۴۸۸مشاهدات
رمز الخبر: ۴۹۶۱۰
تأريخ النشر: 17 March 2021

يؤسس كبار صانعي سياسات الدول مسارًا منحرفًا حیث یقومون بتصميمه وتنفيذه؛ بالإضافة إلى وجود استراتيجية السياسة الرئيسية، وذلك لضمان نجاح وكفاءة سياستهم. وللمسار المنحرف في السياسات العامة أبعادٌ خاصة به في سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، وما إلى ذلك، والتي تستخدم في الواقع كغطاء لمسار السياسة الرئيسي وفي النهاية كذريعة لتبرير عدم الكفاءة أو فشل مسار السياسة الرئيسي.

يمكن اعتبار وجود استراتيجية مسارٍ منحرفٍ في السياسة العامة، وخاصة السياسة الخارجية، كنتيجةٍ لتأثير عامل الخوف في السياسات والسياسيين. عادةً ما يتم استخدام المسار المنحرف في السياسة الخارجية لتقليل تكاليف وخسائر تنفيذ السياسة الرئيسية، ففي حالة فشل الأخيرة وتدمير المسار الرئيسي للسياسة الخارجية، يتحول الرأي العام إلى المسار المنحرف.

إن التطورات والصراعات التاريخية في جنوب منطقة غرب آسيا، جعلت هذه المنطقة المضطربة، واحدة من المجالات الرئيسية لتصميم وتنفيذ استراتيجية المسار المنحرف في السياسة الخارجية، بحيث يمكن للجهات الفاعلة الصغيرة والكبيرة في هذا المجال الواسع من السياسة، إخفاء سياساتهم الرئيسية والتحرك ضمن المسار المنحرف، وفرض تكاليف أضرار نهج سياستهم الخاطئة علی الجهات الفاعلة الأخرى!

یمکن اعتبار ظهور استراتيجية المسار المنحرف، في السياسة الخارجية للجهات الفاعلة في جنوب غرب آسيا والتطورات الأخيرة في العراق وسوريا، ولا سيما هجوم المقاتلات F-15 الأمريكية على المنطقة الحدودية بذريعة الرد على تصرفات إيران والحق المتأصل في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك الانفجار المشبوه على سفينة شحن إسرائيلية في شرق مضيق هرمز.

لقد تسببت استراتيجية المسار المنحرف لدی اللاعبين الكبار في منطقة جنوب غرب آسيا في فرض عبء جميع التكاليف والخسائر الناجمة عن التطورات في العراق وسوريا علی کاهل ایران.

من الضروري دراسة الأحداث في المنطقة، لا سيما ما یتعلق بالهجمات على الأماكن والمنشآت الغربية في العراق، وتغيير نهج إدارة السياسة الخارجية الإيرانية من قبل كبار صانعي السياسة في البلاد. يمكن دراسة التطورات المذكورة والمسار المنحرف ضد إيران في المنطقة من خلال عدة محاور:

اولاً: تغییر الاتجاه من مرکز ثقل الصراع العالمي إلی الحفاظ علی الهيبة

في الوقت الذي اتخذت إدارة جو بايدن، والسياسية الخارجية الأمریکیة في الأسابيع الخمسة الأولى من عملها، نهجًا عدوانيًا تجاه القوى العالمية الكبرى مثل الصين وروسيا والقوى الفاعلة في منطقة جنوب غرب آسيا، مثل المملكة العربية السعودية وتركيا، کانت الهجمات العمياء والخادعة، باسم إيران ومجموعات محور المقاومة، على المنشآت والقوافل الأمريكية في العراق، بما في ذلك مطار أربيل وسفينة الشحن الإسرائيلية، قد تسببت بوضع ایران مرة أخرى في مركز سياسة الولايات المتحدة العدوانية.

على الرغم من كل التصريحات الحادة والتهديدات الأمريكية اليومية ضد المجموعات التي تقوم بالهجمات على القوات الغربية والأمريكية في العراق، استمرت هذه الهجمات بقوة، مما أدى إلى تقويض هيبة القوات الأمريكية باعتبارها القوة العظمى بلا منازع في العالم، وزيادة الهيبة والتفوق السياسي لإیران والمجموعات المقاومة. إلا أن إيران ومجموعات المقاومة العراقية نددت ببعض هذه الهجمات، مثل الهجوم على مطار أربيل.

وفي مثل هذه الظروف التي تعاني الإدارة الأمریکیة البایدنیة من أزمات داخلية ودولية عديدة، شنت أمیرکا هجومًا محدودًا ومنضبطًا لبثّ الرعب والخوف بين منافسيها وخصومها في النظام العالمي، وذلك للحفاظ على مكانتها المهتزة للغاية في المعادلات الدولية والنظام العالمي بأقل تكلفة وضرر.

