۳۵۰مشاهدات
الحكومة اللبنانيّة مدعوّة الآن الآن وليس غدًا إلى استنباط الأحداث كلّها، ومن ثمّ التصرّف على تلك القاعدة التي أرساها المغفور له السفير فؤاد الترك حين كان أمينًا لوزارة الخارجية، ومضمونها: "الذكيّ هو الذي يخلّص نفسه أمّا العبقريّ فهو الذي يخلّص وطنه وشعبه وأمّته".
رمز الخبر: ۲۱۵۲۴
تأريخ النشر: 28 September 2014
شبكة تابناك الإخبارية : أخذت المنطقة للمواجهة مع تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" بزعامة الولايات الأميركيّة المتحدة في ظلّ غموض واضح يحجب الأرض والتلال، كالضباب الذي يغطّي الجبال في بداية الخريف. المواجهة التي نحن أمامها تبدو بلا آفاق، وقد زادها كلام الرئيس الأميركيّ باراك أوباما ضبابيّة في مزجه ما بين هدفين نقيضين، هدف القضاء على "داعش" ومن ثمّ تغيير النظام في سوريا.
ليس سهلاً أن يلقى تنظيمٌ تكفيريّ كهذا احتشادًا غير مكتمل الأطراف، فضفاضًا في ظاهره، أجوفَ في جوهره. الظاهر في هذا الاحتشاد، أنّه لم يتعامل مع تنظيم وجبهة، أمسيا غدّة سرطانيّة متكاملة وواحدة، تحتاج للاستئصال العاجل والجذريّ، حيث المدى العالميّ كلّه بدءًا من المدى المشرقيّ بات يرتجف من افتراسها للخلايا والمكوّنات نتيجة تغلغلها القاتل. بل لا يزال يتعامل مع هذا التنظيم بكونه ورقة قابلة للاستثمار بعد تشذيب يسير. فيما هو غير واضح إذا ما كان تغيير النظام في سوريا لا يزال هدفًا كبيرًا، أو قد تبدّل مع الارتجاج الذي أصاب الخليج بفعل سقوط صنعاء بيد الحوثيين، وقد يبدو ناتجًا بغطاء دوليّ واضح؟
منطلق التشذيب، أنّ الحرب ليست بريّة بقدر ما هي جويّة وبحريّة. وهذا لا يزال مسرى لجدل في الدوائر الأميركيّة وفي قلب الإدارة الأميركيّة. ذلك أنّ تدمير القواعد الخاصّة بهذا التنظيم على الحدود السوريّة العراقيّة قد يسمح له بمزيد من التوحّش والامتداد والتسلل ما بين الجبال والأودية إلى الهدف المرسوم في دماغه وعقله. كما أنّ عدم إبادته بالكليّة في مهل زمنية محدّدة تتيح له تهديد أمن العديد من الدول من بينها روسيا، وتبيح، تاليًا، للانفصاليين الروس من شيشان وسواهما لإكمال مسيرة التمرّد، إذا ما تعمّق الوداد والوصال بين الداعشيين وهؤلاء، وقد ثبت بأنّ عناصر شيشانية وغيرها منتمية إلى هذا التنظيم تقاتل في سوريا والعراق، وهم من قاموا بخطف المطرانين بولس يازجي ويوحنّا إبراهيم.
العمليّة الجراحيّة، التي بدأها التحالف الدوليّ، بمعانيها ومعاييرها ومفرداتها، المتدفقة من فضائه، ليست وبهذا التوصيف الدقيق استئصاليّة. قد تتلاقى مصالح السوريين والعراقيين بجزئيّاتها مع فلسفة تلك العمليّة، إذ إن الفلسفة هذه قد تقود إلى تجفيف ينابيع هذا التنظيم، وتخفيف وطأته، وجعله بحدود معيّنة تحت السيطرة الدولية International under control، وعدم الاستئصال موصول بعدم كمال التحالف الدوليّ، وبخاصّة بعدم مشاركة روسيا وإيران فيها، واشتراطهما بعدم إسقاط النظام في سوريا لكونه خطًّا أحمر. غير أن السؤال المطروح، هل تلك العمليّة ستوطّئّ المنطلق وتعبّد الطريق باتجاه لقاء سوريّ عراقيّ ولبنانيّ، بمستوياته الأمنيّة والعسكريّة والسياسيّة، لإنهاء هذا التنظيم والقضاء عليه، على الحدود المشتركة ما بين لبنان وسوريا من جهة، وما بين سوريا والعراق من جهة أخرى، أو أنّنا سنبقى في خضمّ التلاشي حتّى ينضج التّواصل الإيرانيّ-السعوديّ، والإيرانيّ-الأميركيّ في إعادة التوازن إلى المشرق العربيّ بقواعد سياسية وأمنية واستثمار ماليّ واقتصاديّ واضح؟
ليس في الأفق، على ما يبدو، ما يشير إلى نضوج فكرة التواصل بحدّه الأدنّى أقلّه بين سوريا ولبنان، للقضاء الجذريّ على تنظيم أحدث الخروقات في رؤيتنا، والفجوات في بنيتنا، وينذر بانهيار مكوّناتنا، هدفه في المشرق العربيّ القضاء على حضارة أينعها التلاقي المسيحيّ المشرقيّ والإسلام القرآنيّ. يزيّن للمتابعين وبناء على تلك المعطيات، بأنّ المدى اللبنانيّ غير ناضج بعد، للتواصل الجريء مع المدى السوريّ أقلّه من باب التنسيق العسكريّ ما بين عرسال والقلمون. ويحدث هذا في انتظار ما سينتج عن التفاعل الإيرانيّ-السعوديّ الذي تمّ في نيويورك. إذ إن سقوط صنعاء وهي على الحدود السعوديّة بيد الحوثيين، وتأثير هذا السقوط في تركيبة البحرين وهي بدورها على الحدود السعوديّة، حدّد الدور الإيرانيّ وجذّره في عمق الخليج العربيّ، بمؤثراته العديدة. التفاعل وإن لم يكن حديثًا بحدّه الأدنى إلاّ انّه بلغ أوجه في نيويورك، وسيبقى واضح التأثير من العراق إلى سوريا فلبنان.
على لبنان حتمًا أن يفيد من المواجهة الدوليّة مع تنظيم "داعش"، بعيدًا عن شراكة موصولة بإرادة كانت أساسًا لاستثمار هذا التنظيم المقيت، ولا تهدف، تاليًا، إلى استئصاله بقدر ما تهدف إلى تحجيمه في حدود معيّنة، تمهيدًا لاستثماره هنا. كما عليه في المقابل أن يفيد من التطوّرات في الخليج ليستقرئ العناوين المنكشفة المتوازنة والمتوازية ما بين الحملة على "داعش"، وسقوط صنعاء بيد الحوثيين وإرساء توافق جديد في اليمن.
إنّ سياسة الحكومة اللبنانيّة الحاليّة خالية من منهجي الاستقراء والاستشراف. فهي تسير بعكس التوقعات، رهينة في محور بدأ يتبدّد ويتلاشى، بسبب هشاشته وفقدان العديد من أوراقه. من غير الجائز أن تكون الحكومة سنيّة في محور ما، أو شيعيّة في محور آخر. بل عليها أن تتجدّد بمفاعيل اللقاء، وقد بدأنا نشهد اختلاطًا للأوراق وتبدّلاً للقوى التي أنتجت الحروب المذهبيّة باستثمارها للأدبيات الدينيّة الموروثة وإنتاجها لثقافة الحروف المغلقة. الحكومة اللبنانيّة، بهذه الرؤية الجديدة، مدعوّة لتقول قولاً جديدًا متوازنًا في العلاقة مع سوريا وفي العلاقة مع إيران ومع المملكة العربيّة السعوديّة. لم يعد تنظيم "داعش" ولا "جبهة النصرة" مؤيّدين من المملكة العربيّة السعوديّة كما حدث في العراق حين تسليم الضباط العراقيين منطقة الموصل لتنظيم "داعش"، بفعل التنافس التركيّ-السعوديّ على استثمار الأوراق الإسلامويّة. كما تحطّمت الفلسفة "البندريّة"، بفعل فشلها البنيويّ في تأمين سقوط الدولة السوريّة، فكيف الآن وقد سقطت صنعاء ودخل السعوديون شركاء في العملية العسكرية على تنظيم "داعش"؟
 
القول اللبنانيّ الجديد يولد من قراءة سياسيّة بنيويّة، تهدف إلى عمليّة استئصاليّة، لكلّ القوى التكفيريّة التي انحصرت وانحشرت في القبضة التركيّة-الأردوغانيّة، بعد نفض قطر يدها من دعم هذا التنظيم. من راقب الخطاب السياسيّ اللبنانيّ باتّساع كبير واتساق كثيف، ذاق إجماعًا واضحًا على الخطورة الفائقة التي تحدثها تلك القوى التكفيريّة في العمق اللبنانيّ-الميثاقيّ، وعلى مناطق لها نكهتها الخاصة بها كطرابلس وعكار وعرسال، وتغلغلها في لبنان كلّه، وتهديدها لكلّ المكونات الأخرى المسيحيّة والشيعية والدرزيّة والسنيّة الليبراليّة المعتدلة. لكنّه في واقعه إجماع هشّ معطوب من محاور عديدة ومتنوّعة. ذلك أنّ ثمّة أفرقاء، وهم من أسس الرابع عشر من آذار، لا يزالون يرفضون الحوار مع سوريا، ويعمدون لحجب أي إمكانيات ممكنة للقضاء على تنظيم يشكل خطورة واضحة على جوهرنا اللبنانيّ. ويتمسّكون باتهام "حزب الله" بأنّه يقود لبنان إلى دولته هو، ومن دون أيّة آفاق استراتيجيّة تحررهم من ثقافة الصدام وتقودهم نحو ثقافة الحوار الرصين.
من رافق مسرى هذا الاصطفاف، اكتشف مدى الغباء الحقيقيّ في القراءة السياسيّة. فمن بديهيّات أسس القراءة أن تخلو من أيّ حقد في لحظات الخطورة الحرجة، وتلجأ إلى الرؤى الموضوعيّة باحتضان يسير ووساعة فكر عميق سيّما أنّ الخطر واحد ومتربّص بنا ويهدّد كياننا يومًا فيومًا.
الحكومة اللبنانيّة مدعوّة الآن الآن وليس غدًا إلى استنباط الأحداث كلّها، ومن ثمّ التصرّف على تلك القاعدة التي أرساها المغفور له السفير فؤاد الترك حين كان أمينًا لوزارة الخارجية، ومضمونها: "الذكيّ هو الذي يخلّص نفسه أمّا العبقريّ فهو الذي يخلّص وطنه وشعبه وأمّته".

رایکم
آخرالاخبار