۷۴۱مشاهدات
رمز الخبر: ۲۵۳۳۲
تأريخ النشر: 09 January 2015
شبكة تابناك الاخبارية: كتب المفكر السعودي، الأستاذ زكي الميلاد الذي حضر مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية في طهران في مقال له: بعد نصف قرن على تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة (١٣٦٨ هـ / ١٩٤٧م)، ما زالت الضرورات تقتضي إحياء رسالة التقريب في الأمة، وتتأكد هذه الضرورات مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، وما يشهده العصر من تحولات وتغيرات واسعة ومتسارعة في ظل تيار العولمة الكاسح، العولمة التي غيرت صورة العالم في علاقاته وتوازناته ومعادلاته، وفي أنماط الرؤية وطرائق التعامل معه، وفي ظل حركة المعلوماتية التي فتحت أمام العالم ما سمي بثورة المعلومات أو انفجار المعرفة وعبر الطرق السريعة.

بحيث لم تعد المشكلة في نقص المعلومات كما كان في السابق، بل المشكلة أصبحت في السيطرة على المعلومات وضبط حركتها، إلى جانب التطورات المذهلة في تكنولوجيا الإعلام وشبكات الاتصال التي جعلت العالم يتحول إلى صورة مرئية يتأثر بها الجميع، وتنتقل فيه الأفكار والمواقف والنماذج في فترات قياسية وعابرة ما بين الثقافات والقوميات واللغات،

وفي ظل مقولات من نوع نهاية التاريخ أو صدام الحضارات أو التفوق الغربي أو البحث عن عدو جديد، إلى غير ذلك من مقولات تدفع بالعالم نحو الانقسام والتصادم وتكريس الفوارق بين الحضارات والتمييز بين الثقافات.

فمقولة (نهاية التاريخ) تحرِّض العالم على الاندماج في النموذج الغربي، باعتباره النموذج المنتصر في التاريخ على افتراض نهايته، من دون الاعتراف بأي فرادة للحضارات الإنسانية الأخرى غير الغربية، ومنها الحضارات التي تعلم الغرب منها، كالحضارة الإسلامية، وهي الحضارة التي وصفها (فوكوياما) بأنها لا سحر لها خارج محيطها، وبخلاف مقولة (نهاية التاريخ) تأتي مقولة (صدام الحضارات)، التي تتضمن تحريضاً للغرب لمقاومة انبعاث الحضارات غير الغربية وتكريس التصادم فيما بينها.

فإذا كانت المقولة السابقة لا تعترف بالحضارات غير الغربية، فإن هذه المقولة تعترف بتعدد الحضارات، لكن على قاعدة الصدام والصراع، وأما مقولة (التفوُّق الغربي) فهي ليست جديدة على الإطلاق، فإن التاريخ الغربي كان ينطلق من هذه المقولة منذ انبعاث التقدم هناك، ورسخها في الحقول المعرفية، كالأدب والفلسفة والثقافة والاجتماع والانتربولوجيا، وفي الدراسات التاريخية والأبحاث المقارنة حول الحضارات. وفي إطار هذا النسق من المقولات، تأتي مقولة (البحث عن عدوٍّ جديد) على خلفية العلاقة الجدلية بين الصراع والتقدم، الصراع الذي يولِّد البواعث والتماسك والمبادرة والاندفاع نحو التقدم.

كل ذلك مع ما يشهده العالم من تحولات وتغيرات شديدة الأهمية في ميادين الاقتصاد والسياسة والعلوم.

التقريب وتحديات المستقبل
هذه الوضعيات والتحولات والسياقات، تفتح علينا حديث المستقبل عن أنفسنا وموقعنا كأمة في هذا العالم المتغير، أو هكذا يفترض علينا. فما هو المستقبل الذي نبحث عنه؟ وهل ترك العالم لنا من مستقبلٍ نبحث عنه فعلاً؟ إن المستقبل لا يمكن التحكم فيه خارج إرادة أية أمة، فكلُّ أمة هي قادرةٌ على التحكم بمستقبلها إذا تحكمت بإرادتها. لذلك فإن المستقبل مفتوحٌ على كلِّ الأمم والحضارات، وبإمكان كلِّ أمة أن تصنع مستقبلها بإرادتها إن هي أرادت وسعت سعيها. والحضاراتُ هي أكثرُ وعياً بذاتها اليوم. فالمستقبل هو الأمل الذي ينبغي التمسك به والإصرار عليه والتحرك نحوه.

وفي إطار التفكير بالمستقبل، يأتي الحديث حول التقريب بين المذاهب الإسلامية بقصد النظر إليه برؤية مستقبلية، وفي نطاق إدماجه بمستقبليات الأمة. وهنا نصل إلى ضرورة أن يقترن مفهوم التقريب بمفهوم النهضة والتقدم في الأمة؛ الاقتران الذي يحدد لنا مدخلاً حضارياً في تكوين عملية الفهم حول هذه القضية، ولتجديد مناهج النظر حولها، بإخراجها من علم الكلام القديم الذي كرس الفروقات بين الفرق، وعزز الخلافات بين المذاهب، وأصبحت قضيته البحث عن الفرقة الناجية، إلى علم الكلام الجديد الذي ينطلق من التحديات والمشكلات الجديدة التي تواجه الدين في هذا العصر، وبإخراجها من الفهم التقليدي الجامد الذي ينـزع نحو الماضي ويتشبث به، إلى الفهم الذي يعيش واقع العصر وينـزع نحو المستقبل ويتمسك به. فالأمة بحاجة إلى نهضة فكرية ترتقي بوعيها الجمعي والعام لإدراك هذه القضية بصورة جادة وفاعلة، وتضعها كمصير في رؤيتها للمستقبل ولموقعها في هذا العالم.

وبقدر خطوات الأمة نحو النهضة والتقدم، بقدر ما تترسخ قناعاتها وتتحرك إرادتها تجاه هذه القضية، قضية التقريب. فالقناعة والإرادة هما من أكثر ما تحتاج إليه الأمة في هذا الشأن؛ القناعة من موجبات الذهن، والإرادة من موجبات العمل. والتقريب بحاجة إلى قناعة كبيرة به، وإلى تأكيد هذه القناعة في الأمة، وضرورة أن تتحول هذه القناعة إلى إرادة حقيقية في الدفاع عنها، والعمل من أجلها، وتحمل الصعوبات في سبيلها، لا أن تكون مجرد تعبير عن رغبة أو مجرَّد طموحٍ لا غير.

والتقريب هو من صور العلاقات الفكرية والاجتماعية والإنسانية، ضمن إطار الأمة الواحدة، وكلّ صور العلاقات هذه بحاجة إلى قدر من الوعي والنضج الحضاريين، لأن المشكلة بالتأكيد ليست في الاختلاف بين المذاهب أو في تعدد مناهجها أو تنوع اجتهاداتها، وإنما المشكلة في طريقة الفهم والنظر لهذا الاختلاف والتعدد والتنوع. وهذا هو جوهر المشكلة المعرفية لهذه القضية.

فالاختلاف قد يكون سبباً للنـزاع وقد يكون سبباً للرحمة، والتعدد قد يكون سبباً للصدام وقد يكون سبباً للتطور، والتنوع قد يكون سبباً للانقسام وقد يكون سبباً للتجدد والإبداع. فالذي اختلف هنا هو طريقة النظر بين طريقة متأزمة تصور الأمور بشكل معين، وبين طريقة ناضجة تصور النظر للأمور بشكل مختلف. والانتقال من تلك الطريقة الأولى في النظر إلى الطريقة الثانية بحاجةٍ إلى انتقال من زمان تلك الرؤية المتأزمة أو المتخلفة إلى زمان الرؤية الناضجة أو المتحضّرة، وذلك عبر إصلاح مناهج الفكر والنظر وسعي الأمة نحو النهضة والتقدم.

لذلك فإن ظواهر التعصب والتطرف والكراهية والقطعية وعدم التسامح، هذه الظواهر وغيرها، لا يمكن معالجتها أو التخلص منها عن طريق مفهوم التقريب فحسب، وإنما أيضاً من خلال مفهوم النهضة والتقدم في الأمة، فالتقريب قد يعالج تلك الظواهر على مستوى النخبة من العلماء والمفكرين والمصلحين، لكن معالجتها على مستوى الأمة بكل شرائحها وفئاتها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نهضة فكرية تطور وعي الأمة بهذه القضية وطريقة التعامل معها.

وفي تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، ارتبطت قضية التقريب بقضية النهضة والإصلاح، فقد ارتبطت بحركة السيد جمال الدين الأفغاني الإصلاحية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، الذي رفع لواء الدفاع عن الجامعة الإسلامية، وكان تجسيداً حياً لهذا المفهوم الذي عرف به، وتميزت به حركته، حيث اشتهرت بحركة الجامعة الإسلامية. لقد بعث السيِّد جمال الدين الأفغاني وحركته الإصلاحية روح الوحدة والتضامن والتقارب في الأمة بتعدّد مذاهبها وقومياتها ولغاتها، من تركيا إلى إيران، ومن الهند إلى أفغانستان، ومن العراق إلى مصر، ووصف في كتابات الباحثين والمؤرخين العرب والمسلمين بموقظ الشرق أو حكيم الشرق، ووصفه مالك بن نبي بضمير العالم الإسلامي.

وفي خطاب الأفغاني، ارتبطت دعوته للوحدة والتقارب بدعوته للنهضة والإصلاح في الأمة، وهكذا كان نهج الشيخ محمد عبده ومدرسته الإصلاحية، وصولاً إلى أواخر النصف الأول من القرن العشرين، مع انطلاقة دار التقريب في القاهرة، التي جددت المدرسة الإصلاحية للأفغاني وعبده، بلقاء الشيخ محمد تقي القمي عالم الدين الشيعيّ القادم من إيران إلى القاهرة لكي يستعيد ويستكمل الدور الذي نهض به الأفغاني، ويلتقي بالقاهرة بعلماء الأزهر الذين ينتمون إلى مدرسة الشيخ محمد عبده الفكرية، كالشيخ مصطفى المراغي والشيح محمود شلتوت وعبد المجيد سليم وغيرهم من العلماء المصلحين. وهكذا هو العهد يتجدد في مختلف المراحل والحقب التاريخية.

المعرفة العلمية بالآخر شرط النجاح

لقد كانت حركة التقريب رسالة العقلاء في الأمة، ودعوة المصلحين فيها، وأملاً لكل العاملين في سبيل التآلف والتضامن، ولا شك أنها القضية التي أولى من يدرسها هم الخبراء، وذلك بالانطلاق من قاعدة أساسية هي من صميم أخلاقيات البحث العلمي في المنظور الإسلامي، وهي قاعدة الانطلاق من العلم أو حاكمية العلم في كل أشكال العلاقات الفكرية بين المذاهب الإسلامية، بمعنى ضرورة تكوين العلم بالمذاهب الإسلامية، فالتقريب لا يتأسس أو يترسخ أو يتماسك إلا على أساس العلم.

والمشكلة المعرفية في هذا المجال، أن أصحاب كل مذهب حاولوا تكوين معرفة مستقلة بهم عن المذاهب الإسلامية الأخرى، المعرفة التي لا يقول بها أصحاب المذاهب الأخرى في أحيان كثيرة، فالمفاهيم والاعتقادات والقضايا لا تفهم بحسب المعرفة الموجودة في داخل كل مذهب وكما يقول بها أصحابها، فتصبح القضايا ملتبسة وغامضة ولا تفهم إلا على وجه خاطىء، وذلك نتيجة القطيعة الفكرية بين المذاهب الإسلامية، والنـزاعات الكلامية فيما بينها، ولطبيعة الظروف التاريخية والسياسية التي مرت بها.

فإصلاح العلاقات بين المذاهب الإسلامية لا يتحقق إلا بإصلاح المعرفة بين المذاهب، المعرفة التي لا تعني بالضرورة الاتفاق معها، وإنما الاتفاق والاختلاف الشرط فيهما أن يكون على أساس العلم أولاً، والحق في الاجتهاد ثانياً، وشرعية التعدد والاختلاف ثالثاً.

فالمعرفة العلمية بين المذاهب الإسلامية بإمكانها أن تساهم في التقريب حتى على قاعدة الاختلاف، فالمعيار هو العلم، وهو المعيار الذي يحتكم إليه العقلاء والحكماء والعلماء.
 

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
آخرالاخبار