۳۰۴۳۷۰مشاهدات
لكن أي دور لعبه النشطاء في تحول السعودية إلى هذا النمط الليبرالي الجديد؟ هل كان لهم أي تأثير على طريقة تفكير ولي العهد الجديد؟
رمز الخبر: ۳۷۹۴۹
تأريخ النشر: 15 March 2018

شبکة تابناک الاخبارية: في تقريرها بموقع مجلة «ناشيونال إنترست» تشير الكاتبة والمحامية الدولية «إرينا تسوكرمان» إلى مقال «إنصاف حيدر»، زوجة الناشط السعودي «رائف بدوي» بصحيفة نيويورك تايمز في فبراير (شباط) الماضي، والتي نسبت السياسات الليبرالية التي شهدتها السعودية مؤخرًا -مثل السماح للنساء بقيادة السيارات، وإعادة النظر في إصرار المؤسسة الدينية على ارتداء النساء للعباءة- إلى العمل الدؤوب للناشطين المعارضين من أمثال زوجها، وإلى عقود من الجهود المكثفة في مجال حقوق المرأة قادتها ناشطات معروفات مثل: «وجيهة الحويدر»، و«منال الشريف»، و«لجين الهذلول»، وهي تفترض أن تلك التغيرات التدريجية هي شهادة على فعالية الأنشطة الشعبية.

وتسرد «تسوكرمان» رأي «دانيال جرينفيلد» أنه يمكن أن نعزو الحركة السعودية إلى ابتعادها عن دعم الإسلاميين كحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، استجابة للتأثيرات والضغوط التي مارستها إدارة الرئيس أوباما. ولكن يبدو أن كلا الافتراضين يجانبهما الصواب. فالفضل كله يعود إلى الملك سلمان الذي استجاب بشكل مناسب لاعتبارات السيادة الوطنية المتعلقة بمسألة الحركات الإسلامية، وإلى ولي عهده «محمد بن سلمان» الذي أخذ زمام المبادرة في فتح المجال لمزيد من السياسات الليبرالية. ولكن كلًّا من المعارضين والغرب قد لعب دورًا مهمًا، ولا يزال بإمكانهما لعب دور فعال لصالح المزيد من التغييرات الإيجابية في المستقبل.

الفضل يعود للأمير الشاب

وفقًا للكاتبة، فبإمكاننا سرد الحقائق كالتالي: بعد عقود من تصدير الإسلام الوهابي المتشدد حول العالم، وجدت السعودية نفسها في مأزق، إذ صار الإسلاميون يدافعون عن التغيير الثوري للنظام في المملكة. وفي مارس (آذار) 2014، قبل عام كامل من إعلان ترامب حملته لانتخابات الرئاسة الأمريكية، صنفت الرياض الإخوان المسلمين جماعةً إرهابيةً، وهو ما لم تفعله إدارة ترامب حتى الآن، التي لم تصنف الجماعة نفسها حركة إرهابية، مثلما فعلت مع بعض وكلائها، برغم طلبات قادة كل من مصر والسعودية وبلدان أخرى.

في الحقيقة، لقد تحدث القادة من مصر والسعودية مرارًا مع إدارة أوباما وإدارة ترامب من بعده عن الأخطار الإقليمية والدولية التي تشكلها جماعة الإخوان المسلمين، وعن الدعم الذي تقدمه للعديد من المنظمات الإرهابية حول العالم. وإذا حدث أي شيء، فإن الإدارة الأمريكية ستكون قد تأثرت بالقرائن التي قدمها حلفاؤها في الشرق الأوسط عن الخطر الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين وحلفاؤها.

بدأت سياسة مجابهة الإسلاميين في السعودية على يد الملك عبد الله، وقد قرر خلفه الملك سلمان الاستمرار في تلك السياسة ودفعها قدمًا، مع إدراكه أن استمرار المملكة، واستقرار الأمن الإقليمي يعتمد بالأساس على قدرة الدول على مواجهة المتمردين. وبالمثل، فإن تنامي التحالفات الدفاعية الإقليمية للمملكة في مواجهة إيران والتهديدات الأخرى يجعل الرياض سابقة لإدارة ترامب، وهذا في الحقيقة هو استجابة مباشرة للتأثيرات التي أحدثتها الصفقة النووية التي وقعتها إدارة أوباما.

في صيف عام 2016، وقبل شهور من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ظهر الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق للاستخبارات السعودية في نيويورك مع العميد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي «مايكل هرتسوغ»، والمستشار في معهد واشنطن «دنيس روس»، إذ دافع عن فكرة أن الإصلاح في الشرق الأوسط يجب أن يأتي من الداخل. وقد كانت الحكومة تعمل بالفعل على تثبيت خطط للحركة لأجل كل من الإصلاحات الخارجية، والتحالفات الأمنية.

تتساءل «تسوكرمان»: لكن أي دور لعبه النشطاء في تحول السعودية إلى هذا النمط الليبرالي الجديد؟ هل كان لهم أي تأثير على طريقة تفكير ولي العهد الجديد؟ حقيقة أن تلك القرارات كانت نابعة من إرادته هو فقط يمكن التدليل عليها بأن سلفه -الأمير «محمد بن نايف»- لم يكن يلقي بالًا لهؤلاء الناشطات، بل على العكس دفع بالأمور نحو الأسوأ حين أمر بالقبض على «سمر بدوي» الناشطة في مجال حقوق المرأة، وشقيقة رائف بدوي الذي أثار مصيره الشخصي الكثير من الاهتمام والضغط الدولي، وبرغم من تعليق ما تبقى من أحكام الجلد التي صدرت بحقه، فإنه ظل في السجن.

بالمثل، لم يتخذ الأمير «حمد بن نايف» أي إجراءات للاستجابة لناشطات حقوق المرأة، تسببت الطبيعة القاسية لانتهاكات حقوق الإنسان في دعاية سلبية للمملكة، في الوقت الذي كانت فيه إدارة أوباما تتوجه صوب إيران -حيث الانتهاكات المشابهة تعد ممارسة يومية شائعة إلى الآن-. لم يكن هناك سبب يدعو للاعتقاد بأنه حال بقى «ابن نايف» في السلطة، فإن الأمور كانت ستتغير بشكل ملحوظ. لم يبد الأمير اهتمامًا يُذكر بالحركات الشعبية في الداخل، ويمكن للمرء أن يجادل أن عدم القدرة على مسايرة العصر والفشل في مساعدة المملكة على اكتساب صورة ذهنية إيجابية كانت ضمن الأمور التي ساهمت في السقوط السياسي لابن نايف.

لذلك فإن أولئك الذين يؤمنون أن السبب الوحيد للإصلاحات الحالية يعود إلى الرغبة في نيل التعاطف الغربي، أو بسبب ضغوطات المعارضين، فهم في واقع الأمر يهملون حقائق مهمة تتعلق بمسألة الاهتمام الغربي بحقوق الإنسان. لنأخذ حملة «رائف بدوي» كمثال، وهي التي لاقت اهتمامًا شديدًا في البداية بسبب محنته الشديدة، أضحت الحملة خارج دائرة الضوء. حتى رئيس الوزراء الكندي «جاستن ترودو» -التقى مرارًا بإنصاف حيدر خلال حملته الانتخابية- لم يقدم أي إسهام حقيقي لإطلاق سراح بدوي. المبدأ إذا هو: الغرب يهتم بحقوق الإنسان -سواء في السعودية أو في غيرها- فقط إذا كان سيصل من وراء ذلك مكاسب سياسية.

لذلك ليس من الصعب توقع أنه طالما ظلت المملكة مفتوحة لزوارها، فإننا لن نعدم الكثير من المغامرين، من ذلك النوع الذي سيود بسعادة أن يزور كوريا الشمالية أو كوبا، أو أي دولة أخرى غارقة حتى أذنيها في انتهاكات حقوق الإنسان . الكثيرون سيودون زيارة الرياض، وإبرام الصفقات هناك. وستبقى انتقاداتهم حول دور السعودية في حرب اليمن، أو في التصعيد ضد قطر، أو أي تطورات خارجية أخرى، غير مرتبطة بالإصلاحات الداخلية الجارية. لم تغمر الحكومات الغربية نظيرتها السعودية بالمديح بسبب خطواتها الداخلية. 

حرب النشطاء السعوديين ضد المجتمع لا الدولة

تضيف الكاتبة: لا يعني ذلك أن جهود المعارضين قد ضاعت سُدى، بل على العكس، يمكن ملاحظة العديد من النقاط الإيجابية. أولًا، سواء كان «محمد بن سلمان» يفعل ذلك استجابة للنشطاء أو لا، فإنه في النهاية يفعل الشيء الصحيح الذي يفيد الناس. (في الحقيقة، إذا كان يفعلها بدافع شخصي بحت، وليس بفعل ضغوط داخلية أو خارجية، فإن هذا مؤشر على مقدار كبير من الوعي لم يكن يتوقع لمن هم في مثل منصبه). ثانيًا، بعيدًا عن خطوات الحكومة، فإن الثقافة الشعبية في السعودية تظل محافظة بشدة، وقد بدأت مشاكل معظم النشطاء بين يدي الأهل وليس الحكومة. والد رائف بدوي نادى بمعاقبة ابنه، في وقت كانت الحكومة في وضع يتوقع فيه أن تصير أكثر تساهلًا. وقد وصفت شقيقته «سمر» بيئة المنزل بأنها طغيانية وعنيفة، ما اضطرها إلى الهرب في نهاية المطاف.

لهذا، فإن الدور الذي يمكن أن يلعبه النشطاء في السعودية يختلف عن ذلك الذي قد تلعبه المعارضة في إيران التي ظل للكثير من سكانها ميل ليبرالي حتى بعد الثورة الإسلامية التي فرضت القوانين الشرعية بشكل صارم، وقابلت الانتقادات بعقوبات قاسية. في السعودية لا يزال السكان محافظين أكثر من الحكومة ذاتها، بل إن المملكة قد وظفت المزاج الليبرالي أحيانًا -أو رجال الدين المتعاونين- من أجل القيام ببعض الإصلاحات.

لا يزال السعوديون بشكل عام ينظرون باحترام شديد إلى السلطة الدينية، طالما أن هناك «فتوى شرعية» تؤيد قرارًا ما، فإنهم سيمضون قدمًا في دعم الحكومة حتى ولو تصادم ذلك القرار مع تنشئتهم الصارمة. وعلاوة على ذلك، فإن التغريب بمفرده لم يكن قادرًا على تغيير هذه العقلية. العديد من الشبان السعوديين سافروا إلى الغرب، وقضوا فيه وقتًا كافيًا قبل أن يعودوا بالعقلية نفسها. بالنسبة للسعوديين، لم يكن هناك من حافز أو دافع للتحديث، لا داعي لمنح المرأة الوظائف وهم الذين يرون قمة نجاحها في الزواج وتربية الأطفال، وأغلب الشباب يعيشون مع الأهل ويستطيعون تحمل تكاليف المعيشة دون الحصول على عمل حقيقي.

ترى الكاتبة أنه بإمكان النشطاء اليوم أن يلعبوا دورًا مهمًا في الحرب الثقافية، في الحقيقة فإن نساءً من أمثال «وجيهة الحويدر»، و«ومنال الشريف»، و«لجين الهذلول»، و«سمر بدوي» قد مثلن مصدرًا لإلهام، ليس فقط النشطاء، بل آلاف النساء الأخريات ممن يخافن الحديث، أولائك اللاتي يمتلكن أحلامًَا لا يتحدثن عنها في محادثاتهن مع الغربيين، بإمكان رائف بدوي أن يلهم الكثيرين حين يرون أن مأساته لم تكن بلا ثمن. بإمكان هؤلاء النشطاء أن يثيروا المزيد من الأسئلة والشكوك في المخيال الجمعي، وهي أمور لا يمكن لقانون أن يغيرها. يمكن للحكومة أن ترفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات، لكن ليس بإمكانها أن تجبر النساء على تحدي عائلاتهن والجلوس خلف مقود السيارة. يمكن للمملكة أن توقف محاكمة أولئك الذين يرفعون أصواتهم في الفضاء الاجتماعي، لكن يجب على النشطاء أن يدفعوا الآخرين إلى التكلم، وتحدي القيم الاجتماعية، والسياسات القبلية، والعادات الثقافية، والتفسيرات الدينية التي تقيد السعوديين باتجاه الماضي السحيق.

فليضرب ابن سلمان 5 عصافير بحجر واحد

وكما ترى «تسوكرمان»، يمكن لتلك الأصوات أن تصبح عونًا كبيرًا لولي العهد «محمد بن سلمان»، إذا استمر في طريق الإصلاح والتحديث. سيكون عليه إطلاق سراح رائف بدوي ومحاميه «وليد أبو الخير» وأي شخص آخر احتجز بسبب نشاط سلمي ينادي بذلك النوع من الإصلاح الذي دشنته الحكومة بالفعل، ليس فقط بدافع الشفقة، أو من أجل نيل قبول الغرب، أو لأن هذا هو الشيء الصحيح الذي يجب فعله، بل من أجل المصلحة العقلانية كذلك، إذ يمكن لابن سلمان حينها أن يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.

الناشط السعودي «رائف بدوي»

أولًا: لا يشكل إطلاق سراح رائف بدوي -أو غيره- أي تهديد على السلطة في المملكة (حتى لو تطلب الأمر الاستعانة برجال دين من أجل إصدار فتوى مناسبة)، ولكنه سيبعث برسالة قوية أن ولي العهد آمن في منصبه، وأنه قد أحكم قبضته على السلطة ولم يعد يخشى شيئًا.

ثانيًا: من شأن قرار كهذا أن يساعد «ابن سلمان» في خططه لتخليص المملكة من الفساد، فالقرارات بحق بدوي ورفاقه قد تم اتخاذها من قبل أسلافه، وهؤلاء لم يعد لهم مكان في السلطة اليوم، وليس هناك طريقة أفضل من ذلك لإعلان أنه لم يعد هناك شرعية للفساد في سلطة اليوم.

ثالثًا: إطلاق سراح هؤلاء سيبعث برسالة قوية إلى الغرب، لا يعني ذلك السعي إلى حشد القبول الغربي، الأمر الذي لا يحتاجه أي قائد يقدس السيادة الوطنية، لكن من أجل إبراز نفاق الدول الغربية التي تستغل السجل السيئ للسعودية في مجال حقوق الإنسان من أجل فرض عقوبات، في الوقت الذي تدعم فيه غيرها من أنظمة الشر التي لا تشعر بأي تأنيب ضمير حين تقوم بإعدام أناس مثل بدوي، ستوفر هذه الخطوة شرعية كبرى للمملكة في مواجهة لاعبين آخرين أكثر سوءًا في المنطقة.

رابعًا: الحكومة بحاجة إلى أصوات بدوي ورفاقه من أجل دعم الإصلاحات على الأرض. وجود المزيد من الأصوات المؤيدة لإصلاحات «محمد بن سلمان» يكسبه المزيد من الشرعية والدعم، وسيساعده في تحقيق أهدافه بسرعة أكبر، يحتاج ولي العهد إلى حلفاء، خصوصًا أولئك الذين يمتلكون شرعيتهم بأنفسهم، أولئك الذين تتشكل قناعاتهم بعيدًا عن الضغوط الحكومية. ليس هناك سبب مقنع لأن تكون الحكومة ورعاياها على طرفي نقيض في العديد من القضايا -حتى لو كنا نتحدث عن ملكية مطلقة-، ستحتاج الإصلاحات في السعودية وقتًا طويلًا؛ لأننا نستثمر في عقول البشر. هنا يمكن أن تفعل الأصوات الشعبية وسط الناس ما تفشل القرارات عادة في فرضه بالقوة.

أخيرًا: إطلاق سراح النشطاء سيظهر للمنطقة أن قيادة حقيقية جديدة قد وصلت، لديها رؤية لمستقبل أفضل بكثير، ليست مفروضة هذه المرة من الخارج، بل نابعة من رغبة أصيلة لدى السكان، ومرتبطة بطموحات وتطلعات المنطقة.

وتختتم الكاتبة مقالها بالتذكير بأن هناك دورًا للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» كذلك، وهو الذي يسعى إلى شرق أوسط يعيش في سلام واستقرار وحرية ورخاء، كجزء من إرثه. لا يتطلب الأمر إنفاق المزيد من الأموال. كل ما سيحتاجه هو دعم حليفه لفظيًّا مع كل خطوة في الاتجاه الصحيح. وبالنسبة لشخص يبدأ تحديًا جديدًا، فإن التعليقات الإيجابية والتشجيع يمكنها أن تصنع فارقًا بين الإلهام والعثرات المحبطة. لدينا اليوم فرصة لمنح ثقتنا حيث تستحق: أن نعترف أن السعوديين صاروا يمتلكون أخيرًا السيطرة على حياتهم، وأنهم يسيرون في الاتجاه الصحيح، ليس بسبب أنهم لا يملكون خيارًا آخر؛ بل لأنهم اختاروا أن يتصرفوا بالشكل الصحيح.

رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: