۵۱۷مشاهدات

تركيا رجّحت التوجهات الغربيّة على النزعة الإسلاميّة في سياستها الخارجيّة

كان هذا المشهد بالنسبة لي تجربة ثقافيّة لا يمكن العثور عليها إلا في تركيا وهو ما قصدته من اختلاف تركيا عن جاراتها.
رمز الخبر: ۱۰۹۲۷
تأريخ النشر: 22 December 2012
شبکة تابناک الأخبارية: كتب معهد دراسات الشرق الأدنى في واشنطن: إنّ تجذّر الناتو في تركيا جعل سياستها الخارجيّة خاضعة له حتّى رجّحت التوجّهات الغربيّة على النزعة الإسلاميّة في سياستها الخارجيّة.
واشنطن (معهد دراسات الشرق الأدنى في واشنطن)
وأشار "سونر كاغابتاي" مدير برنامج البحوث التركيّة في معاهد "مؤسسة واشنطن" و"مجلس الأطلسي" إلى أن تركيا تمثل حالة استثنائية من بين الدول الإسلاميّة وقال: على الغرب أن لا يتأمّل اعترافاً رسميّاً من قبل الحكومات الثوريّة الإسلاميّة في الشرق الأوسط بالغرب والناتو. فعلى الرغم من ميل تركيا نحو الغرب مع وجود عمليّة الأسلمة فيها، لكن دول الشرق الأوسط الثائرة تستعدّ لعمليّة أسلمة واستقلال كاملتين.
* تفرّد تركيا ببعض السمات الثقافية وعدم بروز الخلاف بين طيفيها الإسلامي والعلماني
الساعة الخامسة صباحاً وأنا في تركيا افتّش عن قهوة أحتسيها. وصلت إلى مدينة اسطنبول القديمة ليلة أمس ولا زلت مرهقاً من عناء الرحلة. قرّرت التوجّه إلى ميدان "أيوب" حيث مسجد "أيوب سلطان"، أكثر المساجد قداسة في اسطنبول، ووجدتُ إلى جانب المسجد ما أمّلتُ؛ كافتريا تبيع القهوة. بعد انتهاء صلاة الصبح خرج المصلّون ومن بينهم جمع من السلفيّين أفواجاً من المسجد وهرعوا لاحتساء القهوة وتناول ضرب من الخبز التركي (سيميت) في الكافتريا. لكن الملفت أنه لا كلمات السلفيّين المؤدبة والرسمية مع صاحبة المحل الشابة ـ التي تضع الوشم وترتدي قميصا من دون كُمّ ـ ولا تصّرفهم معها كان يوحي بتوتّر وشقاق بين أصحاب هاذين النمطين الفكريّين. كان هذا المشهد بالنسبة لي تجربة ثقافيّة لا يمكن العثور عليها إلا في تركيا وهو ما قصدته من اختلاف تركيا عن جاراتها.
هذا النمط من التعامل يشير بجلاء إلى وجود انقسام في المجتمع التركي وأن قسمَي تركيا يشبهان الزيت والماء؛ فلا هما يختلطان ولا هما يتلاشيان. فأسلمة تركيا هي واقع، ونصفها العلماني والغربي هو واقع أيضاً. ومع ذلك فإنّ جذورها التاريخية ومظاهر مجتمعها المعاصر تشير إلى صعوبة تكرّر هذه التجربة في سائر الدول الإسلامية لاسيما بعد وصول حكومات إسلاميّة النزعة إلى سدّة الحكم في ظلّ الربيع العربي.
* أتاتورك حوّل تركيا إلى أوّل بلد إسلاميّ في الشرق الأوسط يفصل بين الدين والسياسة بشكل كامل
منذ أواخر القرن الثامن عشر وبدخولها في عهد السلطنة العثمانيّة عانت تركيا قرنين من التغريب على صعيد مجتمعها وهيكليّاتها مما لم يحصل لحد الآن في أي مجتمع مسلم. فقد عدّ العثمانيّون بلدهم بلدا اوروبّياً وحاكوا القارّة العجوز في مؤسّساتهم؛ وذلك بفتح أبواب الجامعات للنساء، وتأسيس مدارس ومحاكم علمانية تشبّهاً باوروبّا. حتّى وصل "مصطفى كمال أتاتورك" الشابّ إلى السلطة وأمر بتدريس المعتقدات العلمانية في المدارس. ثم تُوّج حكم هؤلاء السلاطين بثمانية عقود من العلمانية الدستورية التي سنّها أتاتورك في القرن العشرين مؤدّية لأوّل مرة ـ في مجتمعات الشرق الأوسط ذات الأكثرية المسلمة ـ إلى الفصل الكامل بين الدين، والحكومة، والتربية والتعليم.
