۱۴۰۴مشاهدات
رمز الخبر: ۶۲
تأريخ النشر: 23 July 2010
تربى وترعرع في منزل العلم والعلماء حتى غدا شبيها بوالده بمواقفه وبابتسامته وحتى في ابسط حركاته وفي كثير من الاحيان كان يمثله في العديد من المحافل المحلية والاقليمية وحتى الدولية.

ومع انتهاء مراسم العزاء خص صحيفة الوفاق، ووكالة الجمهورية الاسلامية للانباء بلقاء خاص ركز في مستهله على وصايا الوالد. وقال نجل سماحة آية الله العظمى السيّد محمد حسين فضل الله، السيّد علي فضل الله، إنّ الرّاحل قد ركّز في وصاياه على أربعة أمور، أوَّلاً: حفظ الإسلام وخطّ أهل البيت(ع) وإبقاء الإسلام نقيّاً صافياً في مواجهة التحدّيات، وأيضاً تنقية تراث أهل البيت (عليهم السّلام) من الشَّوائب التي تعلَّقت به، حتى نستطيع أن نقدّم هذا التّراث إلى العالم بالصّورة الصّحيحة اللائقة بهم.

وطبعاً كان السيّد حريصاً على أن يقف أمام كثيرٍ مما حمّل هذا الخط من إضافاتٍ تسيء إليه، سواء كان على المستوى الفكريّ أو العقائديّ أو على مستوى الممارسات. والجانب الآخر تمثّل بحرص السيّد على المقاومة على المستوى العالمي سواء المقاومة الإسلامية في لبنان أو في فلسطين أوالمقاومة النظيفة في العراق.

كما كان سماحته شديد الحرص على سلامة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، التي كانت دائماً في عين السيد وفي قلبه وفي عقله، وأنا أستذكر ما قاله في وقتٍ من الأوقات خلال زيارةٍ له من أحد المسؤولين الإيرانيّين: إنّه مهما قيل عني، وحتى لو رجمتوني بالحجارة، فإني سأبقى مع الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. أنا أعتبر أنّ هذه الجمهوريّة تمثّل الإسلام وتمثّل خطّ أهل البيت(ع)، وتمثّل الموقف الصلب أمام الاستكبار العالميّ. إيضاً كان حريصاً جداً على الوحدة الإسلاميّة بما هي قضيّة جامعة، وشرط ضروريّ لمنعة الأمّة الإسلاميّة وعزتها.

أستطيع القول إن هذه هي أبرز القضايا التي كانت تشغل بال سماحة السيّد، وكان يشعرنا كأفراد وكأمّة بأهمية العمل لها. وإلى ذلك اهتمّ سماحته اهتماماً خاصّاً بالمسجد، وقد تحدث إلى أحد أخوتي وهو على فراش المرض، أن يكون المسجد هو الملاذ الآمن الّذي (لا بدّ من الحرص على التردّد الدّائم إليه). وكان يعتبر أنّ المسجد هو حصن الإسلام، ومبعث الجوّ الروحي والإيماني والفكري والثقافي للمسلمين، وهو يلتقي بذلك مع الإمام الخميني(رض)، الّذي وصف المسجد بالمتراس.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، كان أحد همومه الكبرى مقاومة إسرائيل حتى زوالها من الوجود. ففي جوابه لأحد الممرّضين الذي سأله قبل رحيله بأيّام: هل أنت مرتاح (سماحة السيّد)؟ أجابه سماحته بحزم: أنا لن أرتاح إلا عندما تسقط إسرائيل. وكان بذلك يعبّر عن حرصه البالغ على هذه القضيّة التي كان يعتبرها أمّ القضايا. إذ لم تكد تخلو خطبة من خطب الجمعة، التي كان يلقيها من على منبر الإمامين الحسنين وقبلها في بئر العبد، من الحديث عن فلسطين، وهو كان يرى في القضية الفلسطينية قضية العرب والمسلمين الاولى بل هي قضية كل الأحرار الذين يرفضون الظلم في العالم. لأنّه كان يعتبر أنّ هذه القضيّة إذا لاقت الاهتمام الّذي تستحقّ من المسلمين، فستشكّل المفتاح الأساس لمعالجة الكثير في قضايانا، لما يمثّله هذا الكيان الصّهيوني من مانعٍ أمام استقرار المنطقة بل العالم.

