۴۷۶مشاهدات

استشراف موقف: ما بعد الانتخابات العراقية

رمز الخبر: ۵۷۹۱۵
تأريخ النشر: 01 October 2021
استشراف موقف: ما بعد الانتخابات العراقية

في ربيع عام 2021، أجرى معهد دراسة الحرب (ISW) سلسلة من ورش العمل مع خبراء داخليين وخارجيين للتنبؤ بالمسارات الأكثر ترجيحًا والأكثر خطورة للدولة العراقية في الأشهر الثمانية عشر المقبلة. قدمت تلك الورقة استنتاجات بحث ISW والتقييمات الأولية للمسارات الأكثر ترجيحًا والأكثر فائدة والأكثر خطورة لمصالح الولايات المتحدة واستقرار العراق في ذلك الإطار الزمني. ووفرت هذه الورقة أيضًا سلسلة من السيناريوهات البديلة مسلطة الضوء على المؤشرات التي يمكن أن تساعد صانعي السياسة في الولايات المتحدة على توقع التأثيرات وفهم تداعيات الأحداث الكبرى بشكل أفضل عند وقوعها.
استندت الورقة إلى تقييمات الإستقرار في العراق الواردة في ورقة شبيهة سابقة تحت عنوان: عراق هش، لا يائس: كيف تقوض هشاشة العراق الإستقرار الإقليمي.

أولاً: في الحال والواقع العراقي الراهن

وجد معهد دراسة الحرب (ISW)  في الورقة الجديدة  أن الدوافع الداخلية في العراق ستعزز الوضع السياسي الفاسد الراهن، مما يوفر استمرارية قصيرة الأجل دون معالجة مشاكل الدولة العميقة الجذور.
واعتبرت أن معظم النخب السياسية في العراق، ولا سيما مجموعة قادة الفصائل السياسية الشيعة والأكراد الذين تقاسموا السلطة منذ عام 2006، قد امتلكوا النظام السياسي القائم على الغنائم. سوف يحافظون على استثمارهم المربح ويتجنبون كل صراع أو حرب أهلية طالما أنهم يحتفظون بنصيبهم من الغنائم.
وتوقعت الورقة أنه لن يؤدي استمرار الحكم بعد الإنتخابات البرلمانية لعام 2021 إلى تحسين نوعية حياة الشعب العراقي، ولكنه قد يزيد من استقرار الدولة على المدى القريب إلى المتوسط المدى ويخلق مجالًا لتطوير نظام جديد. ومع ذلك، فإن الوضع السياسي والإقتصادي الواقع في العراق لا يمكن تحمله في نهاية المطاف.
 
 
ثانياً: التأثير الإقليمي و"الخطر الإيراني"

اعتبرت الورقة إن استقرار العراق، من نواح كثيرة، خارج عن سيطرته. فمن المرجح أن تطغى ديناميكياتها الداخلية الصعبة على ديناميكيات إقليمية أكبر وأكثر تهديدًا. حيث تلعب كل من إيران والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى وإسرائيل وتركيا صراعاتها على الأراضي العراقية، مما يؤدي إلى زعزعة استقرار العراق والشرق الأوسط الكبير. من بين هذه الصراعات (حسب من تشير الورقة)، تعتبر تلك التي تتعلق بإيران هي الأخطر والأكثر خطورة على العراق والمنطقة. يجب أن تعمل الولايات المتحدة على إدارة أو قمع النزاعات الخارجية الأكثر سلبية، وبالتالي إفساح المجال أمام النظام المحلي العراقي ليتطور إلى نظام أقوى وأقل فسادًا وأكثر تمثيلاً.
وأكدت  الورقة أنه على الولايات المتحدة (بمواجهة خطوات إيران في العراق) أن تواصل السعي من أجل عراق أقوى وأكثر ديمقراطية واستقلالًا يمكنه توفير حاجزاً إقليمياً للتخفيف من حدة النزاعات المستقبلية.

ثالثاً : توصيات ورقة معهد دراسات الحرب

حددت الورقة 4 أولويات للسياسة الأمريكية في العراق وطالبت صانع القرار الأمريكي بأن يوازنها بدقة. وأكدت على:

أ‌_الإستمرار في تقديم المساعدة والتدريب والمشورة الأمريكية لكل مستوى من مستويات قوات الأمن العراقية. لا تزال مهمة مكافحة داعش المستمرة تعتمد على دعم المخابرات والمراقبة والإستطلاع الأمريكية (ISR) لقوات الأمن العراقية. سيحافظ الدعم الأمريكي على الهزيمة الدائمة لداعش ويمنع عودة ظهور هذا التهديد بينما يساعد في بناء جيش عراقي أكثر احترافًا. في غضون ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تقدم مشورة هادفة وصغيرة الحجم وتدريب لقوات الأمن المسؤولة عن حماية كبار المسؤولين في الحكومة العراقية. يمكن لهذا الدعم أن يمكّن هؤلاء المسؤولين من اتخاذ الخيارات الصعبة الضرورية لتأمين مستقبل العراق مع حماية أنفسهم من التهديدات الخارجية والمحلية.
ب‌_ ردع وعرقلة التدخل الإيراني في العراق قدر الإمكان. حيث أنه من من المحتمل أن ينظر النظام الإيراني إلى مفاوضاته النووية مع الولايات المتحدة على أنها منفصلة عن الهجمات بالوكالة في العراق، الهدف الأساسي من تلك الحملة هو طرد القوات الأمريكية من العراق بدلاً من تشكيل المفاوضات الأمريكية الإيرانية. لذلك يجب أن تكون الولايات المتحدة أقل قلقًا من أن مفاوضاتها ستخرج عن مسارها بسبب ردود الولايات المتحدة على الأنشطة والهجمات الإيرانية الخبيثة في العراق. يُعد الرد على هجمات الوكلاء الإيرانية التي تهدد القوات الأمريكية والمنشآت داخل العراق عنصرًا ضروريًا لإعادة إرساء الردع ضد إيران وشبكة الميليشيات التي تعمل بالوكالة عنها. يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تستدعي أنشطة إيران السياسية والإقتصادية الضارة في العراق، بما في ذلك التهريب وشراء الأصوات وتهديد النشطاء.

ت‌_استخدام التعاون الدبلوماسي والأمني مع شركاء وحلفاء الولايات المتحدة الإقليميين لتثبيت الأنشطة المزعزعة للإستقرار داخل العراق. لدى تركيا وإسرائيل والمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى القدرة على زعزعة استقرار العراق بشكل كبير من خلال ردودهم على الأنشطة الإيرانية هناك. يجب على الولايات المتحدة العمل مع هؤلاء الشركاء لخلق نهج إقليمي مشترك للعراق يدير بشكل أفضل التهديد الذي يشكله ترسيخ إيران في الدولة.

ث‌_ دعم مطالب حركة الإحتجاج الشعبية في العراق وجهود المجتمع المدني طويلة المدى لوضع الأساس لنظام عراقي أكثر تمثيلاً. من المرجح أن يكون للمشاريع الأمريكية التي تضع شروطاً للمشاركة المدنية طويلة الأمد التأثير الإيجابي الأكبر على مستقبل العراق. على المدى القريب، يعني ذلك تشجيع مشاركة الناخبين وشفافية الإنتخابات واستدعاء الجهات التي تهدد أي منهما. يجب على الولايات المتحدة أيضًا أن تنظر في دعم جهود المجتمع المدني مثل الحكومة الطلابية، أو فصول التربية المدنية، أو نوادي المناظرة التي تُعرّف الجيل القادم من العراقيين بالعناصر الأساسية للديمقراطية العلمانية والتشاركية. يمكن لمثل هذه البرامج أن تساعد في مواجهة البرامج الخبيثة التي تدعمها إيران والتي تعمل على تلقين الشباب المستضعفين أيديولوجيات متطرفة وزعزعة استقرار الدولة العراقية.
وخلصت الورقة أنه يجب على صانعي القرار الأمريكيين التعامل مع مشكلة العراق ليس فقط من أجل توقع واستباق الأحداث السياسية والأمنية الهامة للأشهر الثمانية عشر القادمة، ولكن أيضًا من خلال نهج حكومي كامل يهدف إلى وضع شروط لعراق أكثر استقرارًا. النظام في العقود القادمة. هذه النتيجة وحدها جديرة بالإستثمارات الأمريكية والعراقية التي استمرت 18 عامًا.
 

تحليل:

على بعد 12 يوماً من الإنتخابات النيابية المبكرة في العراق يمكن القول من تحليل عدة مؤشرات برزت في الأسابيع الماضية  أن الولايات المتحدة الأمريكية فضلت "عراقاً يعيش استقراراً متحكم به" على ترك العراق يتجه بشكل كامل إلى محور المقاومة فمنذ اغتيال الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس باتت أميركا تخسر يومياً أوراقاً راكمتها على مدى 18 عاماً في العراق وعلى رأسها التحالف المحلي الهجين الذي استعانت به في حراك تشرين 2019 والذي جمع في خانة واحدة (منظمات المجتمع المدني وفلول نظام صدام السابق – والتشكيلات السياسية الشيوعية واليسارية والعلمانية – فضلاً عن اتجاهات سياسية شيعية وسنية تراجعت كثيراً في السنوات الماضية) جاءت ردة فعل الشعب العراقي الشاملة على اغتيال القادة إعلاناً لبدء توقيت نهاية العودة الأمريكية السهلة عام 2014 وجاءت ردة فعل المقاومة العراقية أشد إيلاماً حيث عاودت تشكيلاتها الأعمال العسكرية اليومية المرفقة بوعد بطرد الأمريكيين خارج العراق وبشكل أكثر إذلالاً مما حصل بعد الإنسحاب الناقص عام 2011. سعت واشنطن بشكل متسرع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فخلت تشكيلاتها الهجينة التي عاثت فوضى في الشارع، ووافقت على إعادة تشكيل الحكم بما تيسر وأعادت تشكيل المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية بما يناسبها. ووافقت على قانون انتخابات لا يرتقي إلى طموحها بإعادة تشكيل الحياة السياسية في العراق مفضلة نقل كرة التنازع من ملعبها إلى ملعب خصومها بفعل ما يحتويه هذا القانون المفخخ من احتمالات بفوز قوى تعتبر مناكفة لخصومها بثلث المقاعد أو بربعها على الأقل وبذلك ينتقل النزاع مجدداً إلى الداخل العراقي بفعل الخلافات على توزيع السلطة ودور العراق المستقبلي وسياساته. وفي الطريق قدمت رزمة كبيرة من المحفزات للحكومة العراقية على المستويات الإقليمية والدولية والحضور الوازن في المحافل العالمية وذلك لتحييد وإبعاد الحكومة ومؤسسة القرارين العسكري والسياسي عن التموضع بشكل قريب من القوى المحسوبة على محور المقاومة وذلك بفعل الجذب الذي تقدمه هذه المحفزات التي كان آخرها وعد بايدن لرئيس الحكومة العراقي بتغيير مهمة القوات العسكرية المنتشرة في العراق من قوات مقاتلة إلى قوات مهمة تدريبية واستشارية.
سعت واشنطن بقوة لإلغاء أو تأخير الإنتخابات ولكنها لم تستطع بسبب عوامل (سياسية ومقاومة وشعبية حيث أن المزاج الشعبي الذي جرت تعبئته قبيل حراك تشرين 2019 لم يكن أبداً في وارد الإنسياق مع إلغاء أو تسجيل الإنتخابات) ففضلت القبول بما رشحته التقديرات والتوقعات من إمكانية بروز كتلة معارضة قد تتعدى ال 25 % يمكنها بدون أن تبذل واشنطن أدنى جهد أن تناكف الأغلبية القادمة وتخريب ما أمكن من أعملها أو تأخيره قدر المستطاع وهذا عين ما كانت أميركا بحاجة إليه في الأشهر الثمانية العشر القادمة.
ما أن بدأت مرحلة التحضير للإنتخابات حتى انكفأت واشنطن عن المشهد بشكل ملفت ودفعت بحلفائها الأمميين والأوروبيين والعرب إلى الواجهة من خلال تكليفهم بمهام المراقبة والدعم اللوجستي والفني والتدريبي بشكل يبدو ظاهراً للعالم أن تلك الإنتخابات هي أفضل انتخابات عقدت في العراق منذ احتلاله عام 2003. إلا أن أمريكا هي أمريكا ولا تستطيع التخلي عن خططها كلياً فظهر من خلال مسار الحملات الإنتخابية مجموعة من العناصر التي أكدت أن أميركا لازالت لاعباً مركزياً في الصورة ويمكننا تحديد هذه العناصر بما يلي:

1_الإرتفاع المفاجئ واللافت من حيث الكم والنوع لوتيرة العمليات المرتبطة بعنوان داعش في محافظات حساسة انتخابياً لخصوم واشنطن وتزامن ذلك مع بداية مرحلة الحملات الإنتخابية.

2 _الإرتفاع اللافت والمفاجئ للدكات العشائرية و للإشتباكات المسلحة العشائرية في مناطق حساسة وذات ثقل انتخابي محسوب على خصوم أمريكا.

3 _الإرتفاع الكبير في نسبة الجريمة المنظمة في بعض المدن الرئيسية المهمة في تعزيز الحاصل الإنتخابي ورفع مستوى التمثيل والمنتخبين.

4 _مؤتمر التطبيع في أربيل والذي تنصلت منه قيادة التحالف الدولي في العراق المحسوب على واشنطن والذي كان من بين أهم أهدافه خلق وتسعير نزاع جديد (عري – كردي) و(سني – شيعي) بسبب عقد المؤتمر في كردستان العراق بحماية حكومة الإقليم وبسبب اقتصار التمثيل بنسبة فاقت ال 90 % من شخصيات وفعاليات محسوبة على المكون السني العربي.

5 _انسحاب معظم منظمات المجتمع المدني ومجموعات الحراك والأحزاب العلمانية واليسارية من الترشح للإنتخابات والنأي بنفسها عن أي حث للجمهور على المشاركة المكثفة بل نفذت تلك المجموعات حملات تثبيط وتيئيس منظمة وشاملة للجمهور.

6 _استقدام عدد كبير من المراقبين الأجانب حتى عدت الإنتخابات المزمع إجراؤها الشهر القادم أكثر انتخابات مراقبة في العالم.

استنتاج:

مما تقدم قد يكون السر في هذا الإنكفاء الأمريكي الحاجة الإستراتيجية لضمان استقرار العراق في السنتين القادمتين على الأقل. فاستقرار العراق في ظل إعادة ترتيب واشنطن لأوراقها في منطقة غرب آسيا يسمح لها بالعمل بعيداً عن مركز القلق العراقي الذي تتداخل فيه كل أزمات المنطقة ومن المعلوم أن التركي والسعودي والإماراتي والقطري والإسرائيلي يعبثون باستقرار العراق منذ أمد بعيد لا يقل عن 18 عاماً.
مما يستجلب ردة فعل دفاعية من المكونات والقوى العراقية المحسوبة على محور المقاومة وهذا يعني للأمريكيين استمراراً للفوضى واستمراراً في دفع الفاتورة للمقاومة العراقية.
إن مهمة الأمريكيين كما ورد في ورقة "معهد دراسات الحرب" وعشرات غيرها من الأوراق على مدى 18 عاماً ستبقى حتى إشعار آخر هي منع التواصل الجغرافي (الإيراني – العراقي – السوري – اللبناني)  السهل ولن  تعطي أي فرصة لإحياء ما يسمى بالجبهة الشرقية. وعلى واشنطن أن تتحمل الضربات ما أمكنها حتى تمنع ذلك أو تنعدم قدرتها وفاعليتها على الدفاع. لذا فهي تفضل مرحلياً بعدما أسقط في يدها نجاح هذه الإنتخابات بسلاسة حتى لو كانت هي إحدى القوى الخاسرة فيها على أن تمنع الإنتخابات أو تؤجلها وتتسبب لجنودها بوضع يسمح فيه للمقاومة بتسديد أشد الضربات إيلاماً لهم في الميدان ومراكمته ويعني أيضاً هروباً جماعياً أميركياً ثانياً من المنطقة أشد إيلاماً وأكثر أضراراً استراتيجية من الإنسحاب من أفغانستان.
 

رایکم