* الحكومة التركية الحالية أزاحت الرؤى الأتاتوركية جانباً سعياً إلى إحياء تركيا الإسلامية من جديد
بسبب تزعتها الإسلامية تحدّت حكومة حزب العدالة والتنمية الحالية بعد تسلّمها السلطة في عام 2002م هذا النمط الفكري وألغت الفصل بين الدين والسياسة والتربية والتعليم، مؤذنة بظهور موجة من النزعة الإسلامية في تركيا، يمكن تلخيصها بتشريع قوانين كفرض تدريس الدين للأطفال في عمر التاسعة في المدارس العامة. هذا الأمر أكسب تركيا الآن هوية جديدة وأصبحت ترى في نفسها دولة شرق أوسطية لا اوروبية، وتنظر إلى الدول الإسلامية كدول شقيقة، على خلاف رؤية أتاتورك الذي كان يعتقد بأن تركيا بلد اوروبي وقع صدفة في الشرق الأوسط.
* لا يمكن التغاضي عن تأثيرات الغرب في تركيا على الرغم من أنّ حركة الأسلمة فيها ماضية بأقوى أشكالها
ليست عملية الأسلمة في تركيا بالأمر الجديد لكن الجديد هو أنها تسير ضمن الإطار القديم والمتجذّر لعملية التغريب، وهو ما يميز تركيا عن جاراتها الإسلامية. فقد بلغ التغريب في تركيا حدّاً جعل حتّى حزب العدالة والتنمية وزعماءه الإسلاميين عاجزين عن إلغاء تأثيرات الغرب فيها؛ فدور المرأة في المجتمع التركي وانتماء تركيا لحلف الناتو توحي بأن نفوذ الغرب في البلاد يمثل واقعاً لا مفرّ منه. كما أن الملفت أيضا هو أنّه حتى حزب العدالة والتنمية لم يصل إلى سدة الحكم إلا بسبب تبنّيه للاقتصاد الليبرالي.
* زوجة رئيس تركيا الحالي هي إحدى الناشطات في تركيا
ومهما بلغت تركيا من الإسلامية فهي لا تستطيع إقصاء المرأة من المسرح الاجتماعي. فمشاركة المرأة في الحياة العامة متجذّرة في تركيا العلمانية إلى درجة تحوّلها إلى سمة من سمات تركيا الإسلامية الجديدة. فالسيدة "خير النسا غول"، زوجة عبد الله غول رئيس تركيا، لها نشاط اجتماعي فاعل، وهي تنفّذ مشاريعها السياسية، ولعل موقعها الالكتروني يضاهي موقع ميشيل اوباما.
* صعوبة أسلمة تركيا بسبب بقاء سياستها الخارجيّة تحت وطأة عضويتها الطويلة الأمد في الناتو وتجذر الناتو فيها
عملية أسلمة تركيا لا تسير من دون معوقات في سياستها الخارجية؛ فتركيا حتماً لم تعد تعتبر نفسها عضواً حقيقيّاً في العالم الغربي، لكنّها في الوقت ذاته لا تخالف الأفكار الغربيّة أيضاً؛ وهي الرؤية التي كانت سائدة في البلاد إلى بضع سنين مضت. وانصع دليل على ذلك هو نشر منظومة صواريخ "باتريوت" للناتو على حدود تركيا مع سوريا مؤخّراً. وبسبب تأقلم الشعب التركي مع الحياة ضمن إطار الناتو فإنّه لم يلاحظ ما وراء هذه القضية من اعتبارات ولم يعارضها بشدّة. وهذا ما جعل تركيا ـ وبسبب تغريب هيكليّاتها؛ أي علاقات أنقرة الوطيدة مع الغرب وتأثير الأساليب الغربية عليها ـ تختلف عن دول المنطقة ذات الأكثرية المسلمة. إذ حتّى أكثر الإسلاميّين إسلاميّة في تركيا كان موافقاً على دعم الناتو لتركيا بدعوى أنّ هذا الائتلاف هو الذي حمى تركيا من الاشتراكيّة و"الإلحاد"، في حين يستحيل تصور قبول الشعوب المسلمة الاخرى بتواجد الناتو في بلدانها بهذا الشكل.
* التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط دفعت تركيا إلى ترجيح التوجّهات الغربية على النزعة الإسلامية في سياستها الخارجية
لما كانت تركيا الدولة الوحيدة التي اعترفت رسميّاً بالناتو فقد جاءت سياستها الخارجية خليطاً بين تركيا أتاتورك ورؤية حزب العدالة والتنمية. فالاضطرابات في المنطقة أكسبت علاقة تركيا بالناتو أهمية خاصة، وما ميل أنقرة لواشنطن وابتعادها عن التوجه الإسلامي الموحد إلا لهذا السبب. ولعلّ أوضح نموذج لذلك هو قرار تركيا في عام 2010 الالتحاق بمشروع درع حلف الناتو الصاروخي لحماية أعضائه من الصواريخ الإيرانية، وهي خطوة لا توحي أبدا بتوجهات تركيا الوحدوية مع باقي الدول الإسلامية. كما أنّ اشتعال الحرب الداخلية السورية ألجأ أنقرة أكثر من ذي قبل إلى الناتو للدفاع عن نفسها، وهو ما دفعها بعد اندلاع المواجهات العسكرية بين أنقرة ودمشق في حزيران الماضي إلى المسارعة للاستنجاد بالناتو. كما أن تنامي حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والتنافس مع إيران على الساحتين العراقية والسورية سيؤدي هو الآخر إلى تزايد الميل التركي إلى التعاون مع الولايات المتحدة والناتو.
* جميع الدول الإسلامية في المنطقة مستعدة لتقبل الأسلمة الكاملة لكن هذه العملية ستكون أصعب في تركيا بسبب تاريخها
كل هذه المؤشرات توحي بأن أسلمة تركيا مرتبطة بتاريخها في التغريب المتأصّل من جهة واستمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة من جهة اخرى. ومن هنا فقد تتخذ الامور في تركيا وجاراتها المسلمة في الشرق الأوسط أنحاء مختلفة. فمصر مثلاً لم تخض سابقا تجربة التغريب الهيكلي والدستور العلماني وهي لهذا أكثر استعدادا لتقبل الأسلمة الكاملة. لكن من المحتمل أن لا تتّخذ هذه العملية في تركيا ـ وبسبب تجربتها الفريدة من نوعها ـ إلا أبعادا ضئيلة نذكر من نتاجاتها تلك التوليفة من المناهج الغربية والسياسات الإسلامية التي شوهدت لأول مرة في تاريخ هذا البلد.
* احتمال تقسيم تركيا التي أسّس لها حزب العدالة والتنمية بين أطيافها المختلفة من الإسلاميين والغربيين
تشير الإحصاءات إلى ميل الشعب التركي إلى التعايش مع (أو تحمل) هذين النمطين الثقافيّين المختلفين. فقد حصد حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة في عام 2011 قرابة 50 بالمائة من الأصوات. فبمعزل عن الخمسة عشر بالمائة من الأصوات التي صبت لصالح الأحزاب الإسلامية والمحافظة الاخرى فإن 35 بالمائة من الشعب التركي (أي 25 مليون ناخبا) لم يصوّتوا لصالح حزب العدالة والتنمية. فهؤلاء من حماة العلمانية ولن ينضووا أبداً تحت لواء الحركات الدينية في البلاد. وهذا تحديداً هو السد الذي سيقف أمام جريان عملية الأسلمة الداخلية في تركيا. فبعد حكومة دامت عشر سنوات في تركيا ـ مع احتمال استمرارها بسبب ازدهار الاقتصاد في عهدها ـ يرسم حزب العدالة والتنمية صورة متفرّدة لتركيا. لكن تركيا الجديدة هذه ستنطوي أيضا على فئات متنوّعة: هي الإسلامية، والعلمانية، والمحافظة، والغربية.
رایکم