سماحة السيّد كان بالنّسبة إلينا أباً، وكان يعيش معنا معنى الأبوّة الرحميّة، والأبوّة الرّساليّة. كان حريصاً على أن يوصينا بتقوى الله وطاعته، والعمل في سبيله، وإتعاب أنفسنا في هذا الاتجاه.

سماحة السيّد كان حريصاً على المؤسّسات التي أنشئت تحت عينه ونظره، وسارت بعون الله برعايته، أن تبقى وتزدهر وتستمرّ، وكان حريصاً على أن تُرعى من قبل مجموعةٍ من العلماء الموجودين في أطراف العالم الإسلاميّ الّذين واكبوا عمل سماحة السيّد وشاركوه في تشييد هذه المؤسّسات. وطبعاً لم يعهد بهذه المؤسّسات إلى فردٍ أو عائلةٍ، وإنما عهد بها إلى أناسٍ يطمئنّ إلى أنهم سيتابعون المسيرة في كلّ اتجاهاتها، كي تبقى هذه المؤسّسات كما أُريد لها، صروح خير ومحبة لخدمة من أنشئت لأجل خدمتهم ورعايتهم. ولم يكن لدى سماحة السيّد أيّ جانبٍ ذاتيّ في هذا الموضوع.

طبعاً، نحن واكبنا العمل مع عمّي الدّكتور محمد باقر فضل الله، وبقيّة الأعضاء في الجمعيّة الذين بذلوا وضحّوا وأخلصوا لهذه المؤسّسات ولا يزالون، فكانت مؤسّسات سماحة السيّد نموذجاً يحتذى في العمل الإسلاميّ النوعي، في كافّة المجالات وعلى مختلف المستويات.

بالتّأكيد لن يستطيع أحد بمفرده أن يحمل عبء هذا الإرث الّذي خلّفه سماحة السيد، ونحن لا نستطيع أن نقوم بهذه المسؤوليّة دون مشاركة المخلصين والمحبّين، ولكن في النهاية هناك مسؤوليّة مباشرة، وهناك إلى جانب الأمر الرّسالي الجانب العاطفيّ. لذلك سنتابع المسيرة، ونحن نعتبر أنّ هذا الأمر سيكون في عهدة الأمّة بأكملها، وأنّ كلّ إنسانٍ يعطي في هذا السّبيل هو يساهم في إحياء ذكرى سماحة السيّد وإبقاء ذكراه حيّةً، وقد لمسنا ذلك من خلال الجوّ العاطفيّ الّذي شهدناه خلال تشييع سماحته وخلال مراسم العزاء به.

نقول لابدّ من أن تتحوّل كلّ هذه العاطفة والمحبة التي ظهرت في القلوب وفي أذهان الناس إلى الجانب العمليّ، بحيث يشعر كلّ إنسان من هؤلاء الطيّبين بالمسؤوليّة عن المؤسّسات التي حضنت الفقراء والأيتام والمعوّقين والمسنّين والطلاب المستضعفين الّذين كانوا بعهدة سماحة السيّد بأعدادٍ كبيرة.

أيضاً، لقد كان لسماحته حضور كبير وفاعل ومؤثّر في الجانب الفكريّ والفقهيّ والجهاديّ في العالم الاسلامي، وهذا ما سيكون مسؤوليّة كلّ المفكّرين والمجاهدين، وكلّ الفقهاء وكلّ الأدباء الّذين قدّروا قيمة سماحته على هذه الصّعد. وأيضاً كان لسماحة السيّد إنتاج أدبيّ مميّز يحمل معاني عميقة، بل كان في العديد من جوانبه رسالة إلى الأجيال كي يتعمّقوا في مغازي نصوصه الّتي اختمرت في وجدانه وضميره، وسالت فكراً وأدباً في كتبه وعلى أوراقه.

