۳۴۷مشاهدات

عندما صَار أمن لبنان مُهدّداً من "الشقيقة سوريا"

بداية، لا بدّ من التذكير أنّ بعض أسباب ما ندفع ثمنه حالياً من فوضى حدوديّة بين لبنان وسوريا، ومن خوف على المصير، يعود بجزء منه إلى الحرب اللبنانيّة...
رمز الخبر: ۲۱۸۴۳
تأريخ النشر: 08 October 2014

شبكة تابناك الإخبارية : ليس مُهمّاً إذا كان المسلّحون الذين يُرسلون السيارات المفخّخة إلى الداخل اللبناني، ويُهَاجمون مواقع للجيش، ويُحاولون التقدّم نحو بلدات لبنانية حدودية، هم "من الثوّار المعارضين للنظام السوري" أم مجرّد "إرهابيّين مُتخلّفين وقتَلة". وليس مُهمّاً إذا كان هؤلاء مِمَن أُطلِقوا عَمداً من سُجون القمع في سوريا، أو أُرسلوا من تركيا وبعض دول الخليج لإسقاط النظام. وليس مُهمّاً إذا كان هؤلاء يُمثّلون ردّة فعل على الإضطهاد المذهبي والسياسي من الحُكم البوليسي في دمشق، أو مجرّد جَهلة جرى غسل أدمغتهم بعقائد دينية ومذهبية بالية ومُتزمّتة في إطار مُؤامرة دَوليّة بقيادة أميركية لضرب الدول العربية وتفتيتها... فما يَهمّنا أنّ الأمن الوطني اللبناني بات يرزح تحت مخاطر كبرى، تجاوزت مسألة إطلاق صاروخ من هنا، وتمرير سيارة مُفخّخة من هناك، وحتى قيام إنتحاري بتفجير نفسه هنالك. فاليوم وبعد "هَجمَة" الأيام القليلة الماضية، أصبح اللبنانيّون يعيشون حالاً من القلق والخوف على المصير وعلى المُستقبل. فما الذي أوصلنا إلى هذه الحال؟

بداية، لا بدّ من التذكير أنّ بعض أسباب ما ندفع ثمنه حالياً من فوضى حدوديّة بين لبنان وسوريا، ومن خوف على المصير، يعود بجزء منه إلى الحرب اللبنانيّة يوم رَضَخ قسم كبير من اللبنانيّين لسياسة وتوجيهات النظام السوري، ويوم ربطت بعض الشخصيّات المسيحية مسألة حماية الأقليّة المسيحيّة بالتحالف مع عائلة "الأسد" الحاكمة. وقد نجَمَ مِن هذه السياسة اللبنانيّة التي رفضت مجرّد الحديث عن إحتمال أن يأتينا الخطر من "سوريا الشقيقة"، على الرغم كل ما حدث خلال الحرب اللبنانية من إرتكابات سورية بحق قسم كبير من اللبنانيّين والمسيحيّين، تراخياً على كامل الحدود اللبنانية-السورية، الأمر الذي سمح بتكاثر ممرّات التهريب، وبغياب نقاط المراقبة الأمنيّة الحدودية الرسميّة، وبعدم تحضير القرى والبلدات الحدودية اللبنانيّة بالشكل اللازم للتعامل مع الحالات الطارئة. وزاد الطين بلّة رفض النظام السوري ترسيم الحدود تمهيداً لضبطها، على الرغم من المطالبة الحثيثة من جانب قسم من اللبنانيّين في السنوات الماضية. وليس سرّاً أنّ سياسة حصر المشاكل اللبنانيّة كلّها باسرائيل وأطماعها وإعتداءاتها المُستمرّة منذ نشأتها حتى اليوم، جعلت لبنان غير مُستعدّ للتعامل مع المخاطر الأمنيّة التي تأتينا من جهة سوريا. وإذا كان "آل الأسد" قد حَكموا سوريا بقبضة حديديّة منذ أكثر من أربعة عقود، فإنّ الزمن قد تَغيّر اليوم، ولم يعد مصير الحاكم هو وحده على المحكّ بل هويّة سوريا ككل، كما تدلّ الكثير من المُعطيات الميدانية حالياً، حيث أنّ النظام السوري يقف اليوم وقفة المُتفرّج على جماعات مسلّحة تتقاتل على أرضه، وعلى طيران غربي-عربي يقصف بعض هذه الجماعات، وعلى ملايين النازحين السوريّين وقد شتتّتهم الأحداث إلى خارج البلاد...

وبموازاة المواقف المُرحّبة بصوابيّة تدخّل "حزب الله" في سوريا، والمُسلّمة من دون مناقشة بسلاحه في الداخل اللبناني، وحتى التي تَعتبره مُدافعاً وحامياً للبنانييّن، يُمكن سماع وقراءة أسئلة من وجهة نظر مُغايرة من نوع: هل يُعقل أن يبقى اللبنانيّون أسرى الخوف من حرب الآخرين في سوريا، ومن إرتداداتها الإرهابيّة المُتفاقمة على الحدود اللبنانيّة-السورية، من دون أيّ إجراءات جدّية وملموسة لطمأنتهم من قبل القوى الأمنيّة الرسميّة؟ هل الجيش اللبناني هو عبارة عن فرق كشفيّة أم أنه جيش مُقاتل مهمّته الأساسية حماية الحدود؟ وإذا كان عديده لا يكفي، ما الذي تنتظره السلطة الرسمية لتدريب كل سكّان القرى والبلدات الحدودية، وإيجاد أفواج مقاتلة رديفة للجيش تتحرّك بإمرته وتكون جاهزة لمؤازرته عند الضرورة؟ هل يُعقل أن يُصبح على اللبناني عموماً والمسيحي خصوصاً الرُضوخ لمسألة حصريّة حمل فئة من اللبنانيين السلاح بشكل فعلي ومنظّم، صوناً لعرضه وحماية لحياته وممتلكاته؟ وهل يُعقل أن تُصبح حماية الأقليّة المسيحيّة مَنُوطة بمقاتلي جماعة مذهبيّة مسلّحة، وكأنّ المسيحي في لبنان ذِمّي وعاجز عن الدفاع عن نفسه عند الضرورة؟!

في الختام، صحيح أنّ الخطر لا يزال –حتى اليوم– مضبوطاً، ولم يبلغ الحجم المُضخّم الذي يحاول البعض تعميمه لغايات سياسية مُحدّدة، وبخلفيّة تبرير التسلّح لفئة لبنانيّة دون سواها، لكنّه موجود وجدّي. وصحيح أنّ بضع مئات من الإرهابيّين لن يستطيعوا عبور عشرات المدن والبلدات اللبنانية وصولاً إلى ساحل كسروان، كما يُروّج البعض، لأنّ اللبنانيّين لم يكونوا يوماً لقمة سائغة أمام آلاف "الغرباء"، كما أثبتت سنوات طويلة من الحرب، وكما أثبتت جرود عيون السيمان بالتحديد، لكن الأصحّ أنّ خطر التسلّل لقرية حدودية هنا أو هناك، ولخطف بعض المدنيّين الأبرياء محتمل وموجود. وبالتالي، من غير المسموح إطلاقاً التراخي وتجاهل المخاطر، حتى لا نُكرّر خطأ عرسال القاتل، والذي لا زلنا ندفع ثمنه غالياً حتى اليوم، قَتلاً جباناً لعسكريّينا، وسَحقاً لأعصاب أهاليهم، وتَعطيلاً لطرقاتنا وأعمالنا، إضافة إلى ما ينتظرنا من مآس إضافية أو في أفضل الأحوال من إطلاق للمجرمين من السجون إنقاذاً للأرواح ورضوخاً للإبتزاز والإرهاب...

بعد طول مطالبة من الجانب اللبناني في السنوات الماضية، وافق الجانب السوري على ترسيم الحدود، مُشترطاً أن يبدأ الترسيم من مزارع شبعا المحتلّة، باعتبار أنّ العداوة المُستشرية مع إسرائيل تجعل مسألة الترسيم غير واردة!

رایکم