ثانيًا: الهجوم الرادع والمحدود والمسيطر عليه

کانت الضربة الجوية الأخيرة لسلاح الجو الأمريكي المكونة من مرحلتين على قواعد عسكرية لمحور المقاومة على الحدود العراقية السورية، حیث نفذ مرحلة واحدة منها وتم إلغاء المرحلة الثانية، في سياق الهجوم الرادع والمحدود والمسيطر عليه، وهو في الغالب رد فعل ضعيف على الأوضاع المعادية لأميركا في العراق وسوريا.

لدی تعريف صناعة السياسات، تم الإشارة إلی مبدأ الحد من الضرر واعتبر أن أحد الأهداف والمقاصد الرئيسية هو الحد من الضرر أو السيطرة عليه، وبالنسبة للنخبة، فإن أفضل شيء يمكن تحقيقه من خلال المشاركة في مناقشات السياسة هو الحد من الضرر.

إن الخطة الأمريكية لشن غارة جوية على قواعد الحشد الشعبي في منطقه القائم بالعراق، وعلى حدود منطقه البوكمال السورية، يمكن وصفها في سیاق مبدأ الحد من الضرر الذي یلحق بالولايات المتحدة علی صعيد الرد للاتهامات الواهية ضد إيران.

لا یمکن اعتبار حملة الإدارة الأمريكية الجديدة علی قواعد الحشد الشعبي في العراق، بوصفها أكبر وأقوى منظمة سياسية وعسكرية غير حكومية في العراق، هجومًا كبيرًا على المقاومة، كوننا نشهد مجموعة من الهجمات الجوية والصاروخية أسبوعيا مع المزيد من الأضرار من قبل الکیان الصهیوني ضد محور المقاومة وذلك لمجرد وضعها تحت عنوان مواجهة إيران والمجموعات المحمیة من قبلها في سوريا والحدود العراقية السورية.

يبدو أن حكومة جو بايدن من خلال مهاجمة قاعدة الحشد الشعبی علی حدود سوریا، لم تفكر إلا في تحرك رادع ومنضبط لاستعادة هيبتها ومكانتها في المنطقة، خاصة في العراق وسوريا، حتی لا تنخرط في حرب جديدة في العراق ولا تستفز ایران لأنهم تركوا للجانب الإسرائيلي هذه الخطوة.

يمكن اعتبار أحد مظاهر تصرفات القوات الغربية والأمريكية في المنطقة، اتهام إيران بالتخطيط وتنفيذ مثل هذه الهجمات، حیث ترافقها تغطيات إعلامية واسعة لمنافسين إيران وتمهد لأجواء مقلقة ضد إيران ومحور المقاومة تحت عنوان الاعمال الإرهابية. في مثل هذه الظروف التي تتعرض فيها إيران ومحور المقاومة والمصالح الإيرانية الاستراتيجية، لهجوم من قبل وسائل الإعلام المنافسين الإقليميين والعالميين، تتهم إيران فیها بالتخطيط للأعمال الإرهابية ودعمها.

الثالثة: الإصرار علی متابعة سياسة طرد القوات الأمیرکیة من العراق

يمكن أن يكون عامل الإصرار المفرط لإيران والحكومة المركزية العراقية والعديد من المنظمات والكتل السياسية والاجتماعية العراقية، على الانسحاب الفوري للولايات المتحدة من العراق، أحد أسباب الهجمات العديدة والمستمرة على المنشآت العسكرية الأمريكية والقوافل في العراق حیث یدّعون بأنها هي حملات إزالة، لكن فوائدها تصب لصالح منافسين إيران في المنطقة!

أدى الإصرار علی أعمال السياسة المفرطة تجاه الانسحاب الفوري للقوات الأمریکیة من العراق التي تتبع بکثب من قبل ایران والمجموعات المدعومة منها، إلی وضع جميع الهجمات على القوات الغربية والأمريكية في العراق تحت اسم إیران وکذلك تداعياتها المضرة علی ایران ومصالحها الاستراتيجية.

في الوقت الذي تتهم فيه إيران وحلفاؤها فی محور المقاومة بالعمل ضد الولايات المتحدة والغرب، يستغل منافسون إقليميون آخرون المواجهة الإيرانية الأمريكية في العراق.

مع استغلال تركيا والسعودية وحتى الإمارات العربية المتحدة الصراع الإيراني الأمريكي في العراق؛ توجه هؤلاء بتعزيز سياساتهم الاقتصادية والسياسية في العراق، والحصول علی كل فوائد ومميزات الانسحاب الأمريكي من العراق لصالح منافعهم.

إن أي عمل يتم اتخاذه ضد مصالح وأماكن ومنشآت ومعدات وقوات الغرب والولايات المتحدة وحتى الشركات التابعة لهما في دول المنطقة مثل أفغانستان والعراق وسوريا واليمن ولبنان وحتى تركيا، تُقدم ایران فورًا وبعض المجموعات الموالية لها، کأول المتهمین بالقیام لهذه الأعمال.

إن وقوع هجمات على مطار أربيل، والهجمات المتكررة حول مطار بغداد والسفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد، و کذلك الهجمات على قوافل عسكرية أمريكية في العراق وسوريا وأفغانستان، والضربات الصاروخية على منشآت ومطارات نفطية سعودية، والهجمات على ناقلات وسفن أخرى في الخليج الفارسي ، كذلك مقتل واغتيال بعض المعارضين البارزين في العراق وسوريا ولبنان وتركيا وغيرها، کذلك المتهمین بالتخیطط وتنفيذ لهذه الهجمات جميعها تُنسب إلى إيران والمنظمات المدعومة من قبلها، حیث کل ذلك یصب في المصلحة الاستراتیجیة لمنافسین إیران الإقليميين.

ینبغي ذکر آخر حالة من هذه الأعمال المشبوهة، وهي الانفجار الذي تعرضت له سفينة شحن إسرائيلية في 28 آذار/ مارس شرق مضيق هرمز، حيث اتهمت إيران والمجموعات الموالية لها بتنفيذ الانفجار، من اللحظة الأولی من وقوع للحادث.

تعد سياسة "فوبيا" ایران إحدى السياسات الرئيسية لمنافسین إيران في منطقه جنوب غرب آسيا وذلك باستخدام سیاسة اتهام إيران بإرهاب الدولة وحصارها في ساحة الاتهام، من أجل طردها من لعبة القوی الکبری في المنطقة.

هذه السياسة تنتهجها عن کثب كل من تركيا والكيان الإسرائيلي والمملكة العربية السعودية وغيرهم، وحسب ما يعتقد الخبراء الإسرائيليون:” یجب أن نستخدم هذه التقنية لنشرح للعالم أنه بسبب تورط إيران في أنشطة إرهابية، لا توجد دولة في العالم أكثر خطورة علی أمن الدول، مثل إیران".

يستفيد صناع السياسة الأذكياء والماكرين، من أجل التواجد والسيطرة في منطقة جنوب غرب آسيا، إلى أقصى حد من سياسات المسار المنحرف لجعل سياساتهم أكثر فعالية. يمكن اعتبار أحد هذه المسارات المنحرفة، الاتهام الدائم لإيران بعد أي هجوم أو عمل ضد القوات الأجنبية، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. حتی إن تشتت الرأي العام عن مبدأ سياسات الفاعلين، تقلل أيضًا من تكاليف تأثير هذه الجهات في المنطقة وتسبب خسائر وتكاليف كبيرة لإيران وحلفائها.

يعد الانفجار المريب لسفينة إسرائيلية في بحر عمان، عملية استخباراتية من قبل عدد من منافسي إیران، مثل المملكة العربية السعودية والکیان الصهيوني والإمارات العربية المتحدة، من أجل توجيه اتهامات جديدة ضد إيران وإعادة فتح مسار منحرف جديد لممارسة المزيد من الضغط علی إیران واستمرار التواجد الأمريكي في المنطقة.

إن سياسة المسار المنحرف في منطقة جنوب غرب آسيا، حیث تتواصل مع سياسة "فوبيا ایران" على نطاق واسع من قبل المنافسين الإقليميين، بما في ذلك تركيا والمملكة العربية السعودية و"إسرائيل" والولايات المتحدة، تتجاوز بكثير الهجوم المحدود والخاضع للسيطرة على قواعد الحشد الشعبي على الحدود السورية العراقية الذي أدی إلی مقتل شخص واحد.

تحتاج الولايات المتحدة لتغییر الاتجاه من مركز سياساتها نحو التوجه نحو صراع عالمي مع الصين وروسيا إلی التخلص من مرکز الأزمات المکلفة في منطقه جنوب غرب أسیا.

بالتالي، تحاول أميركا السيطرة على المنطقة بأقل تكلفة ممكنة وبمساعدة الدول الحليفة لها في المنطقة. وفي هذا الصدد، تقود أمیرکا منافسيها الإقليميين نحو التضامن والوحدة ضد إيران من خلال انتهاج سياسة "فوبيا إيران " واتهامها بضلوعها في الهجمات.

بقلم :اسلام ذو القدر پور

رایکم
آخرالاخبار