وحول المرجعيّة في لبنان بعد غياب سماحة السيّد، قال: طبعاً سماحة السيّد كان حريصاً دائماً على الأصول في المرجعيّة، لذلك فالمرجعيّة لا تورّث، لا يمكن لأحدٍ أن يقول أنا مرجع إبن مرجع، أو أخ مرجع، في النّهاية المرجعيّة هي عمليّة جهدٍ فقهيّ وجهدٍ أصوليّ، الآن كلّ إنسانٍ يعمل في المجال الفقهيّ، وله اهتمام فيه لا بدّ من أن يطمح لأن يصبح مرجعاً، ولكن لهذه الطّموحات طريقها ومسالكها، وكلّ إنسانٍ إذا وفّقه الله إلى أن يصل، عليه أن يحمد الله كثيراً على ذلك. نسأل الله أن يوفّقنا ويوفّق كلّ النّاس الّذين عاشوا مع سماحة السيّد، وأيضاً كلّ النّاس الآخرين، لأن يبرز هناك مرجعيّات في الساحة تملك الانفتاح الفقهيّ الذي كان لدى سماحة السيد.

وحول وجود شخصيّة لبنانيّة قادرة على أن تحلّ الآن محلّ السيّد، قال: في لبنان، ليس هناك شخصيّة يمكن أن تحلّ مكان سماحة السيّد بصفته المرجعيّة، لكن هناك العديد من القادة والعلماء الّذين يمكن أن يكون لديهم الكفاءة في أعمالهم ومسؤوليّاتهم الّتي يتولّونها في رعاية الشّأن العام في البلد.

وحول إحساس المشاركين في تشييع سماحة السيّد، وكلام سفيرة بريطانيا، قال: إنّ سماحة السيِّد استطاع كإسلاميّ وكرائد حركةٍ إسلاميّةٍ أن يصل إلى عقول الكثيرين وقلوبهم، من أصحاب العقول النيّرة والقلوب الصّادقة المحبّة، مثل مراسلة CNN والسّفيرة البريطانيّة، وغيرها كثير. كان صوت سماحته قادراً على أن يصل، وأن يقنع الكثيرين ممن لا يحملون عقداً ضدَّ الإسلام وفكره.

وأذكر أنه قبل فترة، كان هناك مئة شخصيّة أمريكيّة كانت تريد أن تأتي إلى لبنان لمقابلة سماحته، وهم ليسوا من السياسيّين، بل من المثقّفين الأمريكيّين، مُنع هؤلاء من قبل وزارة الخارجيّة الأمريكيّة من الحضور لمقابلة سماحته، لأنهم لا يريدون لهذا الصّوت الإسلاميّ أن يصل وأن يؤثّر، لأنّ من منع هؤلاء يخافون من الإسلام بكلّ أشكاله.

وحول تقرير الـBBC والعربيّة بشأن الخلاف بين السيّد وولاية الفقيه وإيران والمقاومة، قال: هذا الاتهام ليس صحيحاً، وأنا سمعت قبل أيّام من السيّد ما قلته لكم. إنّ السيّد كان حريصاً على الجمهوريّة الإسلاميّة، وعلاقة السيد مع الجمهوريّة علاقة جيدة وعميقة الجذور وممتدّة إلى كل قادة الجمهوريّة الّذين كانوا يتواصلون معه ويتواصل معهم باستمرار. هم قد يعتبرون بالشكل، أنّ السيّد لم يزر إيران في الفترة الأخيرة، فهذا يعني أن العلاقة بينه وبين الجمهوريّة علاقة سيّئة. بالتأكيد الأمور ليست كذلك، لأن الأمر يتعلق بوضعية سماحة السيد، ليس إلا.

قبل فترة، تشرّفت بأن ألتقي بسماحة السيّد القائد(حفظه الله)، وعبّر لي عن مشاعره الطيّبة، وعبّرت له عن مشاعر السيّد تجاهه، وكذلك كان هناك تواصل دائم، لا أعتقد أن هناك مشكلة في هذا الأمر، هذا أمر له علاقة بموضوع المرجعيّة، ولا أعتقد أنه يشكّل مشكلةً، في النّهاية هناك مراجع في أماكن متعدّدة من العالم الإسلاميّ، هم موجودون في العراق وفي إيران، ولا أعتقد أنّ هناك مشكلةً من ناحية المرجعيّة، وإن تناول الحديث عن الموضوع بهذه الطّريقة، ليس عليه دليل، ولا يثبت أمام الوقائع، صحيح أنّ سماحة السيّد لم يذهب إلى إيران منذ مدّة، لكني كنت أمثّل السيّد في كثير من المواقع في إيران، وبالتّالي كنا نتواصل باستمرار.

