۹۸۵مشاهدات
رمز الخبر: ۱۰۵
تأريخ النشر: 30 July 2010
في السعودية، كما في أي نظام سياسي آخر، يمكن أن تتحول عناصر القوّة إلى نقاط ضعف وأعباء مكلفة. قد تخدم تلك العناصر النظام السياسي في فترة ما، ثم ما تلبث أن تفقد قيمتها، أو حتى تتحول إلى النقيض. هناك العديد من عناصر القوة التي انقلبت مفاعليها في السعودية فكانت عبئاً، نعالج منها ثلاثة:

الأيديولوجيا العبء
خدمت الوهابية كأيديولوجيا العائلة المالكة في مرحلة «بناء الدولة»، ثم ما لبثت أن أوقعت الحكم والمجتمع في مشروع «بناء الأمّة» بسبب حدّتها وإثارتها الاختلاف وتمزيقها النسيج الاجتماعي. هذه الأيديولوجيا التي شرعنت حكم العائلة المالكة، هي نفسها التي شرعنت «الخروج عليه»، كما هو واضح من حركة جهيمان (1979) وقبل ذلك حركة الإخوان (1928ــــ1930)، وحركة الصحويين بعد احتلال الكويت 1991، وأخيراً حركة التيار السلفي الذي انتهى قسم كبير منه إلى تنظيم «القاعدة» منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.

كذلك فإن نسخة السعودية الدينية قد وتّرت ــــ كما هو واضح الآن ــــ علاقات الرياض مع عواصم أخرى، عربية وإسلامية وغربية. الأساس العقائدي لتلك النسخة أنتج فتاوى وآراء شاذّة ودعوات عنف، وسّعت الهوة بين ممثلي المؤسسة الدينية السعودية والمؤسسات المشابهة لها في العالمين العربي والإسلامي. كما أن الأيديولوجيا السعودية التي كان يرحب بها في الماضي، ويفتح لها الأبواب لتنمو وتنتشر وتصبح جزءًا فاعلاً من منظومة أداء السياسة الخارجية السعودية، أصبحت مخيفة حتى لأصدقاء الرياض، ما حدا بهم الى إغلاق معاهدها الدينية (موريتانيا) ومنع نشر كتب أبرز مفكريها (المغرب وتونس، وليبيا، وغيرها). كما أن الخشية من المنتجات العنفية السعودية شجعت دولاً عربية وإسلامية على بناء مؤسساتها الدينية الخاصة وتقويتها، لتمييز «الذات الدينية» ولتأكيد مرجعيتها لمواطنيها أينما كانوا، ولتهميش دور المؤسسة الدينية السعودية وتأثيراتها عبر ما يأتي منها من فتاوى، حتى أن النفور وصل إلى حد عدم اعتماد ما تقره السعودية لبداية شهر رمضان ونهايته.

لقد عُدّت رعاية الأماكن المقدسة في الحجاز واحدة من أدوات شرعنة النظام، لكنها اليوم تكاد تتحول إلى مسبب رئيسي للاعتراض عليه. العرب والمسلمون ينتظرون من السعودية ويطالبونها بمواقف أوضح في موسم الحج من مسألة خدمة الحجاج. وأن تكون المواقف على علاقة بالدفاع عن قضايا العرب والمسلمين في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها. هذه هي ضريبة التصدي لـ«قيادة العالم الإسلامي» و«احتضان الأماكن المقدسة» ولنيل «الشرعية الدينية». لكنها ضريبة تمثل عبئاً سياسياً واقتصادياً ومعنوياً على القيادة السعودية.

لهذا لم تعد السعودية بمواقفها وأيديولوجيتها ممثلة للعالم الإسلامي (ولأتباع المذهب السنّي على وجه الخصوص) إلا رمزياً. وكيف لها أن تكون في العمق كذلك، وأيديولوجيتها لا تمثل حتى الشريحة الأكبر من مواطني السعودية نفسها، فضلاً عن أنها لا تعتبر أكثرية السنّة صحيحي الإسلام. وبكلمة: لم تعد الأيديولوجيا الوهابية عنصر قوّة وتمكين للحكم في السعودية. ولم تعد صالحة حتى لحشد الجمهور خلف الحكم حتى وقت الأزمات، وهذا ما أثبتته الحرب على الحوثيين.

لكن هذه الأيديولوجيا تحولت إلى عبء، كما وصفها د. تركي الحمد ذات مرة، وبات من الصعب الفكاك منها، أو التخلّي عنها. فصار مصير الحكم ومصير تلك الأيديولوجيا مرتبطين، وكل الآمال المعقودة تنحصر الآن في إنجاح عملية تطويع تلك الأيديولوجيا لمصالح يراها النظام السياسي، في عالم سريع التحوّل.
 
الثروة العبء
النفط نعمة بلا شك، وهو يمثل ــــ كما قال نداف سافران ــــ لحمة النظام السعودي. إنه يوفر البديل المالي للإصلاح السياسي في دولة ريعية. بإيراداته تسدد فواتير الحماية، وبه يشترى الأتباع في الداخل والخارج ويحيّد الخصوم، وتقوّى الأجهزة الأمنية. به يمكن النظام أن يردف شرعيته الدينية بشرعية المنجز التنموي. لهذا كله صار النفط مبجّلاً، يدعى له بطول العمر. كما عبر الملك عبد الله أخيراً من خلال نكتة أمام طلبة سعوديين مبتعثين في الولايات المتحدة، وأطلقت على الهواء مباشرة من القنوات الفضائية!

ثروة النفط، وإن لم تتحوّل الى نقمة، فإنها صارت عبئاً، ولو بحدود معينة، على النظام السياسي. الثروة كما الأيديولوجيا تحمّل النظام السياسي مسؤوليات، سواء على صعيد بيئته المحلية أو العربية أو الإسلامية. الثروة كما الأيديولوجيا والعلاقة مع أميركا، قضايا ثلاث تثير النقد الحاد للرياض، سواء من مواطنيها أو من جيرانها أو من المسلمين عامة. أينما وجدت فقراً أو مشكلة سياسية تساءل الناس: أين الثروة، وأين النفط؟ أين المليار ريال التي زُعم أن السعودية تبرعت بها إلى غزّة؟ لماذا لا يستخدم النفط سلاحاً سياسياً ضد الغرب؟ أين الأموال السعودية من تنمية العالم العربي والإسلامي؟ أينها من جياع العرب والمسلمين؟

من لديه الأماكن المقدسة، ويحمل أيديولوجيا دينية، ويمتلك إمكانات مالية، ويزعم الريادة على مستوى العالم الإسلامي، لا بدّ أن يواجه بمطالب ويحمّل المسؤوليات، ويُسأل عن الالتزامات. بيد أن مشكلة الثروة السعودية أبعد من هذا، فيمكن أن تتجاهل العالم من حولك، لكن لا تستطيع أن تتجاهل احتياجات الشعب السعودي نفسه. لا يمكن أن تقبل مبررات نظام ثري إزاء وجود فقراء يصل تعدادهم إلى ربع سكان المملكة. ولا يقبل منه تبرير وجود ملايين العاطلين من العمل، ولا ضعف البنية التحتية (فضحية السيول في جدة)، ولا نقص خدمات الدولة الصحية والتعليمية والإسكانية وغيرها وتدهورها.

الثروة هنا قد تصبح عامل نقمة وقد تهزّ الاستقرار السياسي، إن لم تؤدِّ دورها في تحسين مستوى معيشة المواطنين. الحكومة الغنية لديها فرصة الاستفادة من الثروة وإرضاء جمهورها، وإلا تحوّلت الثروة إلى عبء وعامل تحريض ضدها. وقد تكون الأخطار أكبر من ذلك فتسبب شرخاً في هيكل الدولة ذاتها. إن التنمية غير المتوازنة بين المناطق، واعتماد عنصر المحاباة، لا يجعلان من النفط أداة لحمة بين المواطنين، بل أداة تمزيق وتحاسد وتباغض وتنازع للحصول على ما يمكن انتزاعه من مغانم الخدمات؛ وهذا ما حدث في فترة الطفرة الأولى في السبعينيات، ولا تزال آثارها حتى الآن. لقد أدّت أموال النفط إلى أمرين متناقضين: تقوية جهاز الدولة، وتوسعة الخلاف بين مكوّنات المجتمع، بل أطلقت التنمية غير المتوازنة النزعات المناطقية والمذهبية والانفصالية.

العلاقة العبء
ارتبط نظام الحكم في المملكة بعلاقات متميزة مع الأقوياء منذ تمأسسه، بداية مع بريطانيا، ثم مع أميركا التي وفرت الحماية للرياض من أية تهديدات خارجية وحتى داخلية. من جانب آخر، اعتبرت العلاقة المتميزة بين واشنطن والرياض، عنصر مؤازرة للسياسة الخارجية السعودية لناحية تثبيت مكانة النظام إقليمياً. لكن هذه العلاقة التي فاخر الحكم السعودي بها لأنها العلاقة مع «الأقوى» تحوّلت مع الوقت إلى عبء ثقيل جداً، وخاصة في السنوات العشر الماضية.

فمع تزايد الكره للسياسة الأميركية في المنطقة والعالم، وكذلك مع تزايد فشلها على أكثر من صعيد، أصبح التجاهر والتبجح بعمق تلك العلاقة وقوتها بمثابة شتيمة وإهانة للذات. هذه العلاقة في مثل هذه الظروف السياسية لم تعد تخدم «سمعة» الرياض في محيطها العربي والإسلامي. كما أصبحت عنصر انتقاص من شرعية النظام بين الجمهور السعودي الذي لا يبدو أنه مقتنع بخصوصيتها، وخصوصاً أن سياسة واشنطن جلبت الضرر على السعودية كما على العرب والمسلمين.

من المؤكد أن العلاقة المتميزة مع أميركا لا تخدم اليوم شرعية النظام السياسي ولا سمعته بين جمهوره، كما لا تخدم الدور السعودي الخارجي في المنطقة، إن لم تكن قد أوقعته في مآزق عدة، وقد تجرّه إلى مآزق أخرى (إقحام السعودية في الحرب مع إيران مثلاً). وإذا ما أرادت الرياض أن تستعيد بعض أدوارها القيادية، فإنها ملزمة، في الحد الأدنى، بأن تميّز مواقفها عن مواقف واشنطن.

حتى عنصر الحماية لنظام الحكم في الرياض، الذي تدور حوله مسألة «العلاقات الخاصة» مع واشنطن، فقد شهد تحولات إثر أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذ كاد ينقلب دور أميركا من «الحامي» إلى «المهدّد»، ما أثار ذعر النظام ودفعه ليجهد في إرضاء أميركا، وربما نجحوا في ذلك أخيراً.

حتى الآن، لا يبدو أن لدى الرياض مرونة كافية تمكنها من تفادي تحوّل مصادر قوتها إلى ضرر متحقق. وفي الحقيقة، فإنها تبدو غير مدركة بدقة لما يجري من تحولات في الرأي العام وفي موازين القوى المحلية، وكل رهاناتها قديمة المنشأ والتحليل. وفي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية، الحليف الرئيسي لواشنطن في أوروبا، أنها بصدد تعديل سياستها الخارجية بحيث تكون أقلّ تبعية للولايات المتحدة... كان الملك عبد الله يزور كندا وواشنطن، وكان المسؤولون السعوديون يتحدثون عبر التلفزيون السعودي مباشرة عن «تطابق وجهات النظر» بين الطرفين الأميركي والسعودي في ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط (فلسطين وإيران ولبنان والعراق)! فيما كان يفترض أن يؤكد الجانب السعودي على عناصر الاختلاف مع واشنطن، كرسالة يوجهها إلى جمهوره في الداخل، وإلى العرب والمسلمين الذين طال انتظارهم لدور سعودي ضاغط على أميركا لتعديل سياساتها المعادية للعرب.
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: