطقة، وقد شكّل الصراع ضد المصالح الأمريكية والتهديد الوجودي للكيان الغاصب النقطة المحورية في الصراعات القائمة، واستهداف اللاعب الإيراني ومن يمثّله هو الهدف المركزي الأول من كل الصراعات.
يتوزع الفاعلون اللاعبون على خطوط الصراع الدولي الإقليمي، وتتداخل ديناميات الصراع بين مختلف الساحات وفق نمط أقرب إلى الأمواج الارتدادية، حيث يؤثر كل صراع على الآخر، ويتأثر به. ويبرز تدخل اللاعب الأمريكي ما بين الفاعلين في مختلف الساحات وفق المصالح مستفيدًا من عاملي المشتركات والتناقضات مع الفاعلين، والثغرات الموجودة في حيثية تحرك كل منهم ليحدد السياسات الخاصة بكل ساحة.
إن الفشل الأمريكي في أفغانستان والعراق فجّر الأزمة السورية وسمح بالتنافس الإقليميًّ. بيد أن العجز عن تسوية المسألة السورية ارتدّ إلى العراق مجددًا وتوسّع إلى لبنان وليبيا. ومع إنجازات المحور في اليمن والخوف الأميركي من خسارة تحالف العدوان المعركة في مأرب مع ما تعنيه من نصر عسكري واستراتيجي للمحور، فلجأ الأمريكي إلى زيادة الضغط على لبنان في محاولة للمقايضة مع ملف اليمن. وفي رد فعل لخطوة حزب الله في لبنان في كسر الحصار النفطي، اتخذ خطوات اضطرّ معها لتخفيف قانون قيصر عن سوريا عبر السماح بتمرير الغاز الأردني عبر الأراضي السورية، وعدم معاقبة دول التطبيع العربي لدمشق، وفي مقدمتها الإمارات.
إن ضعف السياسة الأمريكية في محاصرة محور المقاومة كان له تداعيات استراتيجية، أبرزها: انشاء الأمريكي حلف براغماتي ضد إيران بشكل مباشر، وضد تركيا بشكل غير مباشر؛ تصاعد اللاعب التركي ضمن القوى الإقليمية، وتوسّع نفوذه على حساب التحالف مع الأمريكي في سوريا وباتجاه شمال أفريقيا؛ زيادة تهديد تنامي النفوذ الشرقي، الروسي والصيني، على حساب النفوذ الأمريكي، لجهة التوسع في دول المحور.
غذّت أمريكا الانقسام الخليجي بدعمها التيار الوهابي على حساب تيار الإخوان، وأدى الانقسام إلى انقسام إقليمي ودولي يتماشى مع مصالح الدول بطرفي الانقسام (قطر، الإمارات) وبعدما أضعفت التيارين حشدت الدول المتعثرة اقتصاديًّا تحت قيادة سنية إماراتية صاعدة لمواجهة التركي والإيراني. أما الحليف التركي فقد أدخل نفسه في صراع القوى الإقليمية، لكن مع الاستمرار في التشابك في النزاعات الداخلية والصراعات المحلية؛ الأمر الذي يؤثر على دوره صعودًا وهبوطًا، وإن كان سيبقى بالحد الأدنى محفوظًا على حدوده الجنوبية. ويهدف الأمريكي إلى المحافظة على تعددية القوى الإسلامية التي ترفع لواء الحقوق الفلسطينية بدلًا من حصرها بيد القوى الثورية (محور المقاومة). وتاليًا، الحفاظ على الدورين التركي والقطري السلميين في دعم القضية الفلسطينية منعًا من تحوّل إيران إلى قيادة العالم الإسلامي. وعاد مؤخرًا الدور المصري والأردني إلى الساحة الفلسطينية ما بعد عملية سيف القدس في محاولة لتحسين العلاقة ما بين السلطة الفلسطينية والإسرائيلية لمواجهة حماس وخلاياها في الضفة.
أمام هذه التحولات، تحاول إيران باستراتيجياتها الواضحة في مواجهة الأمريكي الحفاظ على تماسك عمليات صنع القرار المناوئة للسياسة الأمريكية الاستكبارية في لبنان وسوريا والعراق واليمن. وتعمل على إفشال الضغوط والعقوبات الأمريكية عليها وعلى حلفائها في المنطقة بالصمود ومحاولة تعديل موازين القوى الإقليمية والتأثير في الاصطفافات الدولية لصالح محور المقاومة. وإذ تصعّد إيران الدينامية العسكرية لمحور المقاومة في العراق ولبنان واليمن وسوريا مع الحفاظ على رسم خطوط حمراء للأمريكي، فإنها تعتمد الدينامية السياسية والأمنية المرنة بإدارة المشاكل مع الدول الأخرى.
تعمل إيران على احتواء الخطوات المتعارضة مع مصلحة محور المقاومة، واستيعاب التحديات بطريقة تشاركية وصولًا إلى تفاهمات سياسية وأمنية تحقق المصلحة العامة لمحور المقاومة في المقام الأول، كما حدث مثلًا في تفاهماتها مع تركيا على الرغم من اختلاف الرؤى بينهما حول الأزمة السورية، أو احتواء الممارسات الأمريكي في محاولة إحداث الشرخ ما بين إيران والعراق. وهكذا، تلجأ إيران إلى اعتماد العقلانية القيمية في العلاقات البينية مع المحافظة على البوصلة باتجاه القضية الفلسطينية والتنسيق والتعاون مع مختلف الجماعات المقاومة على اختلاف توزعها الجغرافي والمذهبي في مواجهة النفوذين الأمريكي و"الإسرائيلي".
ثالثًا: خلاصة عامة
إن الانكفاء الأمريكي من المنطقة وخفض مستوى الالتزام المباشر بقضاياها خير دليل على الخسارة التي منيت بها السياسة الأمريكية في المنطقة، وقد بدأت حلقات الفشل الأمريكي مع نهاية الحرب العراقية-الإيرانية مرورًا بتقويض مشروع الشرق الأوسط الجديد، والمواجهة عبر الوكلاء من الحركات التكفيرية، وصولًا إلى استنفاذ كل طرق المجابهة في حملة "الضغوط القصوى" و"الإرهاب الاقتصادي". لقد فشلت السياسات الاستراتيجية الأمريكية في احكام الهيمنة على منطقة غرب آسيا مع مواجهة النظام الإسلامي بنموذجه المقاوم لمخططاتها الاستعمارية ولمحاولاتها في تفتيت المنطقة والسيطرة على مواردها، تمامًا كما عجزت خلال العقدين الماضيين عن التخلص من التهديد الإيراني لها بقيادة محور المقاومة من العراق إلى اليمن.
لم تستطع أمريكا الحد من تصاعد نمو محور المقاومة وصموده على الرغم من الأدوات المتعددة والمتنوعة التي لجأت إليها في الحرب الهجينة التي شنتها على محور المقاومة. لقد لجأ الأمريكي إلى استراتيجية إعادة تشكيل النظام الإقليمي الجديد منذ خمس سنوات تقريبًا للحفاظ على ماء الوجه قدر الإمكان. وقد شكّلت المواجهة حول منطقة "حلب" النقطة المحورية في تبلور الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، حيث حسمت تقريباً نتائج الحرب السورية، وبدأ معها الخلاف الأمريكي التركي حول الكيان الكردي، وشكلت نقطة تحول في التموضع الروسي في سوريا والمنطقة.
سعت الإدارة الأمريكية إلى صياغة الصراع في دول محور المقاومة للحصول على أكبر فائدة ممكنة بأقل كلفة، وقد جنّدت لذلك عدة آليات تغيرت وفق حسابات المصالح والخسائر والأرباح؛ كان أبرزها المواجهة في المنطقة الرمادية، والمعركة بين الحروب، واعتماد بعض الدول والقوى بصفتها منطقة عازلة كنقطة مرونة في التعامل مع الأعداء والخصوم.
ويبدو النجاح الأمريكي في هذه الاستراتيجية نسبيًّا لكن غير قادر على حسم النتيجة الكلية لصالحه. فمن جهة، الأمريكي عاجز عن التحكّم كليًّا بمسار الصراع مع تجاوز القوى الإقليمية والدولية الصاعدة الهيبة الأمريكية. بيد أن الأمريكي يسجل نقاط نجاح موزعة ذات وتيرة غير نمطية عبر عرقلة تمدد هنا أو هناك. والأكيد أن التطبيع يشكّل نقطة نجاح في محاولة تأمين موقع ونفوذ لـ"إسرائيل"، لكن تبقى فعالية الخطوة في الرهان على دول تعيش الخواء العقائدي والأخلاقي هي المعيار.
تعيش أمريكا القلق من تداعيات تزايد اهتمام الصين بمنطقة الشرق الأوسط ضمن استراتيجية "التنين الحذر"، والخوف من تنفيذ استراتيجية "الحزام والطريق"، وما يعنيه من مكاسب اقتصادية كبرى للصين وإيران والدول التي يمر بها طريق الحرير البري والبحري. وعلى الرغم من أن الثقل الصيني الدبلوماسي والعسكري في المنطقة يراه الأمريكي خفيفًا، إلا أنّ استدارة الدول باتجاه الشرق من شأنه تغيير توازنات المنطقة. وفي مواجهة هواجسها من صعود الخصم الروسي وتزايد النشاط التركي ونمو ثقله الإقليمي والدولي، تسعى أمريكا إلى التأثير في ديناميات المنطقة بشكل تحدّ فيه من تنامي قدرات هاتين القوتين الصاعدتين، وتضبط خسارة نفوذها أمام تصاعد تأثيرهما. لذا، فإنها من باب التأثير في منافسة القوى الكبرى على مستقبل النظام الدولي تعمد إلى شرذمة القوى، كل على حدة، منعًا من تفوق أي منهما، إضافة إلى محاولة احتواء التهديد الصادر عنهما لكن دون استخدام العسكر كأداة بارزة، بل اللجوء إلى المشاركات الدولية، والوكالات المحلية، والتحالفات.
إن تركيز صناع السياسة الأمريكية على "أمريكا أولًا" والشرق الأقصى ثانيًا، وتخفيف الالتزام بقضايا الشرق الأوسط لا يعني التخلي عن المصالح الأمريكية في المنطقة، وإنما إعادة صياغة السياسة بما يخفف الكلفة عن واشنطن ويحافظ على نفوذها في ذات الوقت، ويتوازن مع نفوذ القوى العظمى فيها. ترتب أمريكا أولوياتها في المرحلة الحالية والمقبلة وفق دوافع ثلاثة: الحاجة إلى التأثير على المنافسة الجيوسياسية داخل المنطقة، ومواجهة السلوك الإيراني بشكل أكثر فاعلية، والحاجة إلى تركيز اعتماد الوكالة في التحرك بالمنطقة. وهي تحاول الاستفادة مما تعانيه المنطقة من انعدام الأمن الاقتصادي والدفاعي وإطلاق العنان لمسمى "الدبلوماسية الأمريكية المتوحشة". لذلك تقتضي المرحلة المقبلة بحساسيتها وخطورتها تقويض كل ما من شأنه ان يحقق الاستقرار او النجاح للمخطط الأمريكي في المنطقة.
المصدر:مركز دراسات غرب اسيا