هم يريدون ذلك الخلاف، يريدون أن يكون لسماحة السيّد مشكلة بينه وبين إيران، ويحاولون تفسير بعض الأمور التي حصلت مما نسب إلى سماحة السيّد في موضوع الزهراء(ع) وغيره، والذي تسبب بأذية السيد، يريدون تحميل مسؤلية ذلك لإيران، وأنّ يقولوا أن إيران هي وراء ذلك. حاولوا أن يشيروا إلى ذلك، وسماحة السيّد له موقف في هذا الشّأن، هناك أناس في داخل إيران قد يكون لهم دخالة في الموضوع، وهذا أكيد، لكنَّ الأمر لا يتعلَّق بالقيادة الإسلاميَّة أو بالأشخاص الفاعلين والممثّلين في معظم السّاحة. نحن نعتقد أنّ من كان له مشكلة مع سماحة السيّد، يكون له مشكله مع سماحة السيّد القائد أيضاً.

وحول إحساس النّاس الذين شاركوا في العزاء برحيل السيّد، قال: أكيد، الكلّ عبّروا عن مشاعرهم، وكلّ إنسانٍ عبّر عن موقفه من موقعه، إن كان إسلاميّاً تحدّث من موقعه الإسلاميّ، وإن كان وطنيّاً تحدّث من موقعه الوطنيّ، وإن كان ذو انتماء آخر تحدث من منطلقه وهكذا... أكيد الكلّ عبّروا عن مشاعرهم المخلصة والنّبيلة، والّذي عاش أفق سماحة السيّد، أكيد عبّر بطريقةٍ أوسع وأشمل في هذا الإطار، لذلك كلّ أحد كان يرى سماحة السيّد بالصّورة الّتي كان هو يعيشها معه ويتصوّره من خلالها، والّذين كانوا في مواقع إسلاميّة كبيرة، عبّروا بطريقةٍ أشمل عن رؤيتهم لسماحة السيّد، سواء كان السيّد القائد(حفظه الله) أو السيّد حسن نصر الله، هؤلاء الّذين عاشوا معه، عبّروا بكلماتهم وعواطفهم عن روحيّة سماحة السيّد التي عرفوه من خلالها بصدق وإخلاص.

كلام أخير: علّمنا سماحة السيّد أنّ الإنسان مهما بلغ من العظمة، سوف يغادر هذه الحياة، وهذا النبي محمد(ص)، وهو أعظم النّاس، قد غادرها، والله لم يجعل لأحد الخُلد، حتى الأنبياء، يبقى أنّ الأساس هو الارتباط بالفكر وبالنّهج، وسماحة السيّد حمّلنا أمانة المسؤوليّة عن الإسلام، واعتبر أنّ الإسلام، ولا سيّما الإسلام على خطّ أهل البيت(ع)، هو الإسلام الأصيل. ومسؤوليّتنا أن نؤكّده ونحفظه، ونبقيه صافياً، ونحرّكه في الحياة، والإسلام يملك القدرة على الامتداد، ولهذا، المسؤوليّة كبيرة على الجميع، كان سماحة السيّد يأخذ على عاتقه الكثير من هذا الجهد وعن الجميع، الآن أصبحت المسؤوليّة ملقاةً على عاتقنا جميعاً، ونحن على ثقةٍ بأنّ الأمّة التي عبّرت عن عاطفتها وحبّهاً للسيّد، ستحفظ الأمانة وكلّ هذا النّهج مع كلّ هؤلاء الذين عاشوا مع سماحة السيّد وفهموه، بالتّأكيد، هم سيؤكّدون فهمهم أكثر، وكما قال سماحة السيّد في كلماته القصيرة والمكثّفة في تأبين نفسه، إنّه إذا كان أحد لم يفهم سماحة السيّد في حياته، فهو يدعوه إلى أن يفهمه بعد مماته.
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: