۵۴۳مشاهدات
رمز الخبر: ۵۳۴۶۹
تأريخ النشر: 27 June 2021

قبل بضعة اعوام، كان معسكر "اشرف" في محافظة ديالى التي لا تبعد اكثر من مائة وعشرين كيلومترا عن العاصمة بغداد من جهة الشرق، يمثل القاعدة الرئيسية لعناصر وتشكيلات ما يسمى بمنظمة "مجاهدي خلق" الارهابية، التي وفر لها نظام صدام قبل اكثر من خمسة وثلاثين عاما كل اشكال الدعم والتمويل المالي والتسليحي واللوجيستي والاعلامي، ليستخدمها كأداة في حربه ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، ومن ثم اداة في قمع الشعب العراقي الى جانب الاجهزة القمعية التابعة له، وقد كان لعناصر تلك المنظمة الارهابية دور كبير في مواجهة الانتفاضة الشعبية في عام 1991، وادوار مماثلة في التصدي لأي تحرك شعبي كان يستهدف النظام الحاكم في بغداد آنذاك.

وبعد الاطاحة بذلك النظام، اصطفت عناصر "خلق" مع بقايا النظام ومع الجماعات الارهابية على اختلاف توجهاتها وعقائدها المنحرفة، مستهدفة كل مكونات المجتمع العراقي، بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة والاغتيالات بكواتم الصوت، وبقي معسكر اشرف، يعد قاعدة ومنطلقا لتهديد امن العراق، واثارة الفتن، وافتعال المشاكل والازمات، ولكن جهود القوى والشخصيات الوطنية الى جانب الضغط الشعبي الكبير اثمرت بعد وقت طويل في تصفية وجود تلك المنظمة الارهابية وانهاء وجودها بصورة كاملة من ارض البلاد، ليتحول معسكر اشرف بعد ذلك، الى واحد من اكبر قواعد وميادين الحشد الشعبي بعد تأسيسه في صيف عام 2014، على ضوء فتوى الجهاد الكفائي للمرجعية الدينية، للتصدي للارهاب الداعشي التكفيري.

لا شك ان دلالات تحول معسكر "اشرف" من وكر لاعداء العراق من الارهابيين والمخربين والمجرمين على امتداد ما يقارب العشرين عاما، الى منطلق لتخليصه من التكفيرين، وصيانة المقدسات والحرمات والممتلكات والاعراض، كانت دلالات ذلك التحول عميقة ومهمة وبليغة، وبعثت على الارتياح في نفوس الكثير من العراقيين، لاسيما الذين ذاقوا ويلات وماسي النظام السابق، وتجرعوا مرارات اجرام عناصر "خلق" وتواجده المرفوض في البلاد.

وفي صباح السادس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو الجاري 2021، ومنذ ساعات الصباح الاولى، بدت الصورة على ارض معسكر "اشرف" مختلفة تمام الاختلاف عن الصور السيئة التي اوجدتها منظمة "خلق"، هذه الصورة الجديدة، رسمتها وصاغتها تشكيلات الحشد الشعبي وهي تنفذ استعراضها العسكري بمناسبة الذكرى السنوية السابعة لتأسيس الحشد، باعتباره احدى المؤسسات والمفاصل الامنية الرسمية في الدولة العراقية.

وفضلا عن دلالات اختيار المكان لاجراء استعراض الحشد العسكري، فإن جعل الاستعراض تكليلا لعدد كبير جدا من الفعاليات والنشاطات الجماهيرية والسياسية والنخبوية، التي تواصلت لاكثر من اسبوعين، احياء لذكرى تأسيسه السابعة، يعطي للحدث بعدا اخر، حيث رسائل الزمان تكمل دلالات المكان.

فهناك رسائل عديدة، تنطوي على اهمية بالغة، اطلقها الحشد الشعبي من خلال الاستعراض العسكري، خصوصا مع حضور رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي، الذي اكد في كلمته، "ان أبناء الحشد هم أبناء الدولة، وهم مستمرون بتقديم كل ما يخدم شعبنا ووطننا"، وقال مخاطبا قوات الحشد "أنتم والقوات الأمنية دحرتم الإرهاب وأمامكم المزيد، وبوعيكم وانضباطكم ومهنيتكم يحفظ الحشد الشعبي وبكم نستعيد للعراق دوره التأريخي في المنطقة".

ولعل الرسالة الاولى، التي اطلقها الاستعراض العسكري، هي ان الحشد الشعبي، كان ومازال وسيبقى رقما صعبا وفاعلا ومؤثرا، وعنوانا وطنيا لا يمكن لأي كان التشكيك في اخلاصه وحرصه وسلامة نهجه ومساره، حتى وان وقعت اخطاء وهفوات وزلات هنا وهناك، اذ ان ذلك يعد امرا طبيعيا في مسيرة طويلة، تعرضت على مدى سبعة اعوام للكثير من التهديدات والتحديدات والمخاطر والعقبات، ناهيك التسقيط والتشهير والتضعيف والتهوين، فنسبة الانجاز اكبر بكثير اذا ما قارناها بأخطاء وهفوات وزلات، ربما اغلبها لم يكن مقصودا.

الرسالة الثانية، ان الحشد الشعبي الذي تأسس في ظل ظروف صعبة وشائكة ومعقدة مرت بها البلاد، في صيف عام 2014، اثر اجتياح تنظيم داعش الارهابي لعدة مدن ومناطق منها، تمكن ان يقلب المعادلات في غضون فترة زمنية قصيرة، ويجنب البلاد مخاطر الوقوع في شراك الارهاب التكفيري الداعشي، وما حفظه للعاصمة بغداد والمدن المقدسة، وتحريره سامراء وبلد والعظيم وتلعفر وبيجي والفلوجة والرمادي والموصل وغيرها، الا ادلة وبراهين دامغة على ذلك.

اما الرسالة الثالثة، فتتمثل في ان الحشد الشعبي اليوم، ليس كما كان قبل سبعة اعوام، من ناحية اكتساب التجارب والخبرات القتالية، والتسليح، وتنوع الصنوف والاختصاصات، الذي اتاح له ان يضطلع بأدوار ومهام كبيرة خارج ميادين المعارك، بعد ان ساهم بتحقيق انتصارات كبيرة على عصابات داعش الارهابية في مختلف المواقع والميادين، وقدم تضحيات مشرفة تستحق الاجلال والاعتزاز والتقدير من قبل كل مكونات المجتمع العراقي.

فيما تتمثل الرسالة الرابعة التي انطوى عليها الاستعراض العسكري للحشد، بفشل كل المخططات والمؤامرات والمشاريع التي اريد من ورائها انهائه والقضاء عليه، تحت حجج وذرائع واهية، لم يكن ممكنا لها ان تصمد امام حقائق الواقع ومعطياته الواضحة.

هذه الرسائل مجتمعة، هي التي اسست ثوابت الحشد، وهي التي حددت مساراته الصائبة، وهي التي من شأنها ان تبلور وترسم ادواره اللاحقة في مختلف الظروف والاحوال.

رایکم