۳۲مشاهدات
تقریر؛

لماذا كانت الضربة الصاروخية الإيرانية على إسرائيل «ضرورةً استراتيجية»؟

لم يكن الرد الصاروخي الإيراني على الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار عملاً حربياً أو نزعةً تصعيدية، بل كان ضرورةً حيوية لإنقاذ مبدأ اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة إحياء توازن الردع القائم على الرهبة المتبادلة، ومنع الاستنزاف التدريجي لجبهة المقاومة.
رمز الخبر: ۷۲۸۴۷
تأريخ النشر: 09 June 2026

لماذا كانت الضربة الصاروخية الإيرانية على إسرائيل «ضرورةً استراتيجية»؟

القصف العنيف والمفاجئ لمنطقة «تحويطة الغدير» في الضاحية الجنوبية لبيروت بثلاثة صواريخ، والذي أسفر عن استشهاد وإصابة عشرات المدنيين، وإحداث دمار واسع في البنية التحتية الحضرية، وتخريب المنازل السكنية، قد وضع جميع التفسيرات المزدوجة والمتفائلة بشأن صمود اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار صعب.

وفي حين تحاول بعض وسائل الإعلام تصوير الرد الصاروخي الذي نفذته الجمهورية الإسلامية الإيرانية فجر الاثنين وصباح الامس على أنه «غير ضروري» أو «مثير للتوتر»، فإن القراءة الدقيقة لسلوك الكيان الصهيوني وأنماطه التاريخية تثبت أن التزام الصمت في هذه المرحلة لم يكن مجرد خطأ تكتيكي، بل كان بمثابة انتحار استراتيجي ومنح تل أبيب شيكاً على بياض لتدمير محور المقاومة تدريجياً.

إن الرد الإيراني الحاسم لم يكن عملاً حربياً، بل ضرورةً مصيرية لإنقاذ أصل اتفاق وقف إطلاق النار، وإعادة إحياء توازن الردع، ومنع التآكل التدريجي لجبهة المقاومة. وقد بعثت هذه العملية برسالة واضحة إلى محور المقاومة والمجتمع الدولي مفادها أن أمن لبنان وإيران خط أحمر مشترك يُدافع عنه بالدم والنار.

1. الفخ الدبلوماسي الأمريكي ـ الإسرائيلي: وقف إطلاق النار كأداة تكتيكية لا كالتزام قانوني

إن أكبر خطأ تحليلي يرتكبه كثير من المراقبين يتمثل في الاعتقاد بـ«قيمة الأوراق والاتفاقات» مع كيان تقوم أيديولوجيته وبنيته السياسية والعسكرية على التوسع والاحتلال والانتهاك المنهجي للقانون الدولي.

لقد أثبتت جريمة تحويطة الغدير، التي نُفذت بصواريخ دقيقة ومنسقة، مرة أخرى أن وقف إطلاق النار بالنسبة لبنيامين نتنياهو ودائرته الأمنية، ومن بينهم يسرائيل كاتس، ليس سوى فترة استراحة تكتيكية لإعادة بناء القدرات، وجمع المعلومات البشرية والفنية، والاستعداد لجولات جديدة من الهجمات.

هدف العدو من وقف إطلاق النار: إعادة بناء القوة واستبدال المعدات وإعادة تشكيل بنك المعلومات

قال الأميرال حبيب الله سياري، مساعد رئيس أركان الجيش الإيراني، خلال مراسم تكريم ناشطي العلاقات العامة والإعلام في حرب رمضان التي أقيمت يوم الأحد في منظمة العقيدة السياسية للجيش:

«بعد أربعين يوماً من القتال من دون تحقيق أهدافه، أعلن العدو وقف إطلاق النار. فما الهدف من هذا الصمت؟ إعادة بناء القوة، واستبدال المعدات، وإعادة تشكيل بنك المعلومات، ومعالجة نقاط الضعف. لكنهم لم يكتفوا بذلك، فبمجرد أن خمدت نيران الحرب الصلبة، تغيّر الميدان وبدأت حرب ناعمة ونفسية».

وأضاف: «إن عدونا يمتلك غرف تفكير إعلامية متطورة. والرئيس الأمريكي يشارك شخصياً في هذه الحرب الناعمة. لا تظنوا أن هذا الفضاء متروك من دون إدارة، فكل شيء يُوجَّه بدقة بهدف إضعافنا. نحن نواجه العدو في الحرب الصلبة رغم الفارق في الإمكانات، كما نواجه في الحرب الناعمة هيمنة إعلامية غربية هائلة، لكن الفارق الجوهري هو أننا لا نغادر الميدان».

وأكد الأميرال سياري أن الورقة الرابحة للشعب الإيراني لا تكمن في الأدوات بل في العقيدة والإيمان، قائلاً: «إن حرب اليوم هي حرب إيمان وعقيدة. وأنا كشخص عاش تحت أعنف نيران المدفعية في خرمشهر، أشهد أنه من دون الإيمان والعقيدة يُهزم الإنسان منذ الشوط الأول. لكن شعبنا صمد في الحروب الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية أمام قوة عظمى تمتلك بمفردها تجهيزات تفوق ما يملكه العالم بأسره. وهذا ليس أمراً هيناً؛ فمثل هذا الصمود لا يتحقق إلا بالإيمان والإرادة القوية، وقد أثبتنا ذلك في تاريخ الدفاع المقدس وفي ساحة الحرب الناعمة اليوم».

ووصف «القدرة على الصمود» بأنها ثمرة مباشرة للإرادة القوية، مضيفاً: «إن المصارع الذي يصعد إلى الحلبة بإرادة قوية هو من ينتصر. وشعبنا يمتلك هذه الإرادة».

نفاق ترامب والتنسيق بين واشنطن وتل أبيب

لقد كشفت هذه الضربة الصهيونية العلنية على بيروت حجم النفاق الدبلوماسي الأمريكي. فقد كان دونالد ترامب يعلن في تصريحات إعلامية متعددة أنه «لن يسمح بأي هجوم على الضاحية»، وأنه يضمن وقف إطلاق النار. وبعد الساعات الأولى من الهجوم، ادعى أن العملية الإسرائيلية نُفذت من دون تنسيق مع الولايات المتحدة، لكن لم تمضِ فترة طويلة حتى كشفت وسائل إعلام عبرية وتقارير استخباراتية أن العملية تمت بتنسيق سياسي وأمني كامل بين تل أبيب وواشنطن.

وأعاد هذا التناقض إنتاج النمط التقليدي للسياسة الخارجية الأمريكية في غرب آسيا: دعم الحليف الاستراتيجي الإسرائيلي خلف الكواليس، مع الظهور في العلن بدور الوسيط الساعي إلى السلام.

كما أن إصدار أوامر بالإخلاء القسري لمدينة صور التاريخية، وزيادة طلعات الاستطلاع فوق جنوب لبنان بالتزامن مع الهجوم، أظهر أن الهدف النهائي للصهاينة يتمثل في فرض ميزان قوى أحادي الجانب واستنزاف الإرادة الدفاعية لحزب الله ولبنان عبر ضربات موضعية ومتواصلة.

. لماذا كان الرد الإيراني «ضرورة استراتيجية»؟

إن الرد الصاروخي الإيراني متعدد المراحل، ولا سيما إطلاق الصواريخ العاملة بالوقود الصلب بدقة عالية عند حدود الساعة الثامنة صباحاً اليوم، كان في جوهره إجابة منطقية عن سؤال محوري: «ماذا كان سيحدث لو أن إيران التزمت الصمت؟»

لقد راهن محللون غربيون وصهاينة، مستندين إلى الحرب النفسية والمبالغة في تصوير خسائر الحرب الأخيرة في لبنان، على أن إيران ومحور المقاومة سيمتنعان عن الرد المباشر بسبب ما سموه «الإرهاق الاستراتيجي».

وهذا بالتحديد هو الخطأ الحسابي الذي تكرر مراراً في عملية «طوفان الأقصى» والردود اللاحقة للمقاومة، وكان لا بد من كسره.

المخاطر الاستراتيجية لعدم رد إيران:

قبول معادلة خطيرة عنوانها «هجوم بلا رد»، بما يحول جبهة المقاومة إلى هدف سهل.

منح تل أبيب ترخيصاً فعلياً لسلسلة من عمليات الاغتيال ضد القادة الميدانيين والسياسيين.

التدمير التدريجي للبنية التحتية اللبنانية وإهانة سيادة الدولة اللبنانية.

انهيار الردع الإيراني على المستوى الإقليمي وانتقال التهديد إلى الحدود الداخلية لإيران.

تشجيع أطراف أخرى، بما فيها بعض الأنظمة العربية المنخرطة في مسار التطبيع، على زيادة الضغوط على محور المقاومة.

إن استهداف قاعدة «رامات ديفيد» الاستراتيجية، التي تُعد منطلقاً رئيسياً للطائرات الحربية المعتدية على الضاحية، لم يكن مجرد عمل انتقامي، بل كان إعادة صياغة لقواعد الاشتباك.

فمن دون هذا الرد، كان الكيان الصهيوني سيواصل استهداف أي نقطة في جبهة المقاومة تحت غطاء الاتفاقات الورقية، وكان مفهوم «وقف إطلاق النار» سيتحول عملياً إلى استسلام تدريجي.

3. إعادة تعريف توازن الرعب: كبح البارود بالبارود

كان المجتمع اللبناني وقوى محور المقاومة، رغم الخسائر البشرية والبنيوية الجسيمة التي تكبدتها، بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترسيخ ردع حقيقي وفعّال. لقد شكّل الرد الأولي لحزب الله ــ من خلال إطلاق الصواريخ الدفاعية باتجاه الطائرات الحربية التابعة للكيان الصهيوني فوق النبطية، وتنفيذ عمليات بالطائرات المسيّرة الصغيرة ضد مواقع في الشقيف ــ خطوة مهمة، لكنه كان بحاجة إلى تدخل إيراني مباشر وحاسم لاستكمال عناصر المشهد.

وانطلاقاً من إدراك الجمهورية الإسلامية العميق لحقيقة مفادها أن «اللغة الوحيدة التي يفهمها كيان لا يؤمن إلا بمنطق القوة هي الرد المقابل والمتكافئ»، دخلت إيران على خط المواجهة.

وقد أكدت مواقف كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة الحرس الثوري مراراً أن أي محاولة لفرض معادلة أحادية الجانب على لبنان أو على حزب الله تمثل خطاً أحمر بالنسبة لطهران.

ومن خلال إطلاق الصواريخ الباليستية الدقيقة، بما في ذلك صواريخ من عائلة «خيبر شكن»، أعلنت إيران بوضوح أن أمن بيروت وطهران لا ينفصل عن أمن تل أبيب وحيفا.

وقد حوّل هذا الترابط الاستراتيجي مفهوم «العمق الاستراتيجي» من إطار نظري إلى واقع عملي ملموس.

4. التداعيات الإقليمية والدولية: ما هو أبعد من عملية عسكرية

بطبيعة الحال، فإن الرد الصاروخي الإيراني يحمل أبعاداً أوسع من مجرد عملية عسكرية، ومن أبرزها:

لبنان:

تعزيز موقع حزب الله في أي مفاوضات مقبلة، ومنع تصاعد الضغوط الداخلية المطالبة بنزع سلاحه.

فلسطين:

بث الأمل في جبهة غزة والضفة الغربية في مرحلة بالغة الحساسية.

محور المقاومة:

إرسال إشارة واضحة إلى مستوى التنسيق والتكامل بين طهران وبيروت ودمشق وصنعاء.

الجبهة المقابلة:

إحداث تصدعات داخل معسكر داعمي الكيان الصهيوني، ودفع واشنطن إلى إعادة النظر في حساباتها.

إن المناشدات المتكررة التي أطلقها ترامب من أجل «وقف فوري للقتال»، والضغوط الدبلوماسية التي مورست على إيران، تشكل ـ بحسب هذا الطرح ـ أفضل دليل على نجاح الردع الصاروخي الإيراني.

الحفاظ على وقف إطلاق النار بلغة القوة

إن الإجراء الحاسم الذي اتخذته القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية عبر إطلاق موجات متتالية من الصواريخ الدقيقة والقوية لم يكن متعارضاً مع استقرار المنطقة، بل كان ـ وفق هذا المنظور ـ السبيل الوحيد للحفاظ على وقف إطلاق النار ذاته، بعد أن حوّله الصهاينة إلى أداة لمواصلة الانتهاكات والاعتداءات المتكررة.

وفي الجغرافيا المضطربة لغرب آسيا، حيث تبدو المؤسسات الدولية عاجزة أو منحازة إلى جانب المعتدي، يبقى توازن الرعب هو الضامن الوحيد للبقاء ولحدٍّ أدنى من السلام والاستقرار.

إن تساقط بارود الصواريخ الإيرانية على القواعد التابعة للمعتدين أعاد صياغة المعادلة، وأثبت أن البارود في هذه المنطقة لا يُردع إلا بالبارود.

وقد فتحت هذه العملية صفحة جديدة في تاريخ المقاومة، مؤكدة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست فقط مدافعة عن أراضيها، بل هي أيضاً الضامن لأمن وكرامة محور المقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني ـ الأمريكي.

رایکم
آخرالاخبار