۴۱۹۳مشاهدات

البوستان للشاعر سعدي بالعربية

قراءة للدكتور محمد ألتونجي
رمز الخبر: ۱۲۰۲
تأريخ النشر: 07 October 2010
شبکة تابناک الأخبارية: البوستان، هو الكتاب الشعري الذي نظمه سعدي قبل عام واحد من تأليفه للكلستان لكنه عصر فيهما معظم حياته العلمية والعملية ويعده علماء الادب الايرانيين على مرتبة من رباعيات الخيام وغزليات.

حافظ لمضامينه المتميزة وقصائده الفريدة اصل اسمه «سعدي نامه: كتاب سعدي» ثم اشتهر باسم «بوستان» ويبدو ان المؤلف هو الذي وضع الاسمين فاشتهر اسم واغفل اسم وعليه كانت ترجمة الفراتي. ونحن لن نتحدث عنه مفصلاً لانه يخرج عن نطاق بحثنا ولا يقل البحث فيه عن البحث في الكلستان مع شدة ايجازنا لكننا احببنا ان ننوه بعمل الفراتي فيه ونشير اشارة خاطفة بما له علاقة بكتاب البحث.

يتألف الديوان من عشرة ابواب هي: في العدل والتدبير والرأي، في الاحسان، في العشق والنشوة والفتنة، في التواضع، في الرضا، في القناعة، في عالم التربية، في الشكر على العافية، في التوبة وطريق الصواب، المناجاة ويسبق الابواب بضعة قصائد اولاها المقدمة وقد كتبها شعراً والثانية الدافع الى تأليف هذا الكتاب وقصيدة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضوعات اخرى.

نلاحظ ان الابواب: 3،6،7 مكررة في الكلستان وسائر الابواب مختلفة والجامع بين الكتابين الفكرة الانسانية والعظة والتوجيه والاخلاق وكذا في ان عنوان كل قصيدة «حكايت» بحيث يجعل نواة القصيدة حكاية يبني عليها القصيدة ويختلفان في ان البوستان كله شعر لا نثر فيه وان الكلستان نثر وشعر معاً والشعر فيه يكمل النثر وقد تطول القصيدة الى ثلاثين واربعين بيتاً وقد تقصر الى ثلاثة ابيات لكن الغالب على سائر القصائد القصر بين 01و51 بيتاً.

وقد ألفه ونظمه قبل كلستان بعام لكن لا يذهب الظن الى ان الكتابين الفا في بضع سنوات فهما حصيلة حياته وترحاله وفكره فقد كان وهو في بلاد الشام يعرف بالشاعر وبالشيخ الاكبر وبالواعظ لانه كان يعظ الناس في بعض المساجد كمسجد دمشق وحلب وبعلبك فكان الكتابان عصارة ما كان يدرسه ويعظه وينظمه.

وعنوان الكتابين واحد وان اختلفت الفاظهما فكلمة «بوستان» عربناها بالبستان لكن البوستان الفارسي يختلف عن البستان العربي في ان الفرس يسمون رياض الورود والازاهير بوستان وهي مركبة من «بو: العطر، الاريج» ومن «ستان: المكان» فهو روضة الورد مثل كلستان في حين ان البستان العربي تزرع فيه الخضروات والبقول وقد تزرع فيه الازهار.

فالموضوع والمنهج واحد بين الكتابين اساسهما العظة عن طريق قصة جرت في التاريخ او الادب او وقعت له او تصور انها وقعت له في بعض الامصار غير ان البوستان كله شعر واضخم حجماً ومادة وشواهد ولنقل انه ضعف كلستان وان فيه من الاسماء العربية ما لم يذكره في الكلستان كعمر وعثمان وعلي (علیه السلام) وعمر بن عبد العزيز والجنيد البغدادي والمأمون وارى ان الفراتي عانى في ترجمة البستان كثيراً لانني ذكرت ان النثر اسهل ترجمة من الشعر ولان الفراتي ازداد خبرة في الكلستان فصب كل تجربته الاولى وزاد عليها قدح الشاعرية عنده لكن البوستان ظهر قبل كلستان.

وقد عانى الفراتي ثماني سنوات في ترجمة البستان وهي ضعف المدة التي امضاها في ترجمة كلستان وزاد على ذلك وضعه بعض العناوين الدالة على مضمون الحكايات مما لم يتنبه الى ضرورته هناك. وقد طبعت وزارة الثقافة ديوان البستان «والذي اصله سعدي نامه» بجزءين عام 1969. ولم يكن نتاج الفراتي هذين العملين وحدهما فقد ترجم لمولانا جلال الدين الرومي ولغيره من اعلام الشعر الفارسي وله كذلك ديوان النفحات والهواجس غير انني احببت ان اشبع حديثي في الكلستان وما يحيط به ويلقي عليه وعلى الفراتي الضوء اكثر.

ثقافة سعدي: امتاز علماء الفرس بحبهم للغة العربية وبكل ما يخصها من علوم منذ انار الاسلام صدورهم فأقبلوا عليها لانها لغة القرآن وما كان عالمهم يعرف قدره إلا بمدى تعمقه في القرآن والحديث والادب القديم ويتباهى عالمهم بانه عاش كذا سنة في النجف او دمشق او في اي من عواصم البلاد العربية. فماذ نقول اذاً عن سعدي الذي درس في العراق ولم يخرج منها إلا وقد تمكن من علوم اللغة العربية وعاش ثلث عمره جوالاً في عدد من البلاد والاقطار العربية كان منها عشر سنوات في سورية بل انه شارك السوريين في حرب الصليبيين حتى وقع في اسرهم.

لقد اقتبس سعدي من العربية كل ما يصبو اليه عالم حباً بها وحباً بالثقافة الاسلامية وكان حافظاً للقرآن ولكثير من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اقوال السادة الصحابة رضي الله عنهم اضافة الى الشعر العربي وكتب الادب حتى كدنا نعده احد اقطاب العربية ويرجع الفضل كل الفضل للفراتي الذي ذكر العرب بأهمية هذا الرجل المفكر المبدع واظهر لنا مدى تعمقه بالعربية من خلال ترجمته لكتابيه.

وان قراءتنا للاصل الفارسي في مؤلفات سعدي كلها تدلنا على مدى تضلعه من اللغة العربية وتمكنه من استخدام المفردات والمصطلحات في مواضعها المناسبة ولا غرابة في ذلك فقد ذكرنا انه درس العربية وعلومها في المدرستين النظامية والمستنصرية وصادق عظام اعلام الفكر والتصوف وحج مع بعضهم كعبد القادر الكيلاني وعمر السهر وردي وحج عدة مرات واقام طويلاً في دمشق وطرابلس وبعلبك وتزوج في حلب.

فلا عجب ان يكون واحداً من اعلام الادب العربي وهو الاديب الذي استقى من منابع الادب العربي خير ما يسقى ونظم الشعر العربي بأسلوب هو غاية في الرقي ولا سيما قصيدته في رثاء المستعصم وبغداد اضافة الى ما يورده من ابيات له في الكلستان والبوستان وغيرهما. وقد اشرنا الى اقتراضه بعض الافكار والاشعار قبل قليل ونستشهد فيما يلي ببعض اقتباسه من القرآن الكريم والحديث الشريف والقطر يدل على البحر من ذلك قوله «مترجماً»: ولم ار بعد اليوم خلاً يلومني على حبكم إلا نأيت بجانبي اقتبسه من قوله تعالى: «واذا انعمنا على الانسان اعرض ونأى بجانبه» الاسراء 58 و قوله: طوبى لمن جمع الدنيا و فرقها في مصرف الخير لاباغ و لاعاد اقتبس من قوله تعالى: «فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا إثم عليه» / 861/ البقرة / و قوله بالفارسية: دانى جه كفت مرا آن بلبل سحرى توخود جه آدمئى كزعشق بى خبري و المعنى: اتعلم ما قال لي البلبل ذات سحر؟ قال: مع انك آدمي - و الآدمي اعلى مقاماً من الحيوان - فإنك لا تدرك كنه العشق لله ساعة السحر.

من قوله تعالى: «تسبح له السماوات والارض ومن فيهن و ان من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم انه كان حليماً غفوراً» /44/ الاسراء / و يقول من اقتباسه من الحديث النبوي، وكأنه يترجم الاحاديث ترجمة: وفي الخبر المروي دين محمد يعود غريباً مثل مبتدأ الامر أغرب من هذا يعود كما بدا و سبي ديار السلم في بلد الكفر؟ و البيتان من رثائه لبغداد، من قول النبي (ص): «بدأ الاسلام غريباً، و سيعود كما بدا غريباً» و قوله: و جنات عدن حففت بمكاره فلابد من شوك على فنن البسر من قول النبي (ص): «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» و الابيات التي ذكرناها قبلاً و مطلعها: بنى آدم اعضاى يك ديكرند مقتبسة من الحديث الشريف: «مثل المؤمنين في توادهم و تعاطفهم و تراحمهم، مثل الجسد اذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى».

و الحديث الاقتباسي يطول. مؤلفات أخرى: عرف العالم سعدي بانه صاحب بوستان وكلستان وبهما عرف في ايران والعالم كله وهما اللذان ترجما الى لغات عديدة وكان للفراتي فضل نقلهما الى العربية وحين فضل النقاد الايرانيون الشاعر سعدي على معظم شعرائهم انما كانوا يقصدون تفوقه في هذين الكتابين. وقد جمع عباس اقبال مؤلفات سعدي كلها في سفر جامع اسماه «كليات سعدي» بدأ بالكلستان واتبه بالبستان ثم سائر نتاجه.

غزليات سعدي: وهو مجموع ما نظم في غير النصائح وضم: الطيبات، البدائع، الخواتيم، غزليات قديمة، ترجيعات، ملمعات، رباعيات، ابيات مفردة. واختلفوا في معظم غزله في انه رمزي تصوفي وهو ديوان ضخم جمع في ست مئة وثمانين صفحة. قصائد سعدي: الفارسية والعربية وهو ديوان يتألف من مئة وثلاث وثمانين صفحة ضمت: غزل عرفاني، مثلثات، قطع، رباعيات في الاخلاق والمواعظ مثنويات قصائد ملحقة وفيه مدائح نبوية وشخصية ومواعظ ومراث وقصائد غزلية رقيقة والمثلثات الفارسية قصائد كاملة تقسم الى ثلاثة ابيات اولها بيت عربي ثم بيتان فارسيان ثم يعيد الكرة بيت عربي و بيتان فارسيان وهكذا والقصيدة كلها ذات معنى وموضوع واحد غالباً.

رسائل نثرية: وتتضمن كتاب نصيحة الملوك «وهو نوع من كتب الآيين والرسوم الذي عرف به الفرس منذ ما قبل الاسلام» رسالة في العقل والعشق، في التربية على لسان احد الملوك، المجالس الخمسة، وفيه نثر مخلوط بالشعر. التقريرات الثلاثة: - سؤال الخواجة شمس الدين صاحب الديوان. - ملاقاة الشيخ مع الملك المغولي اباقا. - حكاية شمس الدين تازيكوى «المتكلم بالعربية» الخبيثات ومجالس الهزل: وهو رسالة في خمس وثلاثين صفحة كتبها سعدي شعراً وادعى ان بعض ابناء الملوك امروه ان يؤلف كتاباً في الهزل فلم يجبهم فهددوه بالقتل ان لم يفعل فقال: «فلاجل ذلك اجبت امره وانشأت هذه الابيات وانا استغفر الله العظيم هذا فصل على طريق الهزل ولا يعيبه اولو الفضل لان الهزل في الكلام كالملح في الطعام». علماً ان سعدي ضم باباً في كل من كتابيه من هذا النوع من القول وكذلك فعل من سبقه من المؤلفين وكانوا يسمون هذا النوع بالملح وعنهم اخذ ابن الاثير وابن عبد ربه وابي الفرج والعماد وغيرهم.‏